حاورها: المغيرة الهويدي
في روايتها الأخيرة «رائحة التانغو» تشهر الكاتبةالكويتية دلع المفتي في وجهنا تساؤلاتٍ عديدة عن الواقع المعيش بين تناقضات حادّة تقصي الحقيقي وتبرز المزيّف. تناقضات تضع الإنسان أمام مرآة كبيرة اسمها الوضوح. وبرغبة شديدة في قول ما نحن عليه حقّا، تخلع الأقنعة الّتي ترتديها مجتمعاتنا المعنيّة باختراع الإجابات الفضفاضة. تنحدر بنا إلى تلك الإجابات التي تتشكّل على هيئة موتٍ بطيء وطويل.
حول روايتها الأخيرة كان لنا هذا الحوار:
■ ترتبط التانغو بالحركة ورشاقتها في التعبير بالجسد عن الذات، فيما تنحاز المفتي إلى الرائحة، لماذا الرائحة؟
□ يقول بيت فرون: «إن الروائح تؤثر بشكل ملموس على المشاعر والعواطف الإنسانية، ولها تداعيات دراماتيكية على السلوك النفسي والجنسي والانفعالي؛ لأن حاسة الشم مرتبطة بحركة الهرمونات وبالدوائر العصبية في مخ الإنسان»؛ لذلك كانت الروائح أداة فنية حركت مشاعر البطلة وجعلت أحاسيسها قابلة للقراءة، ويمكن للقارئ حينها أن يتفاعل معها، ويتابع تقلبات حالاتها.
■ لكل فصل رائحة، هل يمكن القول: إن هذه الروائح تشكّل تعبيرًا عن شخصياتنا بتناقضاتها؟
□ اختلاف الروائح في الرواية جاء باختلاف الأماكن التي تدور فيها أحداث الفصل، إضافة لاختلاف ما يمكن أن نسميه المزاج العام للفصل، إضافة لما تكتنزه الذاكرة من الرائحة؛ فعندما كانت زهرة تشم رائحة دهن العود، كانت تشعر بسكينة لأنها تذكرها بأمها وكل ذاكرتها المرافقة، بينما رائحة البصل تغضبها، ورائحة النعناع تذكرها بمآسيها… وهكذا، فهنا زهرة أم وهناك ابنة وفي رائحة معينة كانت عاشقة.
■ رغم مساحة الحريّة التي تمتلكها «زهرة» بطلة الرواية إلا أنها تعيش أسيرة قيود كثيرة، هل تتفقين معي في أنّ هذه القيود واهمة؟
□ زهرة كانت في صراع داخلي بين تنشئتها الدينية وبين حياتها المنفتحة على (اللاشيء)، كانت متخبطة بين دروس الدين، وبين نمو تفكيرها ونضوجه خارج أسر الحدود المغلقة للنصوص. كانت ترى بعين العقل أن هناك أخلاقيات متوائمة مع الحياة يمكن أن تكون من خارج هذه النصوص، كما أنها شاهدت من خلال محيطها أن أولئك الذين يقدسون النصوص، يتجاوزونها عندما تتعارض مع مصالحهم، وبالتالي تريد أن تقول زهرة إن المصالح الشخصية تعطى الأولوية عندما تتعارض مع النصوص المقدسة، هذا ما كان يفعله محيط زهرة.
■ ثمّ، أليست زهرة نفسها طرفًا في نسج تلك الشرنقة التي تعيش بها؟
□ زهرة امرأة وضحية، تعيش في شرنقة حاكها المجتمع حولها، فبين زنا المحارم والحجاب والبرود الزوجي معاناة طويلة في حياتها القلقة رغم ترفها الملاحظ. ولا أعتقد أنها طرف فيها، بل نتيجة حتمية، وحتى عندما كانت زهرة تبحث عن الخيانة كانت تنتقم من الخيانات التي تحيط بها، الخيانات الجسدية، الخيانات العائلية، الخيانات العاطفية، الخيانات المادية، خيانة الدين، خيانة الوطن… ولكن مثل كل ما يدور حولنا تبقى الخيانة الزوجية وحدها التي تثير الرغبة في الجلد والمحاسبة.
■ هنالك تناقض يتجاوز الاجتماعي في شخصيّة زهرة التي تترجح بين حضورها دروسا دينيّة وحضورها واعية في ما تحلم به من انعتاق وتمرد، كيف تفسرين هذا التناقض؟
□ هو ليس تناقضاً، هو صراع تعيشه امرأة نتيجة لكل ما عانته. الموضوع ليس الاعتداء فقط، بل هو ممن أتى وكيف؟ إضافة إلى ظروف كثيرة دفعت زهرة بهذا الاتجاه.
■ رغم انتقادات زهرة الصريحة لشخصيّة زوجها المتأمرك، إلا أنّها وعندما حاولت التمرّد وقعت في فخ المصيدة ذاتها بعلاقتها مع بيل الأمريكي، هل يمكن عد ذلك مصادفة أم انجذابا للآخر المتحرر؟
□ هي مفارقة أردتها أن تكون واضحة، ففي النهاية هي كرهت العربي المتأمرك، وأحبت الأمريكي المستعرب، خاصة عندما قال لها إنه يشعر بأن شيئا ما يشده إلى هذه البقعة من العالم، ربما هي، ثم أن الأمريكي المستعرب هو رد على شخصية زوجها، أرادت أن تؤكد من خلاله أن هناك النقيض لزوجها.
■ تتميّز الرواية بجرأتها في طرح موضوعات ذات حساسية عالية كالشذوذ الجنسي وسفاح القربى، ولكنّها ورغم طرحها جعلت منها هوامش لحكاية لا تنتمي لهما. ما الغاية من تلك الهوامش؟
□ اخترت أن أتناول تلك القضايا بحساسيتها العالية كمشاهد خلفية للرواية، لست مع المباشرة في الطرح، وكما قلت هي واقع نعيشه، رغم إنكار البعض له وعدم اهتمام البعض الآخر. تلك الشخصيات جاءت في الرواية بوصفها واقعًا تمامًا كما لو أن الجو ماطر، أو أن البيت جميل. لم أشأ أن أحولهم إلى قضية، وتركتها للقارئ أن يجعلها قضيته بطريقته. هناك من يضخمها وهناك من يقلل من شأنها وهناك من يتعامل معها بحجمها في الحياة.
■ يحضر السياسي بقوة ولاسيّما الحدث السوري… تبدو هموم زهرة أقل أهميّة من معاناة طفل لاجئ، ورغم ذلك، فإنها تجد فيه خلاصًا «هذا الصمغ الذي منذ التقته وهو يطبطب على قلبها ليلئمه رغم الجروح»؟
□ لا أستطيع أن أقول إن الحدث (السياسي) هو ما ظهر في الرواية، بل الحدث الإنساني. ثورات الربيع العربي وحال النزوح السوري الكبير وأحوال اللاجئين السوريين في لبنان أتت في سياق ذلك اللقاء الطارئ بين زهرة وعلي. علي كان لزهرة المنقذ والأمير الذي كاد أن يعيد لزهرة حذاءها المفقود. كانت تحتاج لهذه البراءة في ظل حياة لم تجد بها إلا البشاعة، وعندما وجدته، علقت آمالها عليه… «الصمغ الذي يلئم جروحها».
■ يؤخذ على الرواية أنها حاولت أن تقول كل شيء، مع وجود شخصيات بدت مجانية مثل شخصية سعاد البدون، ما تعليقك؟
□ لا يمكن أن يعيش الإنسان منعزلا في الحياة، وزهرة لا يمكن أن تعيش وحدها في الرواية، لابد من وجود الآخرين، صديقاتها، صديقها المثلي، عائلتها، أمها، ابنة اختها، موظفيها، ثم من الطبيعي أن أسكب همومي في ما أكتب، وموضوع البدون يشكل هماً كبيراً بالنسبة لي، ومن هنا ولدت شخصية سعاد. الكثيرون وأنت منهم رأوا أن وجود سعاد مجاني، لكني لا أوافقكم، فسعاد جزء أساسي من المجتمع الذي حولنا، ولا إقحام أو افتعال في طرح قضيتها. لماذا لم يقولوا الشيء نفسه عن صديقات زهرة الأخريات؟ هي أيضاً واحدة منهن، لكنها تملك معاناتها الخاصة.
■ منعت الرواية في الكويت ضمن حملة منع طالت الكثير من الأعمال الأدبية، مع تعالي الأصوات المطالبة بحرية أكبر للكاتب والقارئ على حد سواء، كيف تنظرين إلى هذا المنع؟ إلى أي درجة يمكن أن يؤثر على قيمة النتاج الأدبي؟
□ الكثيرون فرحوا بالمنع، وحاولوا إقناعي بأن المنع يروج للرواية، لكن وعلى الرغم من صحة هذه المقولة إلى حد ما، إلا أنني استأت جدًا من هذا القرار الذي أعتبره جائرًا، فأنا أريد أن أقرأ لا أن أبيع. ليس في روايتي ما يستوجب المنع، كل ما جاء فيها هي أمور حياتية، نفسية، اجتماعية نعيشها جميعنا، بل ونقرأها في مقالات تكتب يوميًا في الجرائد اليومية. لكن يبدو أن الرقيب أصبح ديكتاتورًا يمسك مقصًا بحسب مزاجه، ولا يأبه لكل الأصوات التي تنطلق في كل معرض كتاب لتعترض على هذا النوع من التعسف. «رائحة التانغو» سمح بها في السعودية. فهل هناك أكثر ألمًا للكاتب من أن يقرأ كتابه في كل الدول العربية، باستثناء بلده؟
■ في ظلّ ما يحدث في واقعنا الراهن، ما الذي تنتظرينه من الأدب ؟
□ لم أعد أنتظر شيئا، فحالة خيبة الأمل العامة التي نغرق فيها من كل النواحي أصابت الأدب أيضا. لا أتوقع شيئا ولست متفائلة. وكما أن هناك وعاظ السلاطين، هناك أيضا كتاب السلاطين، وأدباء السلاطين… فماذا ننتظر من أدباء يغيرون وجهة نظرهم وتوجههم مع تغير حاكم بلدهم!
أشعر بالخذلان، من كل شيء، من أي شيء، فالفرح ناقص، والإبداع ناقص، والحريات ناقصة، وفوق كل ذلك يأتي التسلط الرقابي وكبح الحريات، ومنع الكتب والملاحقات القانونية والحبس الذي قد تتسبب به تغريدة مجردة أو مدونة في وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت. لا اعرف وربما لا أريد أن أتوقع ماذا بعد!