اللوحة التشكيلية والإبداع الأدبي… تكامل الوظيفة الجمالية

حجم الخط
1

التشكيل والأدب كلاهما إبداعان، بيد أنهما يختلفان، أساسا، في الترجمان؛ أي في الوسائط التعبيرية المتوسل بها. فإذا كان التشكيل يتخذ من الألوان وسيلة تعبيرية؛ فإن الكلمة تظل هي لغة الأدب، ومادة اشتغاله الأولية. إنه اختلاف جوهري يفترض أن يؤدي إلى التنائي، إلا أن واقع الحال يكشف أنه أفضى إلى التداني، بل إلى التفاعل، مدا واستمدادا، وأخذا وعطاء.
ولعل أجلى مظهر بلغه هذا التقارب، هو حضور اللوحة التشكيلية بجوار الإبداع الأدبي. فما هي ملامح هذا الحضور؟ وما هي وظائفه؟ ذانك هما السؤالان المحوريان اللذان سنحاول بسط جوابهما، قدر الإمكان.
إن اللوحة التشكيلية، بما هي إبداع بصري حسي، نجدها حاضرة في مختلف الأجناس الإبداعية: نجدها في الشعر، ونلفيها في صنوف السرد، كما في النصوص المسرحية؛ على أن نصيب حضورها ليس على قدم المساواة؛ ذلك أن الشعر، ومن خلال ما قيض لنا الاطلاع عليه، يستحوذ على النصيب الأوفر، ولذلك، طبعا، ما يعلله من المسوغات الفنية والجمالية.
تحضر اللوحة التشكيلية في مختلف دعامات وحوامل الإبداع الأدبي؛ حيث تخصص لها مساحة في الكتب الإبداعية، في دفة الغلاف الأولى خاصة؛ كما أنها تحتل موقعا لافتا في الجرائد والمجلات التي تعنى بفنون الأدب، سواء أكانت ورقية، أو إلكترونية.
ولقد تعزز هذا الحضور بفضل التطور المذهل الذي عرفته التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال، ومن ذلك ما يتيحه التصوير الرقمي، من إمكانات مهمة في تعديل خصائص الصور الملتقطة، والتحكم في حجومها، وما توفره المواقع الإلكترونية من ربرتوار تشكيلي؛ علما بأن تصوير اللوحات التشكيلية، وإدراجها إلى جانب النصوص الإبداعية، وإن كان يوسع دائرة انتشارها بين القراء، فإنه يشكل متغيرا قد يفقد اللوحة كثيرا من خصائصها الجمالية. وهنا يحق لنا مثلا أن نتساءل: عما تفقده لوحة زاهية الألوان عندما تدرج بالأبيض والأسود على صفحة جريدة؟
إن حضور اللوحة التشكيلية في فضاء النص الأدبي تتحكم فيه اختيارات متباينة، وعند التأمل يتضح أن هذه الاختيارات لا تحيد عن الأوجه التالية: الأول منها ينبني على اتفاق مبدئي بين الفنان التشكيلي والمبدع الأدبي، وقد يكون ذلك ثمرة تعاون، وتصور مشترك، والثاني يطرح مشكلة حق التصرف في الملكية الفنية، حيث أن المبدع أو الناشر يعمد إلى إدراج صورة للوحة تشكيلية دونما استئذان صاحبها؛ بل أكثر من ذلك قد لا يشار إلى عنوانها إن كان لها عنوان، ولا إلى اسم الفنان الذي كان وراء إبداعها؛ أما الوجه الثالث، ورغم ندرته، فإننا لا نعدم له أمثلة حية، ويتجلى في جمع المبدع بين الإبداعين الأدبي والتشكيلي.
وأيا كان الاختيار، أو الحامل، أو الجنس الأدبي، فإن استحضار اللوحة التشكيلية المصورة في الإبداع الأدبي، ليس حضورا مجانيا في الغالب؛ حيث أن اللوحة تضطلع بوظائف، وفي مقدمتها الوظيفة الجمالية؛ إذ من المؤكد أن مجاورة اللوحة للنص الإبداعي، تكسبه رونقا، وتضفي عليه لمسة من الجمال، تأسر عين المشاهد/القارئ؛ وتحمله على الاقتراب أكثر من النص؛ ولذلك دأب كثير من المبدعين في حقل الأدب، والناشرين على ترصيع المنتجات الإبداعية بصور للوحات فنية. بيد أن الأمر قد يتجاوز الوظيفة الجمالية إلى الوظيفة الدلالية، فتغدو صورة اللوحة المصاحبة للعمل الأدبي عتبة من عتبات القراءة؛ أي علامة موازية مسعفة على الولوج إلى عوالم النص، واكتشاف مغالقه.
وتجدر الإشارة هنا إلى ملاحظتين مهمتين: الأولى هي أن كثيرا من المشتغلين بالأدب، إبداعا ونشرا، لا يأخذون بهذا الاختيار، ويوثرون تقديم النص الأدبي بلا مصاحب فني، ربما لاقتناعهم بسلطة النص، وعدم حاجته إلى عضد فني، والثاني هو أن انتقاء اللوحة التشكيلية لمرافقة النص الإبداعي، قد لا يتقيد بمبدأ التلازم الدلالي، بمعنى أن موضوع اللوحة قد يكون بعيدا كل البعد عن موضوع الإبداع الأدبي، ومع ذلك تجد بعض الدارسين يتعسفون في المقاربة، ويسهبون في التأويل الخاطئ الآثم.
وخلاصة القول إن إدراج صور اللوحات التشكيلية في فضاء حوامل الإبداع الأدبي يجد فيه كثير من الفنانين التشكيليين قناة لتوسيع دائرة التلقي التشكيلي، قناة تخرج اللوحة، ولو في مظهر صورة، من أسوار المراسم والمعارض، لتضعها بين أيدي قراء قد يستهويهم الإبداع التشكيلي، فيكون ذلك مبعثا على تنامي الانتشار، وحافزا على تزايد الاهتمام، على أن حضور اللوحة الموازي لا ينبغي أن يفهم منه أنها مجرد ملحق تابع للإبداع الأدبي؛ كما لا ينبغي أن يفهم منه كذلك أن الأدب عاجز عن التصوير، وأنه يستقوي باللوحة.
إن الإبداع التشكيلي والإبداع الأدبي إبداعان يختلفان في الوسيط التعبيري، لكنهما ما فتئا يتقاربان، ويتجاوران، ويتفاعلان، حتى أنهما وصلا حد الاندغام، والتماهي، وتلاشي الحدود بينهما في بعض الأحيان. ويكفي القول: كم من لوحة تشكيلية ألهمت أديبا نصا، وكم من قصيدة أو قصة أو رواية أوحت لفنان تشكيلي بلوحة.

كاتب من المغرب

عبد الله زروال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية