اللوحة التشكيلية.. أثمان جنونية وتساؤلات مشروعة

ليس هناك من لم تســـاوره الشكوك، وهو يسمع أو يقرأ عن الأثمان الخيالية لبعض اللوحات التشكيلية، فاللوحات المُثـمَّنة بتلك الأثمان لا تتفق وتصورات المشاهد، ليتساءل هذا الأخير عن مكمن سر ذلك فلا يجد جوابا.
فهذه اللوحة التي لا تتجاوز المادة المستخدمة فيها دراهم معدودة تباع بملايين الدولارات، ولا تقدم للمشاهد غير خطوطٍ وبقعٍ صباغية متداخلة لا يرى فيها معنى ولا دلالة، فكيف تصير بهذه القيمة ولا تحرك فيه أقل إحساس لا بالجمال ولا بالحزن ولا بأي شيء آخر؟ بينما تجد اللوحات الجميلة بألوانها المبهرة وموضوعاتها النابضة تباع بأثمان بَخْسَةً مقارنة بالتي أشرنا إليها.
المسألة تستحق البحث والتمحيص واستحضار كثير من الحيثيات والأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة. إننا لا ننكر أهمية الفن ولا ننكر موهبة الفنان وتكوينه الخاص الذي يفضي به ليخرج لنا هذا العمل الإبداعي أو ذاك، لكن المبالغة في الرفع من قيمة الشيء قد تفسد نظرتنا إزاءه، وتدفعنا إلى التساؤلات والتقصي للحقائق المتعلقة بأسرار وخفايا التثمين، ومن حقنا ذلك.
فما الذي يجعل أثمان بعض الأعمال التشكيلية تفوق التصورات؟ وهل من معايير تثمن هذا العمل على حساب ذاك؟ ومن له الحق في تحديد الأثمان فيرفع من هذه ويخفض تلك؟ أسئلة مشروعة يطرحها الكثيرون، فنانين وجماهيرـ وحتى بعض النقاد. والخوف كل الخوف من أن يكون تسعير اللوحات بلا معايير معقولة، استنادا إلى الأنانية والتفاخر الواهي من قبل المبدع البائع أو المشتري العاشق، مما يعتبر تدليسا في تقدير قيمة الأعمال الفنية.
من هنا نذكر بعضا مما نراه يتحكم في أسعار اللوحات، فقد يكون سبب السعر الباهظ المحدد للوحة كون هذه الأخيرة تحمل حدثا تاريخيا يجسد بطولة شعب أو تضحية شخصية كبيرة من أجل الحرية والانعتاق، فتكون محاينة اللوحة لذلك الحدث سببا مباشرا لإيلائها المكانة المرموقة وتسعيرها تسعيرا جنونيا يطرح الأسئلة على من يجهل هذا العامل. وقد ترتفع أثمان بعض اللوحات لكونها الأولى في كشف طراز غير معروف وغير معهود في عالم التشكيل، كما هو الشأن في لوحات بيكاسو حين ابتكر في التشكيل اعتمادا على التكعيب.
وقد ترتبط أسعار اللوحات بشخصية أصحابها وشهرتهم في التنظير والكتابة والتطبيق في المجال الفني، فيحوزون الثقة والصيت على حساب غيرهم. وقد يرى البعض أن الفن الجميل بصفة عامة لا يقدر بثمن لتصير الأعمال الفنية فوق الموازين والأثمان المعتادة، ويأتي ذلك من التمييز بين المعنوي غير الملموس والمادي المكرر والمستهلك يوميا. ويرى البعض كون مشترين يقتنون الأعمال الفنية بأثمان باهظة كمنفذ لغسيل الأموال والتهرب من الضرائب.. ويبقى الثمن الجنوني لبعض الأعمال على حساب غيرها يطرح كثيرا من الأسئلة على المشاهد العادي، وعلى المشاهد المثقف الذي له بعض الدراية بالفن، بل إن الأمر قد يتعدى هذين إلى الناقد الذي قد تساوره الشكوك وتستبد به الحيرة ليعيش حرقة السؤال باحثا عن أجوبة تقنع الناس بسر ثمن جنوني للوحة غير مثيرة للجماهير العريضة وثمن معقول للوحة تقول الكثير وتشعرك بالكثير.

كاتب وتشكيلي مغربي

اللوحة التشكيلية.. أثمان جنونية وتساؤلات مشروعة

لحسن ملواني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية