الكويت: بين تحديات صراع الأشقاء والوحدة الداخلية

حجم الخط
0

عبء الكويت كان كبيراً هذا العام، وسيرافقها العام المقبل، ما دامت مصممة على مواصلة المساعي لرأب الصدع في»البيت الخليجي» الذي يمر في ظروف صعبة بعد الأزمة مع قطر. فالكويت هي صاحبة فكرة «مجلس التعاون الخليجي» الذي أنشئ عام 1980، تلك الفكرة التي أرادتها أن تشكل حصناً موحداً ضد التحديات والأطماع الآتية من الجارين العراقي والإيراني. ومن هنا يظهر هذا التصميم على عدم التسليم بالفشل في إعادة وصل ما انقطع بين السعودية والإمارات والبحرين وبين قطر، بعد إعلان الدول الثلاث مقاطعة الدوحة في شهر حزيران/يونيو الماضي.
طبيعة الكويت ولاسيما أميرها الشيخ صباح الأحمد الصباح، صاحب الباع الطويل في «الدبلوماسية الخلّاقة» التي تُبقي على سياسة الأبواب المفتوحة والموقع الوسطي، يخولها عند كل أزمة أن تلعب دور «الراعي والوسيط» ضمن «البيت الواحد». صحيح أن الأزمة الخليجية مع قطر إمتحان صعب لقدرة مجلس التعاون على الصمود، إلا أن نجاح الكويت في استضافة أعمال «القمة 38» في 5 كانون الأول/ديسمبر، يشكل عبوراً بالسفينة من ضفة الانهيار المحتوم إلى ضفة الأمان المحفوف بالمخاطر. فمجرد انعقادها، وإنْ على مستويات تمثيل مختلفة، هو تجاوز لقطوع التفتّت وإدراك ضمني على أهمية الحفاظ على «البيت الخليجي» رغم التباينات والخلافات. إدراك تعزّز مع استضافة الكويت بدلاً من قطر، كأس الخليج الـ 23 لكرة القدم -»خليجي 23» الذي افتتح في 22 كانون الأول/ديسمبر بمشاركة منتخبات الدول الأعضاء كافة، ما يجعل عـــام 2017 يقفل على «تقدم متواضع» في هذا الملف، إنما مفتوح على احتمالات أفضل.
ولا تقف تحديات هذا البلد عند خلافات أشقاء «البيت الخليجي»، بل تصل إلى أبناء «البيت الكويتي»، حيث تعمل القيادة على احتواء كل المحاولات لضرب النسيج الكويتي الداخلي من بوابة الصراع المذهبي الدائر في المنطقة. لا شك أن ما يسمى بقضية «خلية العبدلي» تترك آثارها على الداخل، غير أن تعاطي الكويت كدولة مع هذه الخلية منذ اكتشافها في العام 2015 وإلى صدور حكم التمييز في حزيران/يونيو الماضي بحق 26 كويتياً متهمين بالتحضير لأعمال إرهابية بدعم من إيران و«حزب الله»، ساهم في منع الإنزلاق إلى أتون الصراعات المذهبية الحادة في المجتمع.
ولأن التحديات الداخلية تتأثر بما يجري في المحيط، وهي أحياناً تشكل صدى لمجريات الأحداث فيه، من دون التقليل من العوامل المحلية، فإن الرسالة الأخيرة التي وجهها الشيخ صباح الأحمد الصباح إلى مجلس الأمة في تشرين الأول/نوفمبر الماضي جاءت كـ»جرس إنذار» جليّ.
فالرسالة تأتي على وقْع تصاعد حمى المواجهات في الإقليم من جهة، والصراعات الخليجية – الخليجية من جهة ثانية، وعودة الاشتباك بين الحكومة ومجلس الأمة، والذي كانت سياسة الاستجوابات وطرح الثقة تحولت خلال سنوات سابقة إلى سلاح تعطيلي بدل أن يكون تعبيراً حقيقياً للممارسة الرقابية الناجمة عن المناخ الديمقراطي، من جهة ثالثة. مستويات ثلاثة دفعت بأمير البلاد إلى رسم الخطوط المطلوب عدم تجاوزها على مستوى الكويت والكويتيين.
بدت الرسالة ملحة في توقيتها الآتي بعد أيام من استقالة الحكومة وقبيل العمل على تشكيل حكومة جديدة، وفي مضمونها المشدّد على منطلقات خطابه أمام المجلس ذاته في افتتاح الدور الثاني من الفصل التشريعي، حيث ذهب صباح الأحمد الصباح في معرض تأكيده على «أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية» إلى «الرفض القاطع لأي اصطفافات طائفية أو قبلية أو فئوية وعدم السماح بأي خطاب سياسي يثير الكراهية والبغضاء المذهبية أو العرقية». وهذه مسألة يعتبرها محللون كويتيون أساسية وحساسة، نظراً إلى التداعيات التي تتركها على التماسك الداخلي، ولا يمكن تالياً التهاون مع محاولات الإفادة من الأجواء الديمقراطية في البلاد من أجل تأجيج الانقسامات والنعرات على أنواعها، إذ أمام مخاطر ضياع الوطن، لا بد من اتخاذ خطوات حاسمة، إولاً، لوأد الفتن في مهدها، ومن ثم العمل على بناء مناخات من الثقة المتبادلة والوئام والوحدة بين أطياف المجتمع.
أما النقطة الثانية التي تناولها الصباح، فتضمنت دعوة الكويتيين إلى عدم الانجرار العاطفي والانفعالي حيال الأزمة بين «الأشقاء في الخليج» و«أهمية وقف كل محاولات التراشق السياسي والإعلامي التي قد ينجرف إليها البعض سواء في هذه الأزمة أو الأزمات الأخرى» واصّفاً موقف الكويت على أنه «وسيط حقيقي من الداخل الخليجي نفسه، معني بحل الأزمة بين الأشقاء، لا طرفا ثالثا بين فريقين». وتنطلق دعوته الكويتيين إلى التعقل من إدراكه لحجم الشرخ الذي يصيب المجتمع الخليجي جراء الأزمات التي تعصف به.
غير أن المسألة التي تكتسب بعداً مهماً، نظراً إلى تأثيرها على مسيرة الدولة والحكم والمواطنين، تتعلق بدعوة أعضاء مجلس الأمة، رغم تأكيده على «دورهم الدستوري والمحوري» إلى «التحلي بأخلاق رجال الدولة والاتسام بنضج السياسيين القادرين على تحمل المسؤولية». فالمطلوب، في قراءة للحال الكويتية، الوصول إلى علاقة سوية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من أجل انتظام عمل مؤسسات الدولة والدفع في مسارات التنمية والإصلاحات المطلوبة، وهذا يحتاج إلى تكاتف سياسي بعيداً عن المزايدات الشعبية، وإلى تصويب المسارات الخاطئة دون الجنوح إلى التصعيد، وإلى تقديم مصلحة الشعب والأمة.
الأكيد أن رسالة أمير الكويت، على أبواب نهاية العام، جاءت لتؤشر إلى حجم المخاطر التي تعتري البلاد ولترسم «خريطة طريق» للكويتيين جمعياً، لكنها رسالة تضمّنت في طياتها «تحذيراً قوياً» من أنه «لن يتوانى بحكم مسؤولياته الدستورية عن اتخاذ أي قرار في حال اضطر إليه يضمن للبلد أمنه واستقراره ويحفظ مستقبل أبنائه». تحذير، اعتبره مراقبون، يحمل تلويحاً بإمكانية العودة إلى حلّ مجلس الأمة أو تعليقه إذا استدعت التطورات الداخلية والإقليمية ذلك.

 

الكويت: بين تحديات صراع الأشقاء والوحدة الداخلية

رلى موفق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية