يشبّه بعض الباحثين للشأن الأمريكي تغيّرات السياسات الأمريكية عبر الزمن بحركة بندول الساعة، حيث تنتقل من أقصى الطرف لأقصى الطرف المعاكس مباشرة، وكرد فعل بدل السير حول خط الإعتدال، فمثلا بالنصف الأوّل من القرن العشرين إختارت الولايات المتحدة العزلة عن مشاكل العالم، حيث يفصلها المحيط الأطلسي من الشرق والهادي من الغرب،تاركةً العالم القديم يعالج مشاكله بنفسه، هووحروبه وثوراته الدمويّة، حتّى أتت بيرل هاربر فإندفعت الولايات المتّحدة لدخول الحرب العالميّة الثانية بقوّة، ولتصبح بعد الإنتصار زعيمة «العالم الحر» في تلك الأيّام، ولتنتشر قواعدها العسكريّة وأساطيلها حول العالم، هذا وقد قادت بعدها الحرب الكوريّة والكثير من المواجهات الأخرى، لكن بعد حرب فييتنام والخسائر العسكريّة والبشريّة والأخلاقيّة التي رافقتها، إرتدّت الولايات المتّحدة لسياسة الإنعزال من جديد.
فمثلا في تلك السنوات ونتيجة لتراجع الدور الأمريكي خلال حكم الرئيس جيمي كارتر حدث الغزوالسوفييتي لأفغانستان دون رد فعل أمريكي. وقامت الثورة الإيرانيّة أيضاً حيث نرى إلى هذا اليوم الكثير من الإيرانيّين الذين يضعون اللّوم على جيمي كارتر لتجاهل ما حصل في إيران وترك الأحداث تسير على هذا النحو، ليس لأنّهم كانوا يريدون من الولايات المتحدة الدفاع عن الشاه، بل لأنّ إدارة كارتر لم تدعم التيّارات الديمقراطيّة والحداثيّة في الثورة الإيرانيّة، ممّا أتاح المجال لآيات الله للسيطرة على السلطة والثمن الباهظ الّذي دفعه الشعب الإيرانيّ وكامل منطقة الشرق الأوسط نتيجة قيام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وهوالثمن الّذي ما زالت شعوب المنطقة تدفعه إلى هذا اليوم.
إستمرّت سياسة العزلة رغم أنّه تخلّلتها بعض التدخّلات الّتي لم يكن من الممكن تجنّبها مثل حرب الكويت أوكوسوفو، لكن بعد هجمات إيلول/سبتمبر 2001 لم يعد بالإمكان الإستمرار بتجاهل أحداث باقي العالم بعد أن وصلت تبعاتها وبشكل كارثي للداخل الأميركي في سابقة تاريخيّة كأوّل هجوم واسع يستهدف مدن نيويورك وواشنطن! فإندفع البندول الأمريكي للجهة الأخرى وحدث غزوأفغانستان وثمّ العراق وبعد عدّة سنوات ونتيجةً لتعقيدات تلك الحروب، إنتصر التيّار الإنعزالي مرّة أخرى وفاز الرئيس أوباما تحت شعارات واضحة بالتغيير والإنسحاب من الحروب الخارجيّة.
رافق رد الفعل العسكري على هجمات إيلول/سبتمبر 2001 أيام الرئيس بوش الإبن بروز تيّار سياسي أطلق عليه خصومه إسم المحافظين الجدد يتكوّن من مفكّرين ومحاربين قدماء ومثقّفين يؤمنون بأهميّة قوّة الولايات المتحدة ودورها القيادي في العالم للحفاظ على الأمن والإستقرار الدولي. ومع تراجع التأييد الشعبي لحربي العراق وأفغانستان وهيمنة التيّار الإنعزالي على السياسة الأمريكيّة سيطر تيّار فكري وسياسي مناقض للمحافظين الجدد يمكن تسميته بالليبراليّين الجدد.
تقوم الليبراليّة في الأصل على فكرة الحريّة والمساواة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان والسوق الحرّة، غير أنّ بعض المثقّفين الأمريكيّين الليبراليّين وكرد فعل على السياسة الأمريكيّة في أيّام جورج بوش الأبن تبنّوا مجموعة من الشعارات الّتي وجدت تجاوبا مع قسم كبير من الشارع الأمريكي الرافض للتورّط بمشاكل العالم، مثل: الولايات المتحدة ليست شرطي العالم، أوهذه الحرب ليست حربنا أو» إنّه الإقتصاد أيّها الغبي « والّّتي تعني أنّه يجب التركيز على الإقتصاد بدل هدر الأموال على الحروب وغيرها من الشعارات.
