«الكنعانيون»… إمكانية شعب جديد

حجم الخط
0

ذات مرة كان هنا تيار فكري سمي سخرية «كنعانيون». الشاعر يونتان رتوش، والمؤرخ عديا حورون، ادعيا بأنه ولد في البلاد شعب يتجاوز ألفي سنة من المنفى ويرتبط بالثقافات الصنمية العتيقة التي ازدهرت في بلدان الهلال الخصيب. وتأثر أدباء وفنانون هامون بالمزاج الذي يتناسب وصورة الوليد (الاصيل) الذي يقطعه مشهد مولده، لغته، العبرية الجديدة وتحدياته أمام محيطه عن التاريخ اليهودي.
لقد تعرضت رؤيا «الكنعاني» للتحقير وتبددت، ولكن سياقات التاريخ تريدها بشكل جديد. فاليهود يطورون شخصية جماعية تختلف عن شخصية يهود الشتات. فهؤلاء سرعان ما تقل اعدادهم ومشاعرهم تجاه الدولة وتبرد. ولن تدوم العلاقة التي تقوم على اساس ذكرى الكارثة، على اللاسامية المعتدلة وعلى اطباق المطبخ اليهودي التقليدي. واصطلاح «ابناء شعبنا في الشتات» هو مجرد كلمة دارجة، تعبير عليل لا يعبر عن هوية مشتركة والتزام متبادل عميق. ووحدها عاصفة لاسامية اجرامية وأزمة اقتصادية فظيعة في الدول الغربية ستوقف هذه المسيرة.
وعلى نحو مشابه يبتعد العرب الإسرائيليون عن العالم العربي. فهم يبتعدون عنه بسبب عشرات من سنوات الانعزال المفروض، بسبب اغراءات الديمقراطية وبسبب اعترافهم بأن حياتهم كإسرائيليين افضل من الحياة في الدول العربية. ولا غرو أن معظمهم لا يتطلعون إلى الخارج بل إلى الداخل، وبالذات لهذا السبب تتعزز مطالباتهم بالمساواة الكاملة. التصريحات الفظة على لسان شخصيات عامة عرب، والتي يعتبرها معظم اليهود كتهديد، ليست مؤشرا على الابتعاد بل على الاقتراب الذي يترافق والرغبة الطبيعية للحفاظ على التميز. قارنوا هذا بالتصريحات التي على لسان الزعامات الاصولية في ضوء انهيار الاسوار التي تفصل بين مجتمعاتهم وبين العموم الإسرائيلي.
وكنتيجة لهذه القوى، والتي تكاد لا تكون متعلقة بافعالنا وقصوراتنا، ينشأ هنا حاضر إسرائيلي متعدد الالوان تتوثق روابطه الداخلية. سند غير مباشر لحجتي اجده في آخر بحث لعالم الاجتماع البروفيسور سامي سموحه، الذي يواظب منذ سنين على فحص العلاقات بين الشعبين. فهو يكتشف ان الثلث من بين اليهود والعرب من مواطني إسرائيل لا يلقون بكامل الذنب في النزاع على الشعب الاخر. هذه معدل هائل إذا اخذنا بالاعتبار حقيقة أن أبناء الجماعتين يطعمون لعشرات السنين من الدعاية التي تلقي كل الذنب على غيرهم.
ان الاعتراف بأن أبناء قبيلتي ليسوا ابرياء ليس ممكنا دون تطور واقعي. ففي غضون أربعة أجيال، تحولت اقلية من نحو 100 الف عربي، في غالبيتهم الساحقة فلاحون صغار صودرت معظم اراضيهم، إلى اقلية كبيرة سيبلغ عددهم في غضون 15 سنة مليوني مواطن وفيهم طبقة وسطى مدينية، عشرات الاف خريجي الجامعات ونخبة مثيرة للانطباع تتحدث العبرية، وفي احيان كثيرة أغنى من تلك اليهودية التي العبرية هي لغة الام لديهم.
ان الوجود البارز لكثير من العرب في مهن الطب، التعليم، القضاء والمحاسبة، مقابل الوجود الهزيل لهم في الاعمال التجارية الكبرى، في الشركات الحكومية، في خدمة الدولة، في الجيش وفي مجالات عديدة اخرى هو نتيجة تسلل. ومثل اليهود في المجتمعات الاوروبية اللاسامية فإنهم يتسللون عبر الثغرات في الحواجز ويتثبتون بالتدريج في مجالات عمل اقل حساسية للتمييز المؤطر والاراء المسبقة. وفي نهاية المطاف، سينجحون في توسيع الثغرات لدرجة أن دائرة هويتهم الاساس ستكون المشتركة لمعظمنا.
في إسرائيل، احدى الدول المكتظة في العالم، لا يحتمل فصل على مدى الزمن. نحن محكومون بالاحتكاك والاختلاط الواحد بالاخر بلا حدود. لا يمكن أن نعرف كيف سيبدو المجتمع الإسرائيلي بعد بضعة اجيال، ولكن ليس بالضرورة التمسك بالتوقع المتشائم. بعد عشرات السنين من فكرة «الكنعاني» التي لفظت أنفاسها، تبرز مؤشرات تلمح باستيقاظها.

معاريف 19/7/2016

«الكنعانيون»… إمكانية شعب جديد
صادقت لجنة الكنيست أمس على قانون التنحية الذي لا غاية له سوى كم أفواه النواب العرب
يرون لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية