لندن ـ «القدس العربي»: تشير نتائج استطلاع بريطاني إلى المدى الذي يهتم فيه الرأي العام بالأزمة السورية. فقد أظهر استطلاع أجراه معهد «يوغوف» لصالح المؤسسة الخيرية «منظمة الإغاثة الإسلامية- فرع بريطانيا» أن نصف البريطانيين لا يؤيدون استقبال اللاجئين السوريين في بلادهم. وهذا يفسر العدد القليل الذي تم استيعابه من المهاجرين السوريين في بريطانيا 187 حسب صحيفة «إندبندنت».
ونقلت الصحيفة عن مدير المؤسسة في بريطانيا جهانغير مالك قوله إن «نتائج التقرير مثيرة للقلق لأنها تظهر مواقف سلبية للرأي العام البريطاني وأن مواقفهم تجاه اللاجئين أصبحت متشددة أكثر».
وتتزامن نتائج الاستطلاع مع التقارير التي تحدثت عن قيام لاجئين سوريين بخرق الأسلاك الشائكة عند بلدة أكاكالي التركية القريبة من سوريا. وشارك في الاستطلاع 6.000 شخصا ووجد أن نسبة 42% من البريطانيين لا يدعمون استقبال اللاجئين الفارين من مناطق الحرب.
وأظهر إنه عندما يتعلق الأمر بالسوريين فالموقف يصبح أكثر تشددا حيث لا ترحب نسبة 47% باستقبالهم. فيما أعربت نسبة 29% من المشاركين عن دعمها استقبال السوريين الفارين من الحرب في بلادهم. ويبلغ عدد اللاجئين السوريين الآن حوالي 4 ملايين نسمة موزعين في الأغلب على خمس دول وهي تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر.
وفي تفسير لمنظمة الإغاثة الإسلامية لنتائج الإستطلاع ترى أن الموقف من السوريين مرتبط في جزء منه بالمواقف العامة من المسلمين.
وقال مالك إن الوقت قد حان للتركيز على المشاركة الإيجابية للمسلمين في المجتمع البريطاني.
ولكن الاستطلاع أظهر مخاوف الرأي العام من الإسلام والمسلمين. فعندما سئل المشاركون عن العبارات والمصطلحات التي يربطها الناس بكلمة «مسلمين. كشف الإستطلاع عن ميول مثيرة «للقلق» حيث قالت نسبة 12% إنهم يربطون المسلمين بـ»الإرهاب».
«سي آي إيه» تخفض
وبعيدا عن معاناة المهاجرين ذكرت صحيفة «التايمز» البريطانية أن المخابرات الأمريكية «سي آي إيه» التي تشرف منذ سنوات على برنامج سري لتدريب المعارضة السورية قررت تخفيض التمويل لبرنامج تدريب أفرادها وتمويلهم وتسليحهم وسط ما قالت الصحيفة أن هناك شكوكا متزايدة حول السياسة الأمريكية بالمنطقة.
وقررت لجنة في الكونغرس مختصة بالميزانية الأمنية صوتت لتخفيض الدعم المخصص لبرامج تدريب المعارضة السورية.
ورغم رفض المسؤولين التعليق على البرنامج السري إلا أنه كان مصدر إحباط. وبدأت الولايات المتحدة بإرسال أسلحة للمقاتلين السوريين في عام 2013 إلا أن البرنامج كان مصدر إحباط للطرفين.
واشتكى أحد القياديين السوريين من أن الدعم العسكري الذي تلقوه لم يكن يتجاوز 16 طلقة في الشهر، فيما انشق آخرون إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» حيث الرواتب أحسن والسلاح متوفر بكثرة.
وتقول الصحيفة إن هناك إشارات عن تحضير الرئيس السوري بشار الأسد لتقسيم سوريا فعليا فانسحاب قواته إلى دمشق والمعاقل القوية للنظام يعني ترك بقية سوريا لتنظيم «الدولة» وبقية فصائل المعارضة تتقاتل فيما بينها للسيطرة عليها.
وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» قبل يومين في تقرير لها إن تخفيض الدعم لبرنامج «سي آي إيه» يعكس شكوك النواب الأمريكيين من فعالية البرنامج ومن استراتيجية الرئيس باراك أوباما في الشرق الأوسط. وقررت لجنة الأمن في الكونغرس تخفيض نسبة 20% من البرنامج الذي تحول لواحد من أكثر برامج المخابرات الأمريكية السرية ويكلف حوالي مليار دولار في العام.