من هذه المقدّمة الّتي قد تكون فيها وجهة نظر، بدأ الليبراليّون الجدد في المغالاة في الموضوع وأخذوا منحى أكثر راديكالية، حيث أصبحوا يتفهّمون المصالح الإستراتيجيّة للبلدان الأخرى، خصوصا من يجاهرون بعدائهم للولايات المتّحدة، ويشكّكون بمصالح بلدهم الإستراتيجيّة أوبمصالح حلفاء الولايات المتحدة التاريخيين! فهم مثلا يرون أنّه ليس من المستغرب أن تكون أوكرانيا تابعة للنفوذ الروسي حتّى ولوكانت للشعب الأوكراني رغبة أخرى، بل ورغم أنّ الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا قد وقّعتا تعهّدا بحماية وحدة وإستقلال أوكرانيا منذ بضع سنوات! هذا التجاهل سمح بإحتلال روسيا لمناطق واسعة من أوكرانيا.. كما أنّ هؤلاء (الليبراليّين)- ولكي يتجنّبوا أي تورّط خارجي- تخلّوا عن كل الإعتبارات الأخلاقيّة والإنسانيّة الّتي قد تحرجهم وتدفعهم للتدخّل بمنطقة ما، وبالطبع أوضح مثال على ذلك هوموقفهم من المأساة السوريّة الّتي لا توجد جريمة حرب لم يرتكبها النظام السوري فيها، حيث تحوّل صانعوومؤيدوهذا التيار إلى ما يشبه الروبوتات الباردة الإحساس والعديمة المشاعر ينظرون لصور المأساة بعيون ميّتة بلا أي تعاطف.
كما أضافوا لخصالهم نقطة أخرى، وهي تغيير تسمية الأشياء لتبرير لامبالاتهم تجاهها أمام الرأي العام والعالم، فبدلا من وصف ما يجري في سوريا بثورة شعبيّة ضدّ سلطة ديكتانوريّة وراثيّة تحكم سوريا منذ خمس عقود وبالتالي يجب أن يكون للولايات المتحدة كأكبر قوّة عالميّة موقف ما تجاهها، فإنهم يستخدمون عبارة الحرب الأهليّة وبالتالي ليس هناك ما يمكن عمله سوى إنتظار إقتناع الأطراف المختلفة المتورطة في هذا الصراع بالتفاوض، وتعبير (تغيير تسمية الأشياء) هووصف مهذّب لكلمة أخرى أوضح وهي: الكذب. لا نعلم بالتحديد ما الّذي يدفعهم لهذا الموقف ربّما لأنّهم لا يريدون أي مواجهة مع الروس أوالإيرانيّين حلفاء النظام السوري ؟ حتّى أنّ توماس فريدمان الليبرالي المعروف والخبير في شؤون الشرق الأوسط وبعد حماسه الشديد للربيع العربي وزيارته لبنغازي الليبيّة وميدان التحرير بالقاهرة أثناء الثورات في هذه البلدان، نراه وقد صمت تماما عندما وصلت شرارة التغيير إلى سوريا ولم يكتف بذلك بل قال في أحد تحليلاته: إن ما يحدث في سوريا من «إحتجاجات» سببه الجفاف ونقص الأمطار الّذي أثّر على الزراعة ومستوى دخل الفرد بسوريا، وهويعلم تماما أنّ لدى السوريّين أسبابا للثورة أكثر من كل دول الربيع العربي مجتمعة.
ومن الأمثلة الأخرى عن توماس فريدمان نفسه وصحافي الـ CNN فريد زكريّا وفي سياق ترويجهم للإتّفاق النووي مع إيران يتعمّدون تجاهل التاريخ والواقع الإرهابي للنظام الإيراني والّذي قام بعشرات العمليّات الإرهابيّة على طول العالم وعرضه وكان الأمريكيّون أنفسهم من بين ضحايا هذه العمليّات، ولم يكتفوا بذلك بل تراهم يبذلون كل جهدهم لإلصاق صفة الإرهاب بالحكم السعودي بحجّة وجود مواطنين سعوديّين كأفراد ضمن المجموعات الإرهابيّة رغم معرفتهم أنّ الحكم السعودي من الