القاهرة ـ «القدس العربي»: على هامش فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة، عقدت ندوة عقب عرض الفيلم التسجيلي «لي قبور في هذه الأرض» بحضور المخرجة اللبنانية رين متري، التي عبرت عن أسفها من منع عرض الفيلم في لبنان، وأشارت رين إلى أنها في شهر يونيو/حزيران الماضي، أبلغت عبر المديرية العامة للأمن العام قرار وزير الداخلية بمنع عرض فيلمها الوثائقي «لي قبور في هذه الأرض»، وهذا القرار مبني على توصية لجنة الرقابة، وجاء في القرار أن الفيلم يثير النعرات المذهبية والطائفية في لبنان.
الفيلم الذي يتناول عملية التهجير التي وقعت خلال الحرب الأهلية في لبنان، وبالتحديد واقعة سقوط قرية الدامور عام 1976 وتهجير سكانها بسبب القصف المتواصل، عبر شهادات حية لنماذج عاصرت تلك الفترة من مختلف الطوائف، سواء من لازالوا يعيشون خارج المدينة أو الذين عادوا إليها بعد استقرار الأوضاع، ويؤكد الفيلم على استمرار هذا الخوف بين الطوائف عبر ما يُسمى بالحرب العقارية.
المخرجة دعت خلال الندوة إلى التضامن معها عبر التوقيع على عريضة احتجاج، أكدت فيها أن استمرار منع عرض الفيلم في لبنان يشكل مؤشّراً إلى استمرار نهج السلطة السياسية في طمس ذاكرة الحرب وضحاياها، عبر فرض نظام الرقابة المسبقة، وهو مبني على قانون فضفاض (يعود لعام 1947)، يسمح للأفراد والمؤسسات تفسيره على سجيتها، وفق منطق أن الشعب قاصر وبحاجة إلى من يُقرر عنه. وأوضحت رين متري أن هذا النهج يمنع أي نقاش بنّاء بين ابناء الوطن الواحد ويمنع المصارحة التي تهدف إلى المصالحة الحقيقية، والتي تمنع الفتنة والحرب الأهلية.
وأضافت رين أنها لم تجد صعوبات أثناء تصوير الفيلم الذي امتد إلى أكثر من خمس سنوات، كونها قدمت للرقابة سيناريو يعتمد على الفكرة الأساسية وهي تصوير الأسر المهجرة من جنوب لبنان في زمن الحرب الأهلية، وبداية من قرار متري ببيع أرض عائلتها في قريتها «المسيحية» لشخص مسلم، انطلقت في رحلة تعرفت فيها على مشاعر الخوف المناطقية والديموغرافية بين المجتمعات اللبنانية في العصر الحالي، التي تعيد ذكريات صدمات الماضي التي ولدتها المذابح والإزاحة القسرية التي ارتُكبت على أساس عرقي أثناء الحرب الأهلية. وتؤكد متري خلال شهادات أبطال الفيلم أن نهاية الحرب في 1990 وصفقات بيع الأراضي تكمل ما لم تحققه الحرب، حيث تفكيك البلد إلى مقاطعات طائفية منعزلة.
تبدأ المخرجة بروايات لذاكرتها الشخصية وتنفتح أكثر على حكايات نزوح أبطال أهل المدينة وذاكرة البلد، يكشف الفيلم عن حاضر قاتم يعكس فيه ظاهر الأرض المتفجر، ومشاعر الخوف والكراهية والتعصب المتبادلة بين المجتمعات في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط عمليات نزوح قسري جديدة للأقليات.
«الفيلم ممنوع لأن هناك صمتا وقمعا رقابيا من بعد انتهاء الحرب الأهلية». قالت رين إن الاحزاب والمليشيات نفسها التي أشعلت الحرب الأهلية وارتكبت مجازر لازالوا يحكمون، لذلك ممنوع علينا أن نحكي عن الحرب الأهلية إلا بطريقة عامة، لكن أن نسمي الأشياء بأسمائها هذا قد يعرضنا لمشاكل كثيرة. وتوضح متري أن الرقابة في قرارها اتهمت الفيلم بأنه يثير النعرات الطائفية ويهدد السلم الأهلي. وأوضحت أنها رفعت قضية ضد الدولة للطعن في هذا القرار، وأوضحت المخرجة اللبنانية أن الفيلم عرض للمرة الأولى في مهرجان دبي السينمائي، ثم عرض سراً في إحدى التظاهرات السينمائية في لبنان، ولكن حصار الرقابة الذي تفرضه على الفيلم منعته من العرض تجارياً، أو في أي تظاهرة أخرى معلنة.
ترى رين في أحداث الفيلم أن الحرب الأهلية في لبنان بدأت بصراع طبقي، وتؤكد ذلك من خلال شهادات حية لبعض الأسر التي عاصرت واقعة الحرب، حيث بدأت سردية الفيلم من أول عملية تهجير تمت عام 1975، وعلى لسان إحدى الشخصيات، التي أكدت أن الحرب نشبت أولاً بين الطبقة العاملة والطبقة الحاكمة البرجوازية، أي أنه كان صراعا طبقيا حولته بعض الأطراف إلى صراع طائفي، في نهاية الفيلم تذكر رين أن أحزاب الحركة الوطنية انضمت إليها عناصر من كل الطوائف، لأنهم كانوا يناضلون من أجل قضية وطنية واجتماعية. وتضيف رين: «عندما تحولت الحرب إلى حرب طائفية بدأ التهجير يأخذ شكلا طائفيا، والمجازر أخذت شكلا طائفيا والخطاب أيضاً واستمر إلى الآن، اليوم نعيش حالة طائفية في لبنان، عندما تشير إلى أن الاحتجاجات بدأت بقضية مطلبية، لا أحد ينتبه، لأن التهجير بعد ذلك أخذ شكلا طائفيا، لذلك صنعت هذا الفيلم لأنني أعيش الآن في بلد مقسم طائفياً، ولا أريد أن أعيش في منطقة مسيحية فقط كما يحدث الآن».
الفيلم الذي يمتد إلى ساعتين تقريباً أرهق بعض الجمهور في تتبع الذاكرة التاريخية المتتابعة للأحداث والتواريخ والشخصيات، واعترفت رين خلال الندوة بأن الفيلم يضم سجلا تاريخيا محليا، وربما هنا تكمن صعوبة تلقي الفيلم، للمشاهد الذي لا يعرف الكثير عن تاريخ الحرب الأهلية في لبنان، أو حقيقة أصول الصراع المذهبي فيها وبداياته، وتوضح رين أنها تعمدت طرح أكثر من نموذج يمثل طوائف مختلفة، مسيحيا ـ شيعيا ـ مسلما، في الفيلم لأن قصة كل منهم تكمل جزءا من الصورة، وحكاياتها ترتبط بعضها ببعض وتبني جزءا من تاريخ الحرب الأهلية في لبنان المطموس، وأكدت على أنه لا توجد سردية واحدة للحرب، لكنها مجموعة حكايات من عدة زوايا، وإذا لم نتقبل أن هناك روايات مكملة لبعضها بعضا لن نستطيع أن نتقبل بعضا ونكتب هذا التاريخ، من خلال قصتي مع طائفتي وعائلتي وأرضي والخط الرابط بين الجميع هي فكرة الأرض.
متري أشارت إلى أن أسس النعرات الطائفية موجودة منذ أربعمئة وخمسين عاماً منذ وجود السلطنة العثمانية، والطوائف التي عاشت في ظلها، لكن لاحقاً تم تقسيم هذه الدول وأعطي لليهود وطن، والتقسيم لم يكن بقرار من شعوبها، وشددت متري على أن الفيلم يؤكد أن إسرائيل لعبت دورا أساسيا في تحريض الأقليات ضد بعضها بعضا وتخويفهم وأن لها دورا أساسيا في تحريك الحرب الأهلية اللبنانية.
وختمت المخرجة اللبنانية رين متري أنها استوحت اسم الفيلم من مقال لرجل دين شيعي يحكي فيه عن منطقة درزية فيها قبور للشيعة، مما حرك داخلها عدة تساؤلات حول هوية الأرض، وما هي الأرض وما الذي يربطها بهذه الأرض وليس بغيرها، ووجدت رين في فيلمها الإجابة، إن الذي يربطها بهذه الارض قبور أهلها.
رانيا يوسف