ونقل عن آدم شيف، النائب الجمهوري عن ولاية كاليفورنيا «هناك قلق كبير وعلى قاعدة مشتركة فيما يتعلق بالإستراتيجية في سوريا» ولم يقدم تقارير حول الموضوع ولكنه قال إن الولايات المتحدة ستكون في وضع «لمساعدة وتشكيل الوضع فيما بعد الحرب الأهلية» في سوريا. وعبر المسؤولون الأمريكيون من تأثير القرار على وضع المعارضة السورية خاصة أن التخفيض يأتي في وقت بدأت فيه المعارضة المعتدلة والقوى المتشددة تحقق تقدما في شمال وجنوب سوريا.
وتشير التقييمات الأمريكية الأخيرة أن الحرب في سوريا بدأت تدخل مرحلة حرجة ويخسر فيها الرئيس السوري مناطق وقد يجبر على التخلي عن معظم البلاد باستثناء منطقة صغيرة من البلاد. ونقلت عن عضو في لجنة الأمن قوله إن «خسائر النظام على جبهات القتال تدفع الحرب قريبا إلى باب الأسد» وأضاف «هذا لا يعني أنه على حافة الهزيمة» مشيرا إلى أن الروس والإيرانيين لا يزالون ملتزمين بدعم النظام وقد يحاولون منع انهياره.
وبسبب خسارته إدلب ومناطق أخرى قال المسؤول إن «الكثيرين بدأوا يتحدثون علنا عن قرب نهاية اللعبة بالنسبة للأسد».
ما بعد الأسد
وتقول الصحيفة إن التكهنات قد أدت لسلسلة النقاشات داخل البيت الأبيض و»سي آي إيه» والبنتاغون ووزارة الخارجية بشأن ترتيبات ما بعد الأسد، وفيما إن كانت المعارضة السورية المعتدلة في وضع لمنع سيطرة الجماعات المتطرفة بمن فيها تنظيم «الدولة الإسلامية» على البلاد بعد رحيل الأسد.
وكان الرئيس الأمريكي قد وسع الأسبوع الماضي من دور الولايات المتحدة العسكري في الحرب ضد تنظيم «الدولة» وأمر بنشر قوات إضافية ومستشارين في العراق.
فيما أعلنت وزارة الدفاع عن برنامج منفصل لتدريب المعارضة من أجل قتال تنظيم «الدولة الإسلامية».
وترى أن الضعف المفاجئ للنظام السوري أجبر الولايات المتحدة على إعادة النظر في برنامج التدريب حيث يعتبر من أهم ملامح المشاركة الأمريكية المباشرة في الحرب السورية. ويقول المسؤولون الأمريكيون إن «سي آي إيه» قامت بتدريب 10.000 مقاتل وأرسلتهم إلى سوريا خلال السنوات الماضية ما يعني أن الوكالة تنفق حوالي 100.000 دولار أمريكي على كل مقاتل سوري درب ودرس عبر البرنامج. ويقول مسؤولون أمريكيون إن حجم النفقات يذهب في اتجاه الرواتب والأسلحة وبعضها جزء من الهجمات التي تقوم بها السعودية وقطر وتركيا لتعزيز مستوى الجماعات المعارضة في جنوب سوريا.
كما أن معظم الأموال التي تنفقها المخابرات الأمريكية تذهب في اتجاه إدارة المعسكرات في الأردن وجمع المعلومات وإدارة الشبكة اللوجيستية لإدخال المقاتلين والذخيرة والأسلحة إلى داخل البلاد.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن هناك مخاوف داخل الإدارة من الفراغ الذي سيخلفه الأسد حالة رحيله ومن سيشغره خاصة أن مهمة سي آي إيه في الماضي، خاصة أن مهمة «سي آي إيه» تغيرت من مساعدة المعارضة على الإطاحة بالأسد إلى مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يحتل حسب بعض التقديرات نصف الأراضي السورية.
وبحسب آدم شيف «لسوء الحظ، أعتقد ان تنظيم «الدولة الإسلامية» و»النصرة» وبعض الفصائل المتشددة في وضع جيد لاستثمار الفوضى التي قد ترافق التراجع المتزايد للنظام». وحتى المدافعون عن برنامج «سي آي إيه» يعترفون أن المعارضة المعتدلة في سوريا لم يكن أداؤها جيدا وقد تهزم في آية مواجهة بينها وتنظيم «الدولة الإسلامية».
ورغم ذلك يعترف مسؤولون آخرون بأن المعارضة المعتدلة حققت تقدما في الأيام الأخيرة عندما سيطرت على قاعدة عسكرية كبيرة تابعة للنظام. وبحسب مسؤول أمني «فهذا صحيح في الجنوب السوري حيث تظهر (الجماعات المدعومة من الولايات المتحدة) كقوة مهمة وتسيطر على قواعد عسكرية مهمة للنظام». ويضيف إن «الدعم الأمريكي للمعارضة يثمر وإن كان ببطء ولكن بحزم».
وأصبحت المعارضة السورية في جنوب البلاد أكثر تنظيما وفعالية من ذي قبل وحصلت على أسلحة ثقيلة منها صواريخ «تي أو دبليو» المضادة للدبابات. ويقول أبي الشهبندر، المستشار السابق للمعارضة السورية «أصبحت أكثر انسجاما ولديها قيادة للتحكم».
ورغم الإنجازات التي حققتها المعارضة في الجنوب إلا أن الضغط يظل على الأسد من الشمال حيث يقوم تنظيم «الدولة» بحملة للهجوم على النظام، فيما يخوض «جيش الفتح» حربا مستفيدا من الأسلحة التي حصل عليها من قطر وتركيا والسعودية. وتواجه المعارضة السورية تحديين، الأول يمثله النظام والثاني من جهاديي تنظيم «الدولة».
تل أبيض
ومثل النظام السوري يواجه هذا معارك على عدد من الجبهات. وفي ظل تقدم المقاتلين الأكراد نحو تل أبيض بدعم جوي من طيران التحالف أصبح التنظيم في حالة دفاع.
ولو سقطت بلدة تل أبيض فسيغلق طريق الإمدادات الآتي من تركيا. وستمثل خسارة تل أبيض ضربة للتنظيم لأنها تعتبر طريقا للتجارة وتهريب المقاتلين الأجانب وبيع النفط الخام. وتعتبر أيضا الخط الذي يربط ما بين الرقة وتركيا.
ويمثل تقدم قوات الحماية الشعبية نحو مناطق تنظيم «الدولة الإسلامية» تطورا مهما من ناحية اعتماد الولايات المتحدة عليهم كحلفاء يوثق فيهم على الأرض وتجنب التعامل مع المعارضة السورية المعتدلة.
وهو ما يثير قلق الحكومة التركية، خاصة أن معظم مقاتلي الحماية مرتبطون بحزب «العمال الكردستاني (بي كي كي)» الذي تعتبره تركيا والولايات المتحدة جماعة إرهابية. وتقدمت قوات الحماية منذ شهر أيار/مايو في عدد من المناطق حيث استعادت عددا من القرى والبلدات الكردية والمسيحية التي كانت تحت سيطرة الجهاديين. وكانت القيادة المركزية الأمريكية قد أكدت أن قوات كردية وآشورية ومسيحية وقبائل تشارك في العملية.
ماذا لو انتصر «تنظيم الدولة»
وكما أظهرت تجربة العام الماضي فلدى الجهاديين القدرة- على الأقل في المدى القريب على الرد السريع مثلما حدث في السيطرة على مدينتي الرمادي في الأنبار وتدمر في سوريا.
وهنا يتساءل ستيفن وولت في مجلة «فورين بوليسي» عن سيناريو ينتصر فيه «تنظيم الدولة الإسلامية». وقال «حان الوقت لطرح سيناريو إشكالي: ماذا سنفعل لو انتصر «تنظيم الدولة»؟ وبالنصر لا يعني انتشار الجهاديين وتوسعهم مثل النار في الهشيم ويقيمون دولة إسلامية تمتد من بغداد إلى الرباط بل ونعني الحفاظ على المكتسبات التي تحققـت حتـى الآن. وبهذه الطريقة يتحـدوا الجهـود الخـارجية لإضعـافهـم. ومن هنا فالسؤال مـاذا نعمـل في حـالة تحـول «تنظيـم الدولـة» إلى دولـة حقيقيـة.
ولا يستبعد الكاتب هذه الإمكانية في ظل ضعف الحكومة العراقية القيام بهجمة مضادة ضد الجهاديين. مضيفا أن الباحث في معهد «أم أي تي» المعروف باري بوسين محق عندما قال إن «الجيش العراقي لم يعد موجودا» كقوة قتالية ذات معنى.
وهذا لا يكشف بالضرورة عن فشل الإدارة الأمريكية في تدريب وتسليح الجيش العراقي من جديد فقط، ولكن يعني أن التخلص من تنظيم «الدولة الإسلامية» لن يتم بدون قوة خارجية ضخمة.
ولن يحدث هذا إلا في حالة موافقة الدول العربية على إرسال أعداد كبيرة من قواتها إلى العراق لأن أمريكا لن تقوم ويجب أن لا تقوم بإرسال قوات عسكرية. وعند تحول «الدولة الإسلامية» لحقيقة واقعة يقترح بوسين على أمريكا التعامل معها بنفس الطريقة التي تعاملت مع دول ثورية.
