■ يشبِّه بعض المراقبين الأتراك الانتخابات النيابية الوشيكة في السابع من شهر حزيران القادم، من حيث أهميتها، بأول انتخابات تعددية في تاريخ تركيا الحديث في 1950. فقد أدت الانتخابات المذكورة إلى تغيير سياسي كبير تمثل في السقوط المدوي لسلطة حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك وسيطر من خلاله على الدولة، إلى حين وفاته في 1939، بقبضة من حديد، ورثها من بعده خلفه عصمت إينونو.
هناك إجماع لدى المراقبين بأن الدورة الحالية من الانتخابات النيابية لن تشهد سقوطاً مماثلاً لحزب العدالة والتنمية الحاكم منذ 13 عاماً. لكن تغييراً كبيراً بات متوقع الحدوث حتى لو حافظ الحزب على ترتيبه الأول كما هو متوقع. فاستطلاعات الرأي تشير، عموماً، إلى هبوط في شعبيته بالقياس إلى الدورة السابقة في 2011 حين حصل على 50 في المئة من أصوات الناخبين، وشكلت هذه النسبة ذروة نجاحاته في سلسلة الانتخابات النيابية التي فاز بها منذ 2002.
وتتركز الأنظار اليوم على حزب الشعوب الديمقراطي بقيادة صلاح الدين دمرتاش بوصفه الحصان الأسود في المعركة الانتخابية. الحزب الذي يعتبر الممثل السياسي للكرد، والواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً، يدخل غمار الانتخابات للمرة الأولى في تاريخه بقوائمه المستقلة، طامحاً في تجاوز عقبة العشرة في المئة ليتمكن من إدخال نوابه إلى البرلمان. وفي هذه الحالة من المحتمل أن يتمثل بنحو ستين نائباً سيشكلون كتلة سياسية لا يستهان بوزنها في التأثير على تشكيل الحكومة أو منحها الثقة أو تمرير القوانين أو عرقلتها.
أما إذا فشل الحزب الكردي في تجاوز الحاجز القانوني المذكور، فسوف تذهب الأصوات التي سيحصل عليها مرشحوه في دوائرهم المحلية إلى حزب «العدالة والتنمية»، بصورة رئيسية، بوصفه منافسه الأبرز في مناطق نفوذه. لذلك فقد وضع الحزب الحاكم كل ثقله في مواجهة الحزب الكردي في محاولة للحيلولة دون تجاوزه نسبة العشرة في المئة. الخصم الآخر الذي لا يريد للحزب الكردي أن يتمثل في البرلمان هو التيار القومي المتشدد بنسختيه التقليدية (حزب الحركة القومية) والعلمانية الكمالية (حزب الشعب الجمهوري). وقد تعرضت مقرات الحزب الكردي ومواكبه الانتخابية لمئات الاعتداءات العنيفة خلال الأشهر السابقة، وارتفعت وتيرة تلك الاعتداءات باطراد كلما اقترب موعد الانتخابات.
وتشير استطلاعات الرأي، عموماً، إلى أن الحزب الكردي يمشي على حد السيف، بحيث أن أصواتاً قليلة قد ترفع النسبة فوق الحد المطلوب أو تهبط به تحته، فتحدد مصير الحزب للسنوات الأربع القادمة، ومعه مصير المشهد السياسي العام في البلاد.
يبدو أركان الحزب الكردي مرتاحين بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات. يقول صلاح الدين دمرتاش: لقد فاز الحزب قبل الانتخابات لأنه نجح في إشعال بارقة الأمل بالتغيير لدى ملايين الأتراك الذين ضاقوا ذرعاً بالحكم المديد لحزب العدالة والتنمية والميول السلطوية المتعاظمة لدى رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان. وقد توعد دمرتاش أردوغان بأنه «لن يحلم بالنظام الرئاسي الذي يعمل على تحقيقه ما دام حزب الشعوب الديمقراطي موجوداً!»
إنها من سخريات الأقدار أن أردوغان كان يطمح أساساً إلى الحصول على موافقة نواب الحزب الكردي في التصويت على تغيير النظام السياسي إلى نظام رئاسي، بما أن خصميه اللدودين في البرلمان (الشعب الجمهوري والحركة القومية) لن يمنحاه المباركة المطلوبة. كانت الصفقة الأردوغاية المفترضة قائمة على تقديم تنازلات جوهرية إلى الطرف الكردي في مسار الحل السلمي للقضية الكردية، مقابل موافقة الحزب الكردي على التغيير إلى نظام رئاسي. لكن معركة كوباني (أيلول 2014 – كانون الثاني 2015) قطعت شعرة معاوية بين الطرفين، بفعل موقفيهما المتعارضين من حصار كوباني من قبل مقاتلي داعش. وكان طرد هؤلاء من البلدة الكردية السورية المنكوبة، بمثابة نصر للحزب الكردي التركي في صراعه الداخلي ضد الحكومة والرئيس أردوغان.
وماذا إذا حدث المحظور وفشل الحزب الكردي في تجاوز الحاجز الجائر، على رغم تمكنه من استقطاب أصوات ناخبين أتراك من المعارضة الديمقراطية العلمانية، إضافة إلى قاعدته الاجتماعية الكردية؟
«لا مشكلة في ذلك» يقول أحد أركان الحزب «سنواصل نضالنا من خارج البرلمان. وأحد الخيارات المطروحة هي إنشاء «البرلمان الكردي» بمن سيفوز من مرشحي الحزب في دوائرهم الانتخابية. المبنى جاهز في دياربكر». هذا المبنى أمامه خياران، كما يتداول في ديار بكر: فإما أن يكون مقر إقامة عبد الله أوجلان بعد خروجه المحتمل من السجن، أو يكون مقر البرلمان الكردي!
ماذا عن حزب العدالة والتنمية الحاكم؟
يشارك رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان بكل ثقله في الحملة الانتخابية، بخلاف الدستور الذي يقضي بحياد المنصب الرئاسي تجاه الأحزاب السياسية. وقد رفعت أحزاب المعارضة شكاوى إلى الهيئة الانتخابية العليا، لم تنجح في ردعه عن تحيزه الحزبي ونشاطه الانتخابي المكشوف الذي يتم تبريره بذرائع واهية. وسبب ذلك أن أردوغان لا يثق بخلفه داوود أوغلو في قدرته على تحقيق نجاح انتخابي كبير يحتاج إليه لتمرير التعديل الدستوري بصدد النظام الرئاسي كامل الصلاحيات. فهذا التغيير الدستوري يحتاج إلى أصوات 330 نائباً في البرلمان القادم، لا يمكن الحصول عليهم بسهولة. وحتى إذا فشل الحزب الكردي في تجاوز حاجز العشرة في المئة، قد لا تكفي زيادة حصة الحزب الحاكم المترتبة على ذلك من مقاعد البرلمان للوصول إلى العدد المطلوب.
بل إن التقديرات تذهب إلى أبعد من ذلك: إذا دخل الحزب الكردي البرلمان، ما يعني خصم 60 مقعداً كانت ستذهب إلى الحزب الحاكم في الاحتمال المعاكس، وتراجعت نسبة التصويت للعدالة والتنمية إلى نحو 43 في المئة من أصوات الناخبين على مستوى البلاد (وهو احتمال غير مستبعد)، فلن يكون الحزب الأول قادراً على تشكيل حكومة بمفرده، ما يعني اضطراره إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب آخر. وفي الأيام الأخيرة لوحظ أن أوساط العدالة والتنمية والإعلام الموالي أخذا يحذران من هذا الاحتمال ويثيران هلع القاعدة الاجتماعية للحزب من احتمال العودة إلى تلك العهود السوداء من الحكومات الائتلافية وفقدان الاستقرار السياسي.
هو خوف حقيقي بات مسيطراً على البيئة المؤيدة للحزب الحاكم، والهدف من التركيز عليه هو شد عصب القاعدة الاجتماعية ودفعها للمشاركة بكثافة في الاقتراع.
٭ كاتب سوري
بكر صدقي