يقولون إن هناك لاسامية في بريطانيا. حزب العمال البريطاني مملوء باللاسامية كما تقول العناوين. ولكن هل هناك جديد في ذلك؟ يكفي تذكر ادوارد الاول الذي طرد اليهود قبل طردهم من اسبانيا بـ 200 سنة. ومن اجل فهم أن اللاسامية توجد في بريطانيا منذ عهود قديمة. في العصر الحديث يمكن رؤية مظاهر لاسامية في حزب العمال البريطاني وفي الحكومة وفي الجيش ايضا ـ في فترات سيئة وفترات جيدة ـ لكن الوضع الاكثر سوءا كان خلال الفترة الاكثر سوءا: في عهد هتلر.
عندما نشر مالكولم ماكدونالد، وزير شؤون المستوطنات في حكومة تشمبرلين في 1939 الكتاب الابيض، والذي وضع القيود الصعبة على هجرة اليهود إلى ارض اسرائيل، هذه القيود كانت تعني الحكم بالاعدام على الحلم الصهيوني. وقد قال له حاييم وايزمن: «أنت تقوم بتسليم اليهود لقتلتهم». وتشمبرلين كتب في حينه لشقيقته: «لا شك أن اليهود ليسوا شعبا من السهل أن نحبه». وكنتيجة للاسامية ونتيجة للسياسة الامبريالية الخاطئة، قُتل مئات آلاف اليهود في اوروبا بدلا من انقاذهم.
كانت سفينة الاسطول البريطاني هي التي أطلقت الرصاصة الاولى في زمن الحرب. فقد أطلقت النار في الثاني من ايلول 1939 على سفينة المهاجرين «تايغر هيل» التي قامت باحضار اللاجئين الفارين من اوروبا إلى ارض اسرائيل، وقد قتل لاجئان اثنان من الاطلاق. وعلى مدى سنوات الحرب أبقى البريطانيون على الحصار الذي فرضوه على شواطيء البلاد.
في شباط 1942 حينما كانت المذبحة ضد اليهود في اوروبا في ذروتها، رست في تركيا سفينة «ستروما» التي أبحرت من رومانيا. وقد رفض البريطانيون منح المسافرين على متن السفينة تصاريح لدخول البلاد، والاتراك رفضوا السماح لهم بالنزول إلى الشاطيء بدون تصاريح. وبالتالي تم سحب السفينة إلى البحر الاسود حيث غرقت هناك مع المسافرين الذين بلغ عددهم 768 مسافرا. إن خشية البريطانيين من فرار لاجئين آخرين من بين مخالب هتلر كان يشكل هستيريا.
في كانون الاول 1943 كتبت وزارة اقتصاد الحرب البريطانية للسفارة الأمريكية في لندن بأن «وزارة الخارجية قلقة من الحاجة المستقبلية لايجاد حل لعدد كبير من اليهود إذا نجوا». وعلى مدى الحرب منعت السياسة البريطانية انقاذ مئات آلاف اليهود. وبذلك تتحمل بريطانيا مسؤولية جزئية عن المصير المر. هذه المسؤولية التي لم تعترف بها حكومة بريطانيا إلى الآن. ولم يأت اليوم الذي يضع فيه ممثل الحكومة البريطانية اكليل الورود على النصب التذكاري لذكرى من غرقوا في سفينة «ستروما» في أسدود.
بعد الحرب جاء الفصل الاسود للسلطة البريطانية في البلاد والذي استمر إلى حين غادرت بريطانيا في 1948، حيث حاول الاسطول البريطاني منع الناجين من الكارثة من الوصول إلى البلاد وقام بفرض الحكم العسكري وطرد المئات إلى افريقيا، وكان أمر الجنرال أفلين يو باركر للجنود البريطانيين هو مصادرة المحلات اليهودية من اجل عقاب اليهود «بالطريقة التي لا يفضلها هذا الجنس: الحاق الضرر بأموالهم».
بريطانيا لم تؤيد قرار التقسيم. الجيش الاردني الذي كان ضباطه من البريطانيين وسلاحه بريطانيا، شارك مع الجيوش العربية بمهاجمة اسرائيل في أيار 1948، وكانت بريطانيا من آخر الدول التي اعترفت باسرائيل.
ولسخرية القدر فان بريطانيا التي نشرت وعد بلفور ومهدت الارضية للاعتراف الدولي بالمشروع الصهيوني ووقف على رأسها تشرتشل اثناء الحرب، وهو مؤيد كبير للصهيونية، هي التي منعت انقاذ الكثير من اليهود وهددت فرصة تحقيق المشروع الصهيوني. كانت اللاسامية البريطانية هي المسؤولة جزئيا على الاقل عن الفجوة الكبيرة بين الوعد الاصلي وبين عدم تحققه.
هآرتس 17/5/2016