لعبة كرة القدم ليست فقط رياضة وفنا للترفيه والاستمتاع بتقنيات اللعب واحترام للقواعد بالروح «الرياضية». إنها أيضا، وأساسا، سياسة واستثمار وإشهار ولهو. لا فرق هنا بين اللهو واللعب. فإذا كان اللاعب يلعب، فإن الجمهور يلهو بالفرجة، وكل منهما يشكل نسقا متكاملا يمكن البحث في بنياته وعلاقاته.
في إطار تمثيل المجتمع وتحديد التمايز الاجتماعي نجد الفلاسفة قديما، والدارسين حديثا، يقيمون ثنائيات بمقتضاها يتم تحديد أطراف التمايز المتقاطبة مثل: السيد والعبد، والشيخ والمريد، والشريف والخديم… وكل هذه الثنائيات تعكس بوجه أو بآخر، ليس فقط نمطا من الرؤية، ولكن أيضا واقعا متحولا يتم الانطلاق منه في عملية التمييز.
يبدو لي أن ثنائية «اللاعب والجمهور» تبين بجلاء واقع التمايز الاجتماعي في العصر الحديث. فاللاعب هو من يضطلع بدور محدد وفق قواعد متعارف عليه بين مختلف اللاعبين. إنها قواعد اللعبة المتوافق عليها. وهذا التوافق هو الذي يجعل إمكانية اللعب متاحة لكل من تتوفر فيه الشروط الضرورية لمزاولته. أما الجمهور فيبرز في كل العناصر التي لا تتمكن من خوض اللعبة لسبب أو لآخر، ولكن اللعبة لا يمكن أن تتحقق بدونه. لذلك كانت العلاقة بين اللاعب والجمهور قوية ووطيدة.
فإذا كان اللاعب محدد الهوية والوظيفة، بسبب تميزه الذي يؤهله للعب دور ملموس في زمان ومكان محددين، كانت كلمة الجمهور، تعني أشتات الناس الذين يجتمعون بشكل غير منظم. لذلك فهم يشكلون ما كان يسمى في المجتمعات ما قبل الحديثة بـ»العامة». ويبدو ذلك في كلمتي «التجمهر» و»الجماهير». وبما أن اللعب، باعتباره وظيفة، لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود فريقين متقاطبين، يلعب كل منهما ضد الآخر، يفرض هذا التقاطب انقسام الجمهور إلى قسمين تتحدد هوية كل منهما بالانحياز إلى فريق ضد الآخر. يجعل تقاطب اللاعب والجمهور كلا من الطرفين متميزا عن الآخر بأشكال وصور متعددة تبدأ من الاسم الذي يحمله كل فريق إلى الشعار الذي يحمله واللون الذي يتبناه، والخطاب الذي يمارسه في كسب المزيد من الجمهور.
هذه الصورة التي حاولنا تقديمها بإجمال، وهي مشكلة مما تقدمه لنا «كرة القدم»، يمكننا تعميمها على كل رياضة، وعلى كل ممارسة في الحياة المعاصرة. بل إن هذه الصورة ما كان لها أن تأخذ هذا الشكل، لو لم تكن هناك مقومات تستمدها من حقل الحياة العامة. إنها الصورة التي يمكن أن نجدها في المقاولة والشركة والجمعية والحزب. أي أنها تتخذ مظاهر من خلال مختلف العمليات الاجتماعية التي تنظم حياة الناس، وفق قواعد معينة تضبط تلك العلاقات. ولعل أهم الصور التي تجسد لنا هذه البنيات والعلاقات هي السياسة باعتبارها «اللعبة» الكبرى. ولما كانت السياسة في العصر الحديث تتحدد من خلال «الديموقراطية» كانت الديموقراطية لعبة السياسة. لذلك يمكن اعتبار الانتخابات «لعبة»، تبرز لنا من خلالها بجلاء ثنائية اللاعب والجمهور.
في مقابلة «الرجاء» و»الوداد»، مؤخرا، في الدار البيضاء أكبر المدن المغربية، انتهت المباراة بعنف اجتماعي يفكرنا بالتجمهر والتظاهر وإحراق العجلات وتكسير زجاج السيارات ودماء على أرصفة الشوارع، ولعبة الكر والفر، ليس بين اللاعبين، ولكن بين الجماهير التي تنتصر لهذا الفريق أو ذاك. وكانت محاكمات واعتقالات، وأحكام تصل إلى ستة أشهر بالنسبة لبعض المعتقلين من الجماهير، وحرمان فريق من «جمهوره» في أربع مباريات، وغرامات مالية.
