يستهدف التشريع مواجهة مشاكل اجتماعية من أجل أن يخدم حاجات كل المجتمع. في السنوات الأخيرة، بدءًا من الكنيست الثامن عشر، تنتشر ممارسة تتمثل في تشريع واقتراحات مشاريع قوانين تتجاهل ذلك. عرض بارز لهذه الظاهرة نجده في أقوال التفسير لمشاريع قوانين لا تتضمن وصف للمشكلة، ولا نريد الحديث عن غياب كامل للبيانات الداعمة لوجودها.
في أحيان كثيرة هناك فجوة كبيرة بين هدف القانون المدعى به وهدفه الحقيقي. مؤيدو وضع تشريع ضد منظمات أعلنوا في البداية أن ليست لهم مصلحة في منظمات معينة بالتحديد، وكل هدفهم هو ضمان شفافية فيما يتعلق بمصادر التمويل الأجنبية. بعد أن تم ضمان الشفافية، تواصلت الجهود لتقويض شرعية هذه المنظمات، من خلال عرضها الكاذب وكأنها تروج لمصالح دول أخرى، وتعمل من أجل تقديم جنود الجيش الإسرائيلي للمحاكمة خارج إسرائيل. المطالبة بالشفافية لم تكن سوى تمويه لتصفية محددة ضد منظمات معينة.
عمليات التمويه والإخفاء اتخذت أيضًا بخصوص مبدأ الاستيطان اليهودي. صحيح أنه تم إدخال بند في قانون لجان القبول يمنع التمييز رغم أنه من الواضح للجميع أن الأمر يتعلق بالغمز ولفت الانتباه. القانون كله يستهدف تمكين إنشاء بلدات لليهود فقط، أي تشريع للتمييز ضد غير اليهود. وفي الصيغة الأولى لقانون القومية أيضًا جرت محاولات ضد إقامة بلدات لليهود فقط، من خلال إمكانية إنشاء بلدات متجانسة على قاعدة عالمية بقدر الإمكان متمثلة بالدين أو القومية.
إن عدم الالتزام بالحقيقة وجد تعبيره أيضًا في نص القوانين نفسها، ومثال على ذلك: إخفاء مواطني إسرائيل العرب من قانون القومية وكأن الدولة لهم. وكذلك القوانين التي تتعلق بالمناطق المحتلة وكأنها جزء من إسرائيل.
أحيانًا يبرز انعدام الهدف من التشريع بحيث لا تجد هناك علاقة بين ما تريد أن تروج له وبين الوسيلة التي تم اتباعها. القانون ضد «نحطم الصمت» على سبيل المثال، موجه ضد هدف غير موجود.
على الأغلب، ضرر القانون يفوق فائدته، مثل القانون الذي يلزم إيداع جزء من راتب العمال الأجانب الذين ليس لديهم تأشيرة دخول ـ إساءة ـ وهذا أيضًا سرقة. ولكن الرقم القياسي مسجل على اسم قانون القومية الذي هو ضرر شديد بحد ذاته. في هذا ما يدل على أن الأمر يتعلق فعليًا بقوانين هدفها الحقيقي الترويج لأهداف مرفوضة، مثل تشريع التمييز وإسكات الآراء غير المقبولة، والأخطر من ذلك فرض الرواية السياسية للنظام المختلف عليها جدًا لدى الجمهور.
هذا التراكم من القوانين الظالمة والغبية لم يكن على سبيل الصدفة. القوانين تستدعي النظر إلى الصورة بالكامل؛ إجراءات التشريع هذه تستهدف تصفية التمايزات الضرورية بين الحكم والدولة، وبين المجتمع والدولة، وبين حكم الأغلبية وحكم الشعب. وإحدى الخصائص الضرورية للديمقراطية، التي استهدفت ضمان وجود هذه التمايزات هي الفضاءات المستقلة التي تنشئها الدولة إلى جانب السلطة ومقابلها: وسائل الإعلام، والتعليم، والثقافة، والتعليم العالي والبحث العلمي، والدين ومنظمات المجتمع المدني.
هذه الفضاءات استهدفت ـ ضمن أمور أخرى ـ ضمان أن سلوك النظام سيكون خاضعًا للنقد المتنوع في أي وقت، ويشكل وزنًا مضادًا للحزبية السياسية والقطاعية، التي هي على الأغلب مستبدة، أما الاتفاقيات التي تعززت، رغم أن الدهر أكل عليها وشرب، أصبحت مقدسة من أجل التمكين من فضاء مدني مهم ورسمي هدفه مصلحة الجميع.
للقانون في الدولة الديمقراطية مصادر شرعية تتجاوز قوة إنفاذ الدولة، أحدها يكمن في الفكرة الديمقراطية: الشعب، بواسطة ممثليه، يحدد معايير من أجله، وملزمة له. هذا مشروط باحترام استقلال الفضاءات الاجتماعية ـ خارج السلطة، والحفاظ بصورة كبيرة على حرية التعبير. وهو مشروط أيضًا بأن إجراءات التشريع والقانون نفسه تعبر عن روح ديمقراطية وتشمل جميع المواطنين والعمل لصالح الجميع، مثل التي يمكن للمواطنين الأحرار والمتساوين أن يوافقوا عليها.
لذلك، في قانون القومية وقوانين مشابهة أخرى فقد سحب النظام من نفسه قاعدة الشرعية الديمقراطية، إضافة إلى ذلك، فإن قاعدة الشرعية الأكثر أهمية للقانون هي أخلاقية مضمونه.
قانون الأساس الذي يلزم الأقلية بالتسليم بتغييبها ورؤيتها كمتدنية يعد غير أخلاقي. تشريع يمس المساواة ولا يهم إذا كان الأمر يتعلق بالنساء أو السود أو المثليين أو الدروز أو العرب، يتناقض مع العدل، لذلك هو لا يستحق الاحترام.
رئيسة محكمة العدل العليا في بولندا رفضت الاستقالة من منصبها قبل حوالي شهر، مع العلم أنها تخرق قانونًا جديدًا للبرلمان في بولندا، الذي خفض سن التقاعد للقضاة الموجودين في وظائفهم (وهي فكرة طرحت لدينا أيضًا). لقد جلست في مكتبها، رغم أن ولايتها حسب القانون انتهت.
هل المس بالمساواة في قانون القومية أقل خطورة من المس باستقلالية القضاة في بولندا؟ هل الكنيست يريد أن يجعل حماة القانون لا يحترمون قوانين لا يمكن بأي شكل احترامها؟ هكذا يهز الكنيست احترام القانون ويقوض القاعدة لنفاذه الملزم.
هآرتس 7/8/2018