ويوافق الكاتب ولكن علينا أولا النظر للعوامل التي تقف أمام استمراريته. فرغم تعطش وفظائع «التنظيم» إلا أنه ليس قوة دولية كبيرة وعادة ما يجذب أعدادا من الشباب المعزولين من دول أخرى عددهم لا يتجاوز الـ25.000 ولديه ميزانية 7 مليارات دولار وهي ليست كافية لإدارة دولة. وقد تدفع وحشية هذه الدولة المتطوعين الأجانب للعودة إلا بلادهم وسيعيش البقية معزولين.
وفي النهاية لا يمثل المتطوعون الأجانب الذين يتدفقون إلى صفوف تنظيم «الدولة» إلا جزءا بسيطا من سكان العالم الإسلامي ورسالتهم الجهادية ليست منتشرة أو مقبولة بين السكان. ويؤكد الكاتب أنه واع لإمكانية قيام عدد من المقاتلين العائدين بهجمات إرهابية لكن هذا أقل خطرا من انتشار «التنظيم» وبشكل واسع في كل أنحاء العالم الإسلامي.
صحيح ان «التنظيم» لديه الإمكانية لإحداث فوضى خارج حدوده إلا أنه لم يظهر قدرة واضحة على الإنتشار خارج المجتمعات السنية المهمشة في غرب العراق وشرق سوريا. ويضيف الكاتب عاملا آخر يؤثر على بقاء «الدولة» هذه وهو متعلق بقلة المصادر الطبيعية ولكونها محاطة بأعداء مستعدين لمواجهتها كلما حاولت التمدد خارج حدود السنة. فهناك الأكراد في شمال العراق والشيعة في بغداد.
ويواجه تنظيم «الدولة» عائقا آخر لاستمراريته لأنه فقد عنصر المفاجأة. فالتنظيم نشأ داخل الفوضى التي حدثت في العراق بعد الغزو وهو عبارة عن مزيج من العناصر الإسلامية المتطرفة والبعثية.
ونجح بسبب فساد المؤسسة العراقية الحاكمة وعليه فستحاول الدول العربية من المحيط إلى الخليج التأكد من عدم ظهور نموذج مماثل له في أي بقعة من العالم العربي على ما يقول الكاتب.
ولو سلمنا جدلا بأن تنظيم «الدولة» ونموذجه استمرا بطريقة أو بأخرى، وهو على ما يبدو الواقع حيث أصبح لديه شكل من أشكال الإدارة ويمارس عمل الحكومة ويفرض الضرائب ويصدر التشريعات ويدير تجارة خارجية.
في ضوء هذا الوضع هل نعترف بدولته، يبدو السؤال منافيا للتفكير لكن المجتمع الدولي عادة ما يحاول نبذ الحركات الثورية ثم يعود ويعترف بها عندما تؤكد نجاعة في الحكم.
ويشير الكاتب إلى الثورة البلشفية التي لم يعترف المجتمع الدولي بها عام 1917 وجمهورية الصين الشعبية التي لم يعترف بها إلا عام 1979 أي بعد 33 عاما من نشوئها.
وقد يقول البعض أن تنظيم «الدولة» بأفعاله البربرية يمنع من الإعتراف به ومن الأفضل رؤية قادته أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم أن هذا تفكير جيد إلا أن التاريخ له رؤيته المختلفة. فكل الثورات شهدت قتلا واغتصابا ورقا من الثورة الأمريكية إلى البلشفية والماوية. طبعا هذا لا يعني بالضرورة تبرير ما يقوم به «تنظيم الدولة» اليوم في العراق وسوريا ولكن التاريخ الطويل يذكرنا بأن المنظمات التي تعتبر إرهابية وخارج الاعتراف قد تنتهي جزءا من العالم.
وهذا لا يحدث أتوماتيكيا فحتى تصبح هذه الحركات جزءا من مجتمع الأمم عليها التخلي عن كل ممارساتها الفظيعة.
وفي العادة لا يحدث التحول سريعا ويجب والحالة هذه على الولايات المتحدة العمل وتنسيق حملة دولية لاحتواء «التنظيم» ودولته يقوم فيه اللاعبون المحليون مثل السعودية والأردن وتركيا وإيران بلعب دور رئيسي.
ويجب أيضا مساعدة الآخرين لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» وجهوده لنشر رسالته واحتوائها بطريقة تؤدي إلى انهيار «الدولة» من الداخل.
qal
إبراهيم درويش