لا يمكن لحدث كهذا أن يمر من دون التساؤل عن علاقة اللاعب والجمهور والعنف في نطاق يتجاوز كرة القدم، إلى التساؤل عن العلاقة التي يأخذها اللاعب والجمهور في كل العلاقات الاجتماعية. فما الذي يجعل شابا في العشرين يتحول إلى جمهور، وهو مستعد للقيام بأي شيء من أجل فريقه؟ يسافر رغم ضيق ذات اليد مع فريقه إلى مختلف المدن، ويبيت أحيانا في الشارع، حبا في الفريق، وهو مؤهل لأن يمارس العنف ضد الفريق الآخر، ليس فقط باللسان ولكن باليد أيضا، وبدون التفكير في العواقب التي يمكن أن تنجم عن تصرفات خرقاء؟ عندما نعرف أن كرة القدم رياضة شعبية، لا يمكن سوى النظر إليها باعتبارها تجسيدا للتناقض الاجتماعي، ولكل العنف «النائم»، على غرار الخلايا النائمة، الذي يحبل به المجتمع عندما يكون هناك خلل بنيوي وجوهري في العلاقة بين اللاعب والجمهور.
إن العنف الاجتماعي في الرياضة ليس سوى دليل على ما يختزنه المجتمع من عنف مفترض، يجد متنفسه في ممارسته من خلال الرياضة. لذلك يمكننا التعامل مع آثار مقابلة الوداد والرجاء، على أنها صورة من صور متعددة تبدو من خلال أفعال مثل: العنف اللفظي في الطرقات بين سائقي السيارات، والتحرش الجنسي، واعتراض سبيل المارة بالسكاكين والسيوف، واقتحام البيوت، والانتحار…
صورة اللاعب، في الرياضة، مثل صورة النجم في السياسة والدين والغناء بالنسبة إلى الجمهور. فمظهر اللاعب ولياقته البدنية، والموقع المتميز في الميدان، والشهرة، والكسب المادي، كلها مقومات مفتقدة في الجمهور الذي ينتمي إلى «الجماهير». وهو يرى في اللاعب الحلم الذي يريده أن يتحقق له، وهو «النصر»؟ أو «الهوية الشخصية» المفتقدة. ويبدو لنا ذلك بجلاء في لباس الطفل والشاب الذي يرتدي قميص اللاعب المفضل لديه، ورقمه الذي يحمله، من جهة، أو تجد الشباب الآن يحلقون رؤوسهم على غرار اللاعبين؟ ويلبسون ثيابا على النحو الذي يرون اللاعب يرتديها في حياته خارج الملعب.
في المقابلات التي تجري بين الفريق الوطني وفريق غربي، تبرز «الروح الوطنية»، لدى الجمهور المغربي. ويمكن قول الشيء نفسه عن تمايز الجمهور المغربي بين برشلونة وريال مدريد؟ كنت أجدني في مرات كثيرة أتعجب من امتلاء المقاهي عندما تكون هناك مباراة بين هذين الفريقين الإسبانيين، وأتساءل: ما الذي يجعل الجمهور المغربي منقسما إلى منتصر إلى هذا الفريق أو ذاك؟ وكانت الخلاصة التي أنتهي إليها هي أن الجمهور «الرياضي» في حاجة أبدا إلى أن يتخذ موقعا ما يميزه داخل المجتمع، وبانتمائه، عن طريق ادعاء «حب» فريق ما إعلان عن هويته المفتقدة. قد تجد شابا يحب في آن واحد، وبحسب المدينة التي يعيش فيها، فريق المدينة، وفريقا من خارجها، وفريقا من خارج الوطن. ولكنه في مباريات تجمع بين فريق خصم للفريق الذي يحبه، وفريق آخر، ينتصر أحيانا للفريق الخصم، أو للفريق الآخر: إنه البحث عن الهوية هنا والآن، ولذلك فهي متقلبة ومتحولة. ولذلك نجد الملتحقين بالمتطرفين من هذا النوع من الجمهور.
جمهور الفريق هو جمهور الحزب والطائفة، وإن لم يكن هو هو، ما دامت الطريقة التي يشتغل بها أي جمهور هي نفسها، ولا فرق هنا بين شاب يعشق فريقه إلى حد التضحية من أجله بكل شيء، وشاب يلتحق بجماعة إرهابية، ليصبح لاعبا أو جمهورا. ولعل البحث في العلاقة بين اللاعب وجمهوره، يمكننا من فهم دينامية الجمهور، وطبيعة العلاقات بين الناس داخل المجتمع، والأسباب التي تدفع بالمرء إلى التحول إلى الحب الأعمى للفريق. وما انتهاء الانتماء إلى الفريق إلى درجة ممارسة العنف، ضد جمهور الفريق الآخر سوى دليل على أهمية الوقوف على أنماط العلاقات المحددة داخل المجتمع، بهدف إعادة النظر في قواعد «اللعبة»، ومختلف أطرافها.
كاتب مغربي
سعيد يقطين