بدأت تونس قبل أيام خطوة سياسية تاريخية حيث عقدت «هيئة الحقيقة والكرامة» المنوطة بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها وملاحقة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان بعرض جلسات علنيّة عامّة قدّم خلالها عدد من ضحايا الانتهاكات في الماضي شهادات عن حالات تعذيب واختفاء قسريّ وملاحقات أمنية تعرّض لها معارضون سياسيون تم الزج بهم لسنوات في سجون النظام السابق لزين العابدين بن عليّ.
شارك في الشهادات مثقفون وعمال ونشطاء من تيارات سياسية إسلامية ويسارية كما أن الهيئة وعدت بإجراء دفعة أخرى من جلسات الاستماع العلنية تخصصها لمتورطين في الانتهاكات من النظام السابق.
أعادت الشهادات تذكير الشعب التونسي بممارسات التعذيب وانتهاك الحرمات البشرية ومحاولة سحق روح المعارضة والاختلاف، وهو أمر شديد الأهمّية لأنه، أوّلا، يؤكد حق الإنسان البديهيّ بالاعتراض والاختلاف في الرأي والدفاع عنه، ولأنه، ثانيّاً، يعيد شحن الذاكرة البشرية بمخاطر الانتكاس إلى الاستبداد، ولأنه، ثالثاً، يوثق أسباب الثورة ويؤكد شرعيتها الإنسانية ويدافع عنها ضد محاولات أصحاب الجبروت والنفوذ والمال لتشويهها ومديح «الاستقرار» المبني على التعذيب والسجون والقتل والنفي.
تشقّ تونس بهذه التجربة مسارها الخاص للعدالة الانتقالية، وتوسع إمكانياتها عربيّاً، كونها تتقارب في الاتجاه مع تجربة المغرب الذي بدأ مسيرة مشابهة عام 2003 بإنشاء «هيئة الإنصاف والمصالحة» في هذا الشهر نفسه (تشرين الثاني/نوفمبر) من عام 2003 وأوكلها مهمة تحقيق المصالحة الوطنية ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت فيما يسميه المغاربة بسنوات الرصاص (1959 ـ 1999)، وقامت بدورها بالتحقيق في حالات الإختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي فقامت بحلّ 742 قضية اختفاء قسري وقدمت تعويضات مادية لـ9779 ضحية، وعقدت جلسات استماع علنية حية على التلفاز لإقرار الحقائق التاريخية وتعميمها.
مهمّ هنا إعطاء بعض الركائز التي استندت إليها التجربة المغربية، كما أن من المهم الانتباه إلى النقاط التي فاتتها، ويمكن لتونس أن تستكملها وتضيف عليها، وأوّلها أن تجربة العدالة الانتقالية أعطت مرجعيّات قانونية محلّية ولم يعد الدفاع عن حقوق الإنسان ومكافحة التعذيب والعنف ضد المعارضين وأقاربهم يحتاج الاستناد إلى مدوّنات حقوق الإنسان الأممية فحسب، وبذلك تم تأصيل هذه الشرع الإنسانيّة ضمن نسيجها التاريخي المحلّي.
من نقاط ضعف التجربة المغربية، على سبيل المثال، أن كشف الحقيقة لم يستتبع المحاسبة على الجرائم وهو أمر لا يساعد في العدالة أو المصالحة حقّا وقد يساعد المجرمين على الإفلات من العقاب، وربّما يسمح لهم، إذا بقوا في مواقعهم، لمعاودة ممارسة هذه الجرائم.
واضح أيضاً أن هناك اتجاهاً متصاعداً في ظل موجة ما يسمى «مكافحة الإرهاب» لتجاهل دوليّ عامّ لانتهاكات حقوق البشر، وهو ما يفتح قوساً لأصحاب السوابق في الإجرام، أو المستجدّين في تولّي الشؤون الأمنية، للعودة لاستخدام التعذيب والإخفاء القسري والانتهاكات الواسعة.
حقّقت التجربة المغربية نجاحات مؤثّرة وخصوصاً في موضوع جبر الضرر الذي تم توسيعه ليشمل المناطق التي أصابها قمع جماعي وتهميش، وليس الأفراد الذين تعرّضوا لانتهاكات فحسب، كما أنّها فتحت باباً لحراك المجتمع المدني ولتأطير النقاشات والمباحثات والتفاوض والضغط الشعبيّ، وهي كلّها خطوات تخدم العمل الديمقراطي على المستوى الوطني العام.
كانت الشهادات التي قدّمها المعتقلون والمعتقلات السابقون مؤثّرة وخلقت تعاطفاً إنسانيّاً كبيراً وأعادت شحن الأذهان بالعذابات المأساوية والحيوات المضيّعة وقوّت التعاطف مع المضطهدين وذكّرت الجلادين بجرائمهم، وربطت هذه الجرائم بالنظام الاستبداديّ ورئيسه الفارّ بحيث أصبحت جملة بسمة البلعي، إحدى المعتقلات السابقات، «الله يهلك بن علي» قولاً مأثوراً لا يقتصر على معناه الانتقاميّ بل يقدّم، باختصار، كل المحمولات الرمزيّة التي يعيش البشر من أجلها ويموتون، وأهمّها، بالتأكيد، العدالة بكل أشكالها.
رأي القدس