تشهد الساحة الأدبية الرقمية العربية في الآونة الأخيرة حركة نشيطة على مستوى تدبير مكونات المنظومة المفاهيمية، التي هي في طور التشكل والتجريب في عالمنا العربي. وهذا مؤشر صحي سيساهم في دينامية التنظير للأدب الرقمي، ومحاولة البحث عن مفاهيم موحدة، بدل هذا الشتات في المفاهيم: الأدب «الديجيتالي»/ الأدب المعلوماتي/ الأدب الرقمي/ الأدب الإلكتروني/ الأدب الشبكي.
لكن لا أخفي صعوبة تحقق هذا المفهوم الموحد في إطار فضاء تكنولوجي سمته الأساسية الحركية والتنوع والتحول، وهيمنة مفهوم «دمقرطة المعرفة» الذي أشرت إليه في كتابي «أدب. Com مقاربة للدرس الأدبي الرقمي بالجامعة»، حيث أصبحت المعلومة وآليات تداولها وتحليلها عبر الفضاء الأزرق، في ملك الجميع؛ عكس المعرفة المتداولة من خلال المنشورات الورقية، نظرا لمحدودية انتشارها بالمقارنة مع محتويات ومضامين شبكة الإنترنيت، وسرعة التفاعل إرسالا وتلقيا. ونظرا للسمة الآنفة الذكر التي يتسم بها الفضاء الأزرق على المستوى التكنولوجي، فإنه يصعب فعلا تقديم مفهوم محدد للأدب الذي يتخذ من التكنولوجيا والنشر عبر شبكة الإنترنيت وسيلة جديدة للتواصل. لأن الوعاء التكنولوجي الذي يحتضنه سريع التغيير من خلال مكوناته، وكذا الإمكانيات التقنية المتعددة التي تتاح أمام النص السردي بصفة خاصة، والأدب بصفة عامة؛ حيث يغير هذا النص تشكله وفق نظام البرمجيات الذي يعرف بدوره تطورات سريعة جدا.
وفي هذا الإطار سنعرض مصطلحا تم طرحه مؤخرا من خلال ملتقيات ومؤتمرات دولية خاصة بالأدب الرقمي أو الأدب الإلكتروني، على أساس أنه مصطلح مبتكر وجديد. يتعلق الأمر بمصطلح «الكوزموتكست»، والحقيقة أن هذا المصطلح قديم جدا، تم تداوله منذ نهاية القرن السابع عشر الميلادي، فهو لا بالجديد ولا المبتكر. وكل ادعاء يدعي غير ذلك، فهو يضع قطيعة معرفية وتاريخية مع سياقه الإبستيمولوجي الذي أنتجه منذ مئات السنين. وهذا ما دفعني ـ من خلال هذا المقال ـ إلى الرد على هذا الطرح، وهذه الاحتفالية المبالغ فيها دون سند معرفي دقيق، ودون قراءة فاحصة لتاريخ الأدب وتاريخ الأفكار، من خلال مدارس الأدب المقارن والأدب العام، خصوصا ما أنتجته المدرسة الفرنسية، لتدبر مفهوم الكونية وعلاقة الأدب/ الآداب به، وأهمية الدرس المقارن في معالجة كونية الأدب من خلال التطورات التي يعرفها الدرس الأدبي في علاقته بعلم البرمجيات وتطويعه للنص الأدبي كي يواكب تطورات العصر.
لا يهدف هذا المقال إلى النقد المجاني، بل هو يذكر بأهمية الاطلاع على تاريخ الأفكار، وما تم إنجازه في عالم الترجمة في فرنسا على وجه الخصوص وأوروبا عموما، وهو تراكم معرفي يقعد ويؤسس للتحولات التي يعرفها الأدب حاليا في ارتباطه بالتكنولوجيا، وبمفهوم «علم الأدب». من هنا نتساءل:
1/ هل يمكن اعتبار مصطلح الكونية/ الأدب الكوني/ النص الكوني… إلخ هو فعلا وليد الفترة التي نعيشها، التي تسمى (ما بعد – بعد) حداثة؟ (نسجل تحفظنا على هكذا تسمية).
2/ وبالتالي هل يمكن اعتبار الكوزموتكست هو فعلا وليد التعاطي مع الوسائط الجديدة، أو الجديدة جدا؟ أليست له خلفية معرفية تاريخية سابقة لعصرنا؟
لقد شهد القرن السابع عشر إنتاجا غزيرا في الترجمة، خصوصا في نصفه الثاني. فقد مكنت الترجمات العديدة الفرنسيين، ومن خلال مختلف الأنواع الأدبية، من التعرف على كتاب مهمين غالبيتهم بريطانيون، خصوصا في الفترة الممتدة ما بين 1860 و1730، حين كانت فرنسا تعرف فقط الأدب الإنكليزي من خلال ترجمات أعمال بيكون وسيدني وباركاي وآخرين. بعدها تغيرت الوضعية خصوصا مع بداية القرن 18 التي وصفها فيليب ـ أدريان فان تيغيم (الإبن) بـ«الأفق الأدبي الواسع»، حيث انضافت إلى لائحة الترجمات الخاصة بالآداب الأجنبية التي تعرف عليها الفرنسيون؛ الأدب الإيطالي والإسباني والألماني. وقد لاحظ فان تيغيم أنه «في هذه المرحلة تضاعفت الترجمات بشكل كبير، حيث تأسست الجرائد الأدبية في كل مكان وأصبح مفهوم (جمهورية الأدب) حاضرا بشكل تلقائي في نفوس ومشاعر العديدين، وغدت النزعات الكوزموبوليتية، والكوزمو ثقافة/ كوزمو أدب من العلامات المهيمنة على هذا القرن». وفي سنة 1734 وصف فولتير هذه النهضة في مجال الترجمة بأن لها قيمة، تتجلى في «توسيع ذوق الفرنسيين». مع ملاحظة أنه في هذا القرن، كانت الترجمة تتم في نفس سنة صدور الكتاب في بلده الأصلي. ونشير أيضا إلى أن دخول الأدب الألماني إلى فرنسا كان متأخرا بالمقارنة مع باقي دول أوروبا، وذلك راجع إلى عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية؛ حيث هيمنت أحاسيس ومشاعر التجاهل والاحتقار من قبل الفرنسي المثقف اتجاه الأدب الألماني واللغة الألمانية. وابتداء من 1776 بدأ الفرنسيون يتعرفون على غوته من خلال ترجمة «فرتر» الذي عرف نجاحا كبيرا، ثم على شيللر ولسنغ وفيلاند. ثم انفتح المجال أكثر من خلال ترجمات للأدب البرتغالي والصيني، كما ترجمت ألف ليلة وليلة في 12 مجلدا من إنجاز أنتوان غالاند. لكن هذا الانفتاح على قارات أخرى ظل محتشما بالمقارنة مع الترجمات داخل أوروبا، ويعود ذلك بالأساس إلى ضعف التبادل الثقافي مع باقي أقطار العالم.
وهنا، لا بأس من التذكير بريادة فرنسا أوروبيا وعالميا في مجال الترجمة، والانفتاح على ثقافات أخرى من خلال حقل نقدي/ تنظيري هو الأدب المقارن، الذي هو مدرسة قائمة بذاتها. وقد لقيت الترجمة كآلية للانفتاح على الآداب الأجنبية، دعما قويا من خلال صدور مجلات أطلق عليها وصف الكوزموبوليتية. فقد ظهرت سنة 1754 أول مجلة أدبية متخصصة بعنوان Revue cosmopolites وle journal étranger حيث عرفت القارئ الفرنسي على كتاب عديدين من مختلف الثقافات، وتمكنت لأول مرة من تجميع كوكبة من المترجمين من أجل العمل على جعل النصوص في متناول الجميع، أي كوزموبوليتية/ كونية/ عالمية، محطمة بذلك الحدود الفاصلة بين الدول والقارات.
ومن جهة أخرى، يمكن أن يكون للنص الرقمي وضعه الكوزموبوليتي على مستوى تواجده/ نشره على الإنترنيت، شريطة أن يكون مترجما إلى عدة لغات، تمكن القارئ من التفاعل معه وتحقيق كوزموبوليته/ كونيته/ عالميته. فمثلا النصوص الإبداعية لرائد الكتابة الرقمية في العالم العربي محمد سناجلة، لا يمكنها أن تكون كوزموبوليتية ولا عالمية ولا كونية في غياب ترجمتها إلى لغات أخرى. وستبقى الاقتراحات المفاهيمية مجرد آليات تجريب يتم تداولها لتحليل النصوص الأدبية في وعائها التكنولوجي. مؤكدين أن هذه الوسائط الجديدة، فيسبوك وتويتر ويوتيوب، قد تعطي خطابا عالميا جديدا يجمع بين الشعوب وثقافاتها، لكنها لا يمكن أن تنتج أدبا كونيا بمواصفات رقمية وبرمجية، خصوصا في عالمنا العربي، حيث نسجل الملاحظات التالية:
قلة الإبداعات الرقمية: رواية/ شعر/ قصة، رغم الانفتاح على تجارب غربية، وسهولة الاطلاع عليها عبر شبكة الإنترنيت.
ضعف عدد الكتاب الرقميين إجمالاً، وعدم وجود تراكم إنتاجي لديهم يمكن من تقييم التجربة ونقدها.
وفي مقابل هذا، نجد إنتاجا غزيرا على مستوى التنظير والترجمة (كتب ومقالات)، دون مقاربة تحليلية جادة للإبداعات الأدبية الرقمية.
غياب الترجمة في هذا الحقل الإبداعي؛ وبالتالي لا كونية ولا كوزموبوليتية أدبية في ظل غياب مترجمين للأدب الرقمي، وبالتالي لا ننتظر أن تكون لأعمال محمد سناجلة حظا من العالمية ـ كما أشرنا سلفا ـ دون ترجمة لأعماله كي يتعرف عليها القارئ الغربي.
وبالتالي، تظهر أمامنا هذه الهوة الكبيرة بين عالمين رقميين: أحدهما يجتاز الحدود إلى عالمنا العربي من خلال اللغة الفرنسية والإنكليزية، لأن التاريخ الاستعماري للعالم العربي مكن من نشر لغته على أكثر من صعيد وفضاء، حيث تمكن القارئ العربي من الاطلاع على الآداب الرقمية الأجنبية في لغاتها الأصلية؛ في حين ظل الآخر/ الأجنبي بعيدا عن اللغة العربية (تعلما ودراسة)، وبالتالي غير مطلع على الإنتاج الإبداعي الرقمي العربي (على قلته) وظروفه ومكوناته وآفاقه.
وفي الختام نسجل الملاحظات التالية:
إن الكوزمو- أدب / الكوزمو- نص وغيرها من المفاهيم، ليست بالسياق الأدبي الجديد وقد شرحنا سلفا ذلك، وقدمنا السياق التاريخي والمعرفي لهذه المفاهيم.
إن «النظرة الكونية» لثقافات العالم المختلفة لا يمكن تحققها في غياب تمكين الثقافات التي عاشت ردحا من الزمن تحت الوصاية الكولونيالية، من التعبير عن ذاتها، ورفع صفة الدونية والتهميش عنها.
تعتبر الترجمة البوابة الأساسية والفاعلة لتحقيق هذه «النظرة الكونية»، وفي غيابها «غياب للمشترك الإنساني»؛ الذي نعتقد أن التكنولوجيا ومن خلالها الوسائط الجديدة، يمكن أن تساهم في بنائه، من خلال تحقق نص أدبي رقمي قادر على استيعاب هذا المشترك الإنساني.
إن انتقال مفهوم الكوزموبوليتية من طابعه الكلاسيكي، كما قدمناه منذ ظهوره خلال القرن السابع عشر إلى طابع حديث/ جديد في العالم التكنولوجي، لا يمكنه التحقق إلا من خلال مؤسسات تشاركية عالمية/ قارية/ إقليمية، متفاعلة، تسهر على خلق حوار جاد أساسه تكامل الثقافات، والحق في الاختلاف ثقافيا وحضاريا. وللجامعات دور أساسي في هذا الجانب المؤسساتي.
د. فاطمة كدو