«الليبرالية» دعوة لحرية التجارة وليست لتحرير الإنسان والأوطان!

قل اهتمامي بالاستفتاءات والانتخابات في مصر؛ مع أنها استحقاق طالبتنا به عواصم «السادة» في الغرب؛ باعتباره شرطا لنيل الرضا، وكسب الصداقة، والفوز بالتأييد، والنجاة من الغضب. وغضب أولئك «السادة» مجرب تجاه العرب والمسلمين والأفارقة وعموم العالم الثالث.. ونال العرب النصيب الأكبر من إراقة الدماء والغزو والاحتلال والإبادة، وما زالت مرارت كل هذا في الحلوق؛ بعد ما جرى في فلسطين والعراق وليبيا والسودان وسوريا واليمن ولبنان والصومال، والحبل على الجرار؛ استجاب أولو أمرنا، ووضعوا «خريطة طريق»، واجتهدوا وتعبوا وأُرهِقوا أنفسهم وأرهقونا معهم؛ حتى أكتملت مؤخرا..
وسبب قلة الاهتمام يعود إلى خبرة وتجربة شخصية؛ عشتها حين ذهبت متحمسا لإدلي بصوتي في استفتاء 19 مارس/آذار 2011.. وكان الزخم الثوري فوارا وعارما؛ أخذت مكاني في الصف، وأقبلت نحوي جماعة بلحى كثة، ووجوه متجهمة وغلاظ الملامح، وعلمت أنهم من أتباع شيوخ المذاهب وأمراء الطوائف.. وسألني أحدهم عن وجهتي في التصويت، وكان «هل توافق على الانتخابات أولا أم الدستور أولا؟» وقلت بعفوية واضحة: «صوتي سأضمنه في بطاقة الاستفتاء.. ويبدو أنه كان يتوقع إجابة أخرى، وأن ردي لم يعجبه، وأحس شاب كان بالقرب مني، ويبدو أنه يعرفني؛ أحس بنوايا عدوانية تجاهي، فوجدته يتقدم ويتصدى بجسده الفارع ليحميني مشكورا؛ رحمه الله، وأدليت بصوتي وعدت من حيث أتيت.. وما هي إلا أسابيع حتى راح ذلك الشاب ضحية حادث أليم!!.
واكتشفت وقتها أن مهمة أولئك المتجهمين الغلاظ الانتصار للتشدد والتكفير وترهيب ‫م‬ن يتصورونه مؤيدا لصياغة الدستور أولا؛ فهذا ‫»‬ضد شرع الله‫»‬، من وجهة نظرهم‫..‬ ومعنى ذلك أن من يقترفه «‬كافر‫»..‬ والكفر في شِرْعتهم إهدار للدم وإزهاق للروح‫..‬ وتحول الاستفتاء من استحقاق دستوري إلى ‫»غزوة صناديق‫»‬، وكان ذلك أول عهدي بالتشدد والتكفير ولقاء بعض عناصره وجها لوجه‫..‬ ومن يومها ألحظ أن الحال ينتقل من حصاد مر إلى ما هو آمر‫!!.‬
وبانتهاء الاستحقاق الأخير من ‫»‬خريطة الطريق‫»‬ تبدو النتيجة أكثر بؤسا من استفتاء آذار/مارس2011، وكثيرون لمسوا ذلك وهم يتابعون شعورا عارما بالانتصار بين أوساط ليبرالية داخلية، ترى أنها حققت إنجازا تاريخيا يمكنها من التحكم في مفاتيح التشريع والسياسة والحكم، وفي مثل هذه النقلات المفاجئة استدعي ما تعودت عليه في معالجة قضايا من هذا النوع؛ وأعود إلى الأصول التاريخية والظرفية فتساعدني في فهم تصرفات هذه القوى.. وإذا ما عُد استفتاء 2011 «غزوة صناديق»، فتُعَد انتخابات 2015 «حروب أموال»؛ تمكنت من شراء المرشحين؛ بمقاعدهم ودوائرهم، وأقامت لذلك ‫»‬سوق نخاسة‫»‬ سياسي هو الأول من نوعه على مدى التاريخ المصري القديم والمعاصر‫…‬ وقد تتمكن العناصر المشتراة من تشكيل تكتل يجمع أكثر من نصف أعضاء ‫»مجلس النواب‫»‬؛ يحكمون قبضتهم على مفاتيح التشريع والرقابة.. وكلهم تقريبا يزاوجون بين المال والتطبيع، ولديهم قدرة على تشغيل ماكينة الفساد والإفساد بمعدلات أعلى ووتيرة أسرع‫!!.‬
وإذا عدنا إلى الأصول فمن المهم التعرف على نشأة الليبرالية الأوربية الأم.. ونبدأ بالمصطلح؛ وترجمته القديمة نسبيا هي «التحررية».. ولا تعني التحرر من الاستعمار والنفوذ الأجنبي والتبعية؛ وليس هناك أفضل من الاستشهاد بدراسات المفكر البريطاني «هارولد لاسكي»؛ خاصة كتابه «نشأة الليبرالية الأوربية»، في ثلاثينات القرن الماضي، وتم نقله إلى العربية في الستينات من نفس القرن تحت عنوان «نشأة التحررية الأوروبية»؛ لحساب «وزارة الثقافة والإرشاد القومي في الجمهورية العربية المتحدة» وتولت نشره «مكتبة مصر» بالفجالة- القاهرة..
يعد ذلك الكتاب مرجعا مهما في موضوعه، محددا النشأة بالفترة ما بين «حركة الإصلاح» والثورة الفرنسية، وظهور طبقة اجتماعية جديدة؛ أعطت لنفسها الحق المطلق في إدارة الدولة، وفي سبيل ذلك أسقطت عوائق كانت تُقصِر الامتياز والدور في مجالات الحياة على المركز الاجتماعي؛ مع استثناء مجال الإكليروس (الكنسي).. وخلخلت ربط فكرة الحقوق بحيازة الأرض. وأحدثت بذلك تحولا جديدا في العلاقات القانونية بين الناس، وأحل العقد القانوني محل المركز الاجتماعي، وأخْلت وحدة العقيدة الدينية طريقها لمعتقدات متعددة؛ وأخذ «الشك» طريقه في التعبير، وأفسح «الحق الإلهي» والحق الطبيعي؛ اللذان سادا في العصور الوسطى؛ أفسحا مكانهما للسيادة القومية والقانونية. ولم تعد الأرستقراطية وحدها متحكمة في السياسة؛ فقد شاركتها قوى استمدت نفوذها من المال، وأحلت رجال المصارف والتجار وأصحاب المصانع محل ملاك الأراضي ورجال الدين والأعيان.
وطغت المدن على الريف. واحتل العِلم مكانة الدين في صياغة وتشكيل الرؤى والأفكار، وهُزمت فكرة الماضي الذهبي وفكرة الخطيئة الأزلية أمام زحف التقدم، وتراجعت المبادرة والهيمنة العامة أمام تقدم المبادرة والسيطرة الفردية، ووُلِدت «التحررية» كتيار وفلسفة جديدة. وهذه باختصار قصتها ونشأتها.
ومع ذلك نمت الليبرالية وتطورت بمساعدة رجال يجهلونها ويعارضونها؛ مثل ماكيافيللي وكالفين ولوثر وكوبرنيكس وتوماس مور، وهوبز وباسكال وبيكون. وافادتها الكشوف الجغرافية والنظريات الجديدة عن تفسير الكون والوجود وتواتر الاختراعات ودراسات ما وراء الطبيعة، وأنماط الحياة الاقتصادية الجديدة. و»الإصلاح الديني» وكان ثورة تأثرت كثيرا بإحياء العلوم وسقوط «الجمهورية المسيحية» في العصور الوسطى.
وترتب على ذلك انقسام أوروبا إلى كيانات أصغر ودول ذات سيادة. ولم تكن ولادة التحررية سهلة، بسبب الثورات والحروب. وتعرضها لتحديات كبرى من قبل القوى القديمة فيما قبل سنة 1848؛ حين كانت «التحررية» تواجه مصالح أكتسبت قدسية امتدت لخَمْسمئة عام.
ومعنى هذا أن التحررية ولدت من رحم أوروبي خالص؛ وانطلقت تدعو لحرية التجارة؛ ومبدأ دعه يمر؛ «ليسيه باسيه»، ولم يعرف عنها أنها نشأت من للدعوة لحرية الإنسان والأوطان بحال، وجاءت الثورة الفرنسية رافعة شعارات الحرية والإخاء والمساواة، وما أن هدأت الثورة حتى استرد هدف حرية التجارة مكانته، فاستفحلت الظاهرة الاستعمارية، وعانى العالم من ويلاتها وما زال حتى الآن، ولقرون قادمة. وترادفت الديمقراطية الغربية مع المضمون الحقيقي لليبرالية، وكلتاهما مخضبة بدماء الأبرياء، وجحافل الغزو والتطهير الثقافي والإبادة العرقية تتقدم تحت راياتهما(!!).
وحرية التجارة تعتمد على قانون السوق وقاعدة العرض والطلب وهذه ليست قوانين أو قواعد بالمعنى الحقيقي فعشوائية السوق وفوضى العرض والطلب أفرزت تطورا معاكسا زاد من العنف والحروب وضاعف إنتاج الأسلحة بكل أنواعها بما فيها أسلحة الدمار الشامل، وتوسع احتلال الأراضي، وزاد قهر الشعوب والأمم.. وعجز الفكر الإنساني عن الخروج من «الصندوق الليبرالي» الأسود، وهذه حقيقة أزمة الليبرالية. وكان الإنسان قطع شوطا على درب التحرر ومقاومة الاستغلال والعنصرية والتمييز ومكافحة الفقر.. وعمل على الحد من وطأة ما يمكن تسميته «القهر الليبرالي» في فترة ما بين الحربين الأولى والثانية، واتسعت آفاقه في عصر التحرر الوطني عقب الحرب العالمية الثانية.. وكان للعرب ومصر فضل السبق في شق طريق ثالث أمام الشعوب الصغيرة والمستعْمَرة.. لكنه أجهض.. بعد حرب 1973.. وما زال الإجهاض ساريا.
كانت هذه مقدمة قد تفتح بابا لاسترجاع الذاكرة التاريخية المفقودة، وإعادة النظر في المسلمات والأجندات وخرائط الطرق؛ وهذا قد يقربنا مما يجري في مصر وهي على أعتاب هجمة ليبرالية!. من المتوقع أن تعمق النزوع الانعزالي والطائفي والانفصالي!!.
وقد استقبلت وأنا اختم هذه السطور مكالمة هاتفية من زميل صحافي كبير يبلغني عن تقرير نشرته بصحيفة «التايمز» البريطانية يصنف حسني مبارك ومنظمة «الفيفا» للكرة ضمن قائمة الأكثر فسادا في العالم.. والغريب أن القائمة لا تضم أكثر من 15 شخصا وهيئة ومؤسسة.. فقلت إن هذا يمكن تضمينه فيما أنوي تناوله عن اتجاهات وأوضاع الليبراليين المصريين.. وكان جمال مبارك ووالدته سوزان من حملة لواء الليبرالية الجديدة بتوحشها وغلظتها!!.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية