الانتهاكات التي ارتكبها الجيش اللبناني أخيراً في بلدة عرسال اللبنانية الحدوية مع سوريا، ومن بعدها مقتل موقوفين سوريين تحت التعذيب في سجون الجيش، فتحت شهية الناشطين السوريين على العودة إلى فيديوهات اعتبرت تحريضية ومؤسسة لمثل تلك المجازر بحق اللاجئين السوريين.
هكذا استعيدت مقابلة أجراها تلفزيون «الجديد» اللبناني مع العميد المتقاعد جورج نادر، سألته فيها كاترين حنا، ومن الواضح أن السؤال ليس بريئاً في الأساس: «ما في مي للشرب، ولا كهربا فوق كل هالمصايب، فيه نازحين عم يستهلكوا بطبيعة الحال المياه والكهرباء والبنية التحتية. كيف تصف الوضع؟».
العميد نادر تحدث عن النازحين كعبء اجتماعي واقتصادي، وكيف أن «أهل عكّار ممتعضين من النتائج الاقتصادية عليهم»، حيث العمال السوريون استولوا على فرص العمل، على حدّ زعمه.
اعتبر نادر أن النزوح السوري هو «توطين مقنّع»، و»من خلق هنا لن يعود إلى سوريا. الوجود السوري اليوم هو توطين مقنع، بدنا نخلص منه».
ويحصّن الضابط السابق، الطامح إلى النيابة البرلمانية على ما يبدو، نظريته تلك بإحصاءات الولادات السورية، التي هي بحسبه أضعاف ولادات السكان المحليين.
الحل بالنسبة لنادر هو التفاوض مع «الدولة السورية»، حسب تعبيره، غير مكترث بالمشكلة السياسية، فهؤلاء «ليسوا نازحين سياسيين بل اقتصاديين». وهو في كل الأحوال يطمح إلى «كبّ» المشكلة على النظام السوري، كي «يأخذ الناس إلى مناطقه الآمنة».
لا يكتفي نادر بالحديث عن العبء الاقتصادي، فمخيمات النازحين «بيئة خصبة للإرهاب»، الفقر، بحسبه، منتج للإرهاب، وإذا كان نازحو عرسال 120 ألفاً، فإن في كل ألف منهم إرهابي، ما يعني مئة وعشرين إرهابياً!
كل ذلك، لن يستفز المذيعة وقناتها للجدل والمماحكة والاعتراض، بل تبدو المذيعة بسؤالها كمن يرمي إلى جواب مثل هذا.
ألا يتضح كيف يكون حوار مثل هذا، يعود إلى ما قبل ثلاثة شهور وحسب، مؤسساً لمجزرة؟ هل هناك من سيقول إن تلك النظرية المدعمة بالإحصاءات والمصطلحات وصمت «الجديد» مجرد زلة لسان!
صور المرأة ممنوعة
انتقد الشيخ اللبناني سامي خضرة وضع النساء لصورهن على مواقع التواصل الاجتماعي، قال إن المرأة التي وضعت صورتها اختارت «الصورة الأحلى والأكثر إغراء وفيها تدبيل عيون»، اقترح أن يضعن بدلاً من ذلك صورة قرآنية أو حديثاً شريفاً أو طفلاً أو شجرة. يبدو بالنسبة إليه أن لا خيار آخر أمام المرأة، فهي إما أن تنتقي أبشع صورها لمواقع التواصل، أو أنها ستصنف في عداد النساء اللواتي يتقصدن الإغراء وتدبيل العيون.
الفيسبوك قال لخضرة: لا يا شيخ! أخذ سكان مواقع التواصل الاجتماعي الأمر على محمل السخرية، على الفور امتلأ الفضاء الأزرق بصور الأشجار، بل وبالقصائد التي تشبّه المرأة بالشجرة، وبالتساؤل عن الزمن الذي خرج منه هذا الشيخ، وإن كان سمع بمشكلات العالم المعاصر الأكثر سخونة وإلحاحاً.
ظروف مشبوهة!
بعد أربعة أيام من الاعتقال أفرجت السلطات الفلسطينية الأحد عن الصحفي الفلسطيني جهاد بركات. الأخير كان اعتقل على حاجز للاحتلال الإسرائيلي، ولكن من قبل «الأمن الوقائي» الفلسطيني، بعد أن قام بتصوير موكب لرئيس الحكومة الفلسطيني، الذي عبر الحاجز نفسه، وكان الصحافي بالمصادفة في سيارة عمومية فالتقط صورتين للموكب.
النيابة العامة الفلسطينية كانت وجهت للصحافي تهمة «التواجد في ظروف مشبوهة»، الأمر الذي تحوّل إلى مادة للتندر والسخرية، فالشاب ليس من مصوري الباباراتزي، لم يكن يطارد رئيس الحكومة في منزله الخاص، وفي حمام السباحة، أو أي أمكنة خاصة، لقد كان موكباً رسمياً يعبر شارعاً، حاجزاً، وهو الشخصية العامة.
جرى بعض الخلط الإعلامي عندما وزع خبر اعتقال بركات مع صورة لرئيس الحكومة الفلسطيني عالقاً بين قضبان أحد الحواجز الإسرائيلية، والحق أن الصورة تعود لوقت سابق، لكن لا شك أن استعادة تلك الصورة بالذات فيها غمز من عبور الموكب الرسمي عبر حاجز للاحتلال، وربما تلك هي الصورة التي كان بركات يبحث عنها لحظة التقاطه للموكب. ألا يعتبر توثيق إذلال الفلسطينيين على الحواجز شكلاً من أشكال النضال الفلسطيني؟ لماذا إذاً يجري النظر لبركات كما لو أنه هو من قام بالانتهاك!
السوري الأعزل
لم تهزّني صرخة كتلك التي أطلقها شاب سوري في مشهد تشييع سيدة سورية قتلت في تركيا في حادث ولا أبشع، حيث وجدت السيدة الحامل بشهرها السابع، مقتولة ومغتصبة، وملقاة إلى جانب طفل قتيل رضيع: «يا الله السوري أعزل يا الله»، هكذا بدأ مشهد الجنازة، كما بدا في فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي، ثم صرخات شابين فوق نعش والدتهما، وفي ختام الفيديو نلمح دمعة واضحة على وجه الشيخ الذي يؤم بالمصلّين.
كل هذا في فيديو واحد، كل هذا والعالم ما زال واقفاً على حاله.
يا الله، السوري أعزل يا الله. إنها خلاصة كل ما يحدث للسوريين من ظلم، عزّل في تركيا، وفي الشام المنكوبة، كما في عرسال، وفي أماكن ليست في الحسبان.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى ٭