من أغرب أنباء كاليه أن لاجئا سودانيا عرّض حياته للخطر ليلة الجمعة بالسير مسافة 25 كيلومترا داخل نفق القنال الانكليزي المظلم الذي تجري فيه القطارات بسرعة 160 كيلومترا في الساعة. أما آخر أنباء تراجيديا الفرار البشري العظيم فهو أن قارب صيد أبحر قبل ثلاثة أيام من الساحل الليبي بستمائة أو سبعمائة لاجىء معظمهم من السوريين وأنه غرق في مياه المتوسط، وأن خفر السواحل الإيطاليين تمكنوا من إنقاذ حوالي 370 منهم ولكن البقية هلكوا. كان «المشهد رهيبا»، حسب وصف خوان ماتياس منسق عملية الإنقاذ على متن سفينة «الكرامة 1» التي خصصتها منظمة «أطباء بلا حدود» لهذا الغرض بالتعاون مع سفن البحريتين الإيطالية والإيرلندية. قال ماتياس إن المنكوبين كانوا «مستميتين في التشبث بأطواق النجاة والقوارب وكل ما يمكن أن يتعلقوا به لمغالبة الموج، كل هذا بينما كان (معظم) الذين هم حواليهم قد غرقوا أو ما زالوا يغرقون».
هكذا هلك منذ بداية العام أكثر من ألفين من الرجال والنساء والأطفال أثناء الإبحار من جنوب المتوسط إلى سواحل إيطاليا واليونان. ويمثل هذا زيادة بنسبة 20 بالمائة عن العام الماضي (1607). ولهذا يرجح أن يكون العدد الإجمالي للهالكين بنهاية 2015 أكبر بكثير من 2014 (3400 شخص). وكان الاتحاد الأوروبي قرر في نهاية نيسان/ابريل، بعد غرق ما لا يقل عن 800 شخص في شهر واحد، تعزيز الموارد المخصصة لبرنامج «تريتون» للمراقبة والإنقاذ. ولكن أولوية البرنامج لا تتمثل في إنقاذ الأرواح البشرية، مثلما تريد المنظمات غير الحكومية، وإنما في مراقبة الحدود. وتلاحظ المنظمة العالمية للهجرة أن معظم حوادث الغرق تقع في قناة صقلية التي تصل ليبيا بإيطاليا، حيث أن المهربين «يشحنون» اللاجئين على قوارب تقليدية متهالكة غير صالحة للإبحار طويلا. ولهذا فإن كنية «مقبرة المهاجرين» التي تطلق على المتوسط منذ أعوام إنما تنطبق تحديدا على قناة صقلية.
في هذه الأثناء تستمر مأساة لاجئي كاليه المقتحمين لكل المخاطر والذين لا يثنيهم الموت ذاته عن عزمهم التسلل من فرنسا إلى بريطانيا. وقد أثار هؤلاء اللاجئون توترا سياسيا بين باريس ولندن طيلة الأسابيع الماضية، كما أنهم وفروا للجمهور البريطاني مادة خصبة للتعبير عن مواقف من اللجوء والهجرة تتراوح بين قليل من المعقول وكثير من اللامعقول. إذ إن من يقرأ تعليقات القراء، خاصة في الصحف الشعبية واليمينية، أو يستمع إلى مداخلات المستمعين في البرامج الإذاعية يخيل إليه أن اللاجئين لا يأتون إلى بريطانيا إلا طمعا فاضحا مفتضحا في العيش المجاني على مخصصات الضمان الاجتماعي. والسبب في شيوع هذا الانطباع هو أن البريطانيين يعتقدون أن هذه المخصصات بالغة السخاء. وما هي كذلك. بل إنها محدودة، مقارنة بما توفره دولة الرعاية الاجتماعية من خدمات تقرب من مستوى «الرفاه» في بلدان مثل فرنسا وألمانيا وهولندا والبلدان الاسكندنافية.
صحيح أن السلطات الفرنسية كانت متهاونة في منع اللاجئين من محاولات التسلل إلى بريطانيا (ولو أن الوضع تغير أخيرا بعد إحكام الإجراءات الأمنية). ولكن الصحيح أيضا أن العدد الإجمالي للاجئين والمهاجرين غير القانونيين المتجمعين في كاليه لا يتجاوز خمسة آلاف وأنه لم ينجح منهم في التسلل إلى بريطانيا سوى بضع مئات على أقصى تقدير. أما عدد اللاجئين والمهاجرين غير القانونيين الذين وصلوا منذ بداية هذا العام إلى بقية البلدان الأوروبية إبحارا من جنوب المتوسط فإنه يتجاوز 188 ألفا! وليس هذا الرقم الضخم إلا بعضا من كل، لأن العدد الإجمالي لطالبي اللجوء الذين قدموا أراضي دول اتفاقية شنغين منذ بداية هذا العام يفوق300 ألف!
كما أن عمال الإغاثة الإنسانية في إيطاليا يؤكدون أن الشباب اللاجئين الناجين من الغرق، ومعظمهم اريتريون وسودانيون وسوريون وأفغان، لا يذكرون بريطانيا إلا ليقولوا إن «الوصول إليها صعب جدا والحياة فيها صعبة جدا». ويضيفون أن جميعهم تقريبا يريدون إما البقاء في إيطاليا أو الذهاب إلى السويد. ومعروف أن السويد تمنح جميع اللاجئين السوريين فرصة الإقامة الدائمة. ولهذا فقد هاجر إلى السويد العام الماضي 127 ألف فرد كان بينهم 88 ألفا من طالبي اللجوء. وبهذا تكون السويد البلد الثاني، بعد ألمانيا، من حيث اجتذاب العدد الأكبر من المهاجرين واللاجئين.
ويبقى، مع ذلك، أن الانطباع السائد لدى الجمهور البريطاني ليس عديم الأساس. إذ إن الواقع المرّ هو أن ظاهرة «اللاجئين الزائفين» قد أضرت بقضية الهجرة المشروعة.
٭ كاتب من تونس
مالك التريكي