«انظر إلي، من أنت أصلا، أيها الوقح؟ أنت رئيس البرلمان الاوروبي، منذ متى لديك الصلاحية كي تقرر في شؤون تركيا؟». هذا ما قاله الرئيس التركي رجب أردوغان لمارتين شولتس. ايضا في القاموس الأردوغاني فإن هذه الاقوال غير مسبوقة. وسبب غضبه هو عدد من تصريحات رئيس البرلمان الاوروبي الذي ألمح إلى أنه يمكن اعادة النظر في استمرار المحادثات حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي، بل ومعاقبتها، أي فرض عقوبات عليها إذا لم تكف عن اعتقال الخصوم السياسيين والصحافيين وكل من يشتبه بعلاقته بمحاولة الانقلاب في شهر تموز/يوليو الماضي.
إن ما أزعج الاتحاد هو تأييد أردوغان لاعادة عقوبة الاعدام التي تم الغاؤها في العام 2005 كجزء من مطالب الاتحاد. «التدهور الدراماتيكي لسلطة القانون في تركيا والديمقراطية وحرية الإعلام، وصل إلى نقطة اللاعودة»، قال رئيس الجسم الاشتراكي في البرلمان الاوروبي، حياني فتلا، «نحن نأمل أن تعود تركيا إلى مسار تطبيق الديمقراطية لأن شرط الحد الادنى الآن لاستمرار محادثات الانضمام للاتحاد، غير موجود».
الجسم الاشتراكي في البرلمان ليس الوحيد الذي يحتقر سلوك حكومة تركيا التي أقالت أو أوقفت حتى الآن أكثر من 140 موظف دولة وأغلقت 4 آلاف شركة ومؤسسة خاصة واعتقلت 100 ألف «مشبوه»، منهم 12 من رؤساء الحزب المؤيد للاكراد. صاروخ آخر تم اطلاقه باتجاه أردوغان قبل اسبوعين من قبل اثنين من المرشحين للرئاسة في فرنسا. نيكولا ساركوزي وألان جوبيه رددا نص متماثل تقريبا قيل فيه «لا يوجد مكان لتركيا في الاتحاد الاوروبي». ووزير خارجية المانيا، فرانك وولتر شتاينماير، الذي يمثل خط لين ودبلوماسي أكثر، قال لأردوغان في لقاء لهما في الاسبوع الماضي إن «كرة الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي توجد في ملعب تركيا».
زعماء أوروبا يتحفظون من سعي أردوغان إلى تغيير دستور تركيا بشكل يفرض النظام الرئاسي في الدولة. إنه نظام يوجد في الولايات المتحدة وفرنسا، وأردوغان يرد وكأنه لا يفهم سبب المخاوف، لكن الفرق يكمن في الصلاحيات التي يسعى اليها كما ينعكس الامر في مسودة الدستور التي يتم نقاشها الآن بين الاحزاب في البرلمان. يستطيع أردوغان حل البرلمان كما يشاء، وتنفيذ سياسة تعتمد على الاوامر الرئاسية، متجاوزا بذلك البرلمان، والغاء وزارة الدفاع التي يريد كما يبدو أن تكون خاضعة له مباشرة، وأن يكون صاحب الصلاحية في تعيين الوزراء والسلطات التي تقوم بتعيين القضاة ورؤساء الجامعات والمهن الاكثر أهمية في الدولة.
أردوغان الذي يُتهم بتحطيم إرث كمال اتاتورك العلماني، يعمل بالضبط مثل أبو الجمهورية التركية. اتاتورك حول في بداية طريقه البرلمان إلى السلطة التنفيذية التي وقف على رأسها، أقال وزراء وعين وزراء حسب رغبته، ودفع الخصوم السياسيين للهرب من الدولة أو الابتعاد عن السياسة وغير وجه الدولة بالقوة. أردوغان ايضا لا يؤمن بتعدد الاحزاب، الامر الذي يعيق حسب زعمه ادارة الدولة. ومثل اتاتورك الذي حارب ضد القوى العظمى الاجنبية، ونجح أردوغان في رسم حدود الدولة بعد تمزقها إلى أشلاء في اتفاق «سوار» في العام 1920، فإن أردوغان يشق طريقه أمام الاتحاد الاوروبي، وفي يده اتفاق اللاجئين الذي وقع في آذار/مارس من هذا العام.
حسب الاتفاق ستحصل تركيا على 6 مليارات يورو لبضع سنوات. وفي المقابل تقوم باستيعاب اللاجئين الذين دخلوا إلى اوروبا بشكل غير قانوني وتمنع انتقال اللاجئين اليها من اراضيها. فقط 200 ـ 300 مليون يوروا وصلت إلى الخزينة التركية حتى الآن. الاتحاد الاوروبي غير مستعد لمنح المواطنين الاتراك العبور الحر بدون تأشيرة إلى اوروبا إلى أن تغير تركيا قانون محاربة الإرهاب الذي يشمل صلاحيات بعيدة المدى لقوات الامن. ويزعم أردوغان أن القانون هو حيوي من اجل محاربة الإرهاب، ويهدد بأنه بدون الغاء التأشيرات، فإن اتفاق اللاجئين لن يطبق من ناحيته. «لنر ماذا ستفعلون إذا وصل 3 ملايين لاجيء، الذين يوجدون في تركيا، إلى اوروبا»، قال.
أردوغان على قناعة بأن اللاجئين هم الدرع الانساني الاكثر نجاعة ضد العقوبات الاوروبية أو تجميد محادثات الانضمام إلى الاتحاد. وهو على قناعة أن الاتحاد سيستسلم أولا لأن دوله بحاجة إلى دفاع تركيا في وجه اللاجئين. والدول الاوروبية تعتقد أن نقاشات الانضمام إلى الاتحاد هي رافعة ناجعة من اجل كبح تركيا. وهذا الامر غير بعيد عن الحقيقة. في كانون الثاني/يناير، اثناء مؤتمر رؤساء دول الاتحاد، سيضطر القادة إلى التقرير ما هو الاكثر أهمية: كبح اللاجئين أو تعليم تركيا درسا في حقوق الانسان. ومن اجل مساعدتهم، أطلق أردوغان بالون تجارب آخر حيث قال إنه إذا تم تجميد النقاشات فسيتوجه إلى الاستفتاء الشعبي حول الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي. وليقرر الشعب التركي ما هو جيد له، وليعرف الشعب الاوروبي ما هو الثمن.
هآرتس 21/11/2016