إسطنبول ـ «القدس العربي» : يتجول أبو محمد السوري (53 عاماً) في أحد الأسواق الشعبية «البازار» في منطقة الفاتح بإسطنبول لشراء حاجيات شهر رمضان الذي يقضيه للعام السادس على التوالي في تركيا بعد أن اضطر للهجرة من ضواحي دمشق بسبب الحرب الدائرة هناك منذ قرابة السبعة أعوام.
وفي ظل وجود قرابة 5 مليون عربي في تركيا بينهم قرابة 3.3 مليون لاجئ سوري يعيش قسم مهم منهم في اسطنبول، تحولت عدد من أسواق المدينة إلى ما يشبه أسواق دمشق القديمة تعج بالبضائع والمتسوقين العرب استعداداً لشهر رمضان الذي يبدأ السبت في تركيا التي تعتمد التحديد الفلكي المبكر لهذا الشهر.
يقول أبو محمد لـ«القدس العربي»: «لا شيء يساوي الوطن، نحن إلى كل شيء في سوريا ودمشق، لكن طول سنوات التهجير جعلتنا نتعود على الحياة هنا، كل شيء موجود كأنك في دمشق»، مضيفاً: «بالتأكيد ما زلنا نحلم بالعودة لكن إلى أين سنعود، كل شيء مدمر، على الأقل نتمنى أن نحصل على الجنسية الآن وبعد ذلك نفكر بالعودة عندما تتوقف الحرب تماماً وتبدأ عملية الإعمار».
وبجانب مسجد الفاتح التاريخي في المدينة، تنتشر عشرات المحلات السورية التي تبيع البهارات ومستلزمات الطعام بالإضافة إلى المطاعم المتنوعة التي تقدم المأكولات السورية المشهورة بجانب محلات مشروبات العصائر الطبيعية والخروب وعرق السوس بالإضافة إلى محلات الحلويات السورية والقطايف وكل ما يرغبه واعتاد عليه السوريين في بلادهم.
لكن الأمر لا يتوقف على السوريين، فهناك مئات آلاف العراقيين الذي يعشون في تركيا أيضاً، وباتت لهم مطاعم ومحلات خاصة تنتشر في أماكن تواجدهم بإسطنبول، فمطاعم «المسكوف العراقي» باتت تجاور مطاعم «المندي اليمني» لتلبية احتياجات أعداد أخرى كبيرة من اليمنيين الذي تركوا بلادهم بسبب الحروب الدائرة فيها.
ومنذ أيام ظهرت الأجواء الرمضانية المبكرة بنكهتها الشامية، فالمحلات المتنوعة عرضت بضائعها بكثرة ووفرت كل المستلزمات الرمضانية التي اختلطت بين المنتجات التركية والسورية التي يتم جلبها بواسطة التجار من داخل الأراضي السورية إلى مدينة إسطنبول.
وبدأ عدد كبير من المطاعم العربية وخاصة السورية التي تنتشر في مناطق «أك سراي» و»يوسف باشا» وأخرى بـ»التقسيم» بمدينة إسطنبول بتقديم عروض الافطارات الجماعية بديكورات وأجواء عربية سورية، بينما بدأت محلات الحلويات بإنتاج حلويات خاصة بشهر رمضان.
ساجدة (48 عاماً) تقول وهي تشتري بعض التمور برفقة اثنين من أحفادها: «نحاول أن نعيش أجواء رمضان، لأجل هؤلاء الأطفال فقط، فنحن لم يعد لدينا بهجة لأي شيء طالما استمر الموت والقتل والتهجير في بلادنا، وكل أملنا أن تنتهي الحرب ونقدر نرجح لبلدنا عن قريب»، مستدركةً: «ما نكذب عليك أمل العودة عم يتراجع، الرجعة شكلها بعيدة والبلاد ما عاد فيها شي».
وعلى مقربة منها ينشغل الشاب محمد الحلبي (28 عاماً) بتحضير آلة بيع عصير «تمر الهندي» الذي يعتبر مشروب أساسي على سفرة الطعام السورية، يقول: «منذ 3 سنوات وأنا ببيع هنا عصائر رمضان السورية، الناس بتحبها وما بكتمل رمضان بدونها، هيك تعودنا».
وعن رغبته في العودة إلى سوريا، يقول لـ«القدس العربي»: «هاي صارت أصعب أمانينا، بنتمنى نتمكن نرجع لبلدنا بس لحتى الآن ما في أي مؤشر لانتهاء الحرب، وحتى لو وقفت الحرب بلادنا ادمرت ما عاد في إلنا بيوت ولا شي، ومحلاتنا وشغلنا راح، نرجع شو نعمل؟»، مضيفاً: «صارلي 5 سنين هون (في تركيا) وقدمت أوراقي للحصول على الجنسية وبتمنى تطلعلي قريب لحتى أكمل حياتي هون بشكل أسهل».
وفي الوقت الذي يقول فيه أحمد 25 عاماً إنه تعود على العيش في إسطنبول حيث بات له عمل جيد ومنزل مستأجر وأنه لا يفكر أبداً في العودة إلى سوريا وينتظر اكتمال إجراءات حصوله على الجنسية التركية، تقول إم إبراهيم (35) أم لستة بنات إنها تنتظر أقرب فرصة للهجرة إلى أوروبا والعيش هناك بعد أن فقدت الأمل بانتهاء الحرب بسوريا أو الحصول على فرصة عمل ومصدر دخل جيد في تركيا.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعد الحراك حول منح الجنسية التركية للاجئين السوريين، حيث أقرت الحكومة التركية بعض التسهيلات وبدأت إجراءات من أجل تجنيس قرابة 80 ألف عائلة سورية كمرحلة أولى، فيما حصل بالفعل الكثير من الكفاءات ورجال الأعمال والحاصلين على إقامات عمل على الجنسية التركية خلال الفترة الماضية.
ويضطر العديد من أطفال اللاجئين العرب في تركيا إلى العمل من أجل مساعدة عائلاتهم في توفير احتياجاتهم وأجرة السكن المرتفعة بالمدينة، ويمكن مشاهدة عشرات الأطفال أقل من 18 عاماً يعملون في المطاعم والمحلات والمتاجر العربية والتركية بمقابل مادي ضعيف وجزء منهم قد حُرم من إكمال دراسته الأساسية.
لكن في المقابل هناك استعدادات على مستوى آخر، حيث يجري تجهيز العديد من المطاعم الفاخرة والسفن السياحية التي تُقدم الإفطارات الرمضانية و«الأمسيات الغنائية» في رحاب مضيق البوسفور طوال رمضان لطبقة مختلفة من «اللاجئين الأثرياء» الذين خرجوا من بلادهم بأموالهم ومشاريعهم التي نقلوها إلى تركيا.
إسماعيل جمال