في 16 كانون الأول 1922، وأثناء افتتاح معرض فني في وارسو، اغتيل رئيس بولونيا غبرئيل نروتوفيتش الذي انتخبه الجسم الناخب الخاص بالبرلمان البولوني قبل أسبوع من منصبه، وكان ذلك على أيدي متعصب يميني اسمه اليغيوش نايبيادومسكي. لقد سبق القتل تحريض منفلت العقال من جانب رعايا حزب «الديمقراطية القومي» وهو حزب اليمين القومي واللاسامي. الانديكين (اختصار للحروف الأولى لحزب اليمين القومي اللاسامي) والجمهور الذي تم تحريضه من قبلهم احتجوا على شرعية انتخاب نروتوفيتش الذي كان مرشح اليسار، وكل هذا بسبب أنه اختير بفضل أصوات كتلة الأقليات القومية في البرلمان، الذي أنشئ بمبادرة النواب اليهود.
«الديمقراطيون القوميون» البولونيون اعتقدوا أنه في حالات الحسم الهامة جدًا في الدولة، ومنها انتخاب الرئيس، من العدل أن يشارك فقط «أغلبية بولونية»، أي أبناء الشعب البولوني الذين هم بالنسبة لهم «الأصحاب الوحيدون للدولة».
من الصعب عدم رؤية التشابه الجوهري بين حملة الغضب اللاسامية للاندكين التي أدت إلى مقتل نروتوفيتش وحملة التحريض المسمومة لليمين الإسرائيلي قبل أكثر من عقدين، والتي أدت إلى قتل إسحق رابين. فمثلما أن اليمين في بولونيا دعا نروتوفيتش «رئيسهم» ورفض انتخابه بدعوى أن ذلك انتخاب «فرض» على أيدي اليهود والأقليات خلافًا لرغبة «الأغلبية البولونية»، فهكذا كان اليمين قد حرض ضد رابين بسبب اعتماده على دعم أعضاء كنيست عرب عندما أراد المصادقة على اتفاقات أوسلو من خلال «خيانة» رغبة «الأغلبية اليهودية».
في أساس هذا التشابه، تقف مقاربة قومية أيديولوجية مشاركة للاندكين في بولندا بين الحربين العالميتين وبين البيبيين في إسرائيل قبل قتل رابين وبعده. أساسها كراهية الآخر القومي الداخلي ـ اليهودي البولندي في بولندا والعربي الفلسطيني في إسرائيل.
إزاء التقارب الفكري هذا بين اليمين البولندي التاريخي واليمين الإسرائيلي الحالي، يجب الاعتراف بأنه خلافًا لرأي أغلبية المحللين الإسرائيليين ليس بالإمكان أن نرى في الإعلان الإسرائيلي البولندي المشترك ـ الذي يفصل العلاقة بين القومية البولندية وقتل اليهود على أيدي البولنديين أثناء الحكم النازي في بولندا وبعده على الفور ـ نتيجة لمصالح وحسابات سياسية مجردة. لا شك في أن سعي رئيس المحرضين ضد رابين واليسار للتوصل إلى مصالحة تاريخية مع الورثة الروحيين والسياسيين للمحرضين ضد نروتوفيتش واليسار البولندي تعبر أكثر ما تعبر عن توق بنيامين نتنياهو لتشجيع وتطوير حوار ثنائي قومي أيديولوجي مع شركائه في المفاهيم الأساسية للمركزية العرقية والعنصرية.
علاوة على ذلك، فالتشابه التاريخي بين دولة العنصرية لنتنياهو وبين بولندا القومية في الفترة بين الحربين ـ الأمر الذي له علاقة بفهم أكثر عمقًا لبيان نتنياهو ـ ماتيوش مورفتسكي ـ لا يتعلق فقط في استبداد الأغلبية القومية في بولندا في حينه وفي إسرائيل الآن، بل بالردود المضادة للأقليات القومية المضطهدة أيضًا. مثلما أن نواب البرلمان لمواطني إسرائيل الفلسطينيين يحاربون من أجل مساواة مدنية كاملة والتي هي ليست ممكنة بدون اعتراف الدولة بحقوقهم القومية الجماعية وبدون إعادة تأسيس إسرائيل كدولة كل مواطنيها، هكذا أيضًا رفض مندوبو الجمهور اليهود في البرلمان البولندي ـ في نظر القوميين البولنديين بوقاحة ـ الرؤيا الانديكية التي حسبها بولندا ومواردها تعتبر ملكية حصرية للأغلبية القومية البولندية.
أجل، إسحق غرينبويم ـ من رؤساء الحركة الصهيونية في بولندا بين الحربين، ومن البرلمانيين البارزين في العهد البولندي (وبعد ذلك أصبح وزير الداخلية الأول لدولة إسرائيل) ـ كان بالنسبة لبولندا الانديكية ما يشكله أعضاء الكنيست من «بلد» الآن بالنسبة لإسرائيل نتنياهو: شوكة في حلق العرقية القومية الرسمية. على الرغم من الاندكين ومؤيديهم، نظم غرينبويم في البرلمان قائمة كتلة الأقليات القومية التي شملت إلى جانب المندوبين اليهود زعماء الأقليات القومية الأوكرانية والبلروسية والألمانية. وكذلك حارب غرينبويم بتصميم وشجاعة من أجل إشراك كامل للأقليات غير البولندية في سيادة الحكم الداخلي وتحويل بولندا من دولة قومية لأغلبية بولندية إلى دولة كل مواطنيها.
اللاسامية البولندية المتوحشة، التي ازدادت عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتمثلت بعمليات القتل في يدفبنا، وكاينسا، وفي أماكن أخرى في بولندا في فترة الاحتلال النازي وبعده، كانت تعتبر «رد بولندي مناسب» على الرفض المتشدد لليهود من أجل قبول التفوق القومي المدني للأغلبية البولندية في دولة متعددة القوميات.
على الأغلب، حيث المسؤولية التاريخية والقومية لحدوث الكارثة على أراضي بولندا لا تقع على البولنديين ـ هم بأنفسهم كانوا ضحايا النازية ـ إنما هي مسؤولية النازية الألمانية، ولكن المشاركة المباشرة وغير المباشرة للبولنديين في قتل أبناء بلادهم اليهود، حوالي 200 ألف شخص حسب تقدير البروفيسور يان غربوفسكي، كانت بدون شك نتيجة متأصلة لمعاداة السامية الوطنية البولندية. هذه رأت في الاحتلال النازي فرصة لمحاسبة الأقلية القومية «الوقحة» التي قبل الحرب لم تسلم بقمع حقوقها القومية والمدنية ووضعت صعوبات بقدر استطاعتها أمام تطبيق الحلم القومي العرقي المركزي، الذي أعلن عن بولندا لمواطنيها البولنديين فقط.
إزاء هذا، من الصعب عدم التأثر من أن موافقة نتنياهو على تطهير القومية البولندية من قتل اليهود على أيدي جيرانهم البولنديين أثناء الكارثة، سيعطي إشارات لشركائه الأيديولوجيين في اليمين البولندي الحالي بأنه من شأنه أن يفهم أفكار آبائهم اللاسامية. بعد كل هذا فإنه هو نفسه مثل الاندكين في بولندا القومية، اضطر إلى مواجهة أقلية قومية مارقة، التي من شدة وقاحتها غير مستعدة لقبول فكرة «القومي الديمقراطي» بشأن دولة كملك جماعي حصري للأغلبية القومية.
لهذا القانون بعد أكثر من كونه نزرًا قليلا من الرمزية، فهذا القانون القومي العنصري المرفوض، «قانون القومية»، دخل إلى دستور إسرائيل بعد أقل من شهر من الإعلان الإسرائيلي البولندي المرفوض هو أيضًا، بشأن تبييض جرائم القومية العنصرية البولندية. إذا كان التصريح عبر عن توق نتنياهو لحوار فكري مع ورثة اللاسامية الانديكية فإن قانون القومية الذي استهدف أبعاد «الآخر» العربي من الجسم القومي المدني لإسرائيل ومحو وجوده القومي من الفضاء العام والسياسي للدولة، يعبر عن ويجسد بصورة مخجلة المقاربة العرقية ـ القومية للانديكيين، كما وجدت تعبيرها في الماضي بالنسبة ليهود بولندا.
وهكذا فإن اللاسامية البولندية التي تلطخت يداها بدماء الضحايا اليهود، تحظى بحياة جديدة في دولة اليهود.
دمتري تشومسكي
هآرتس 29/7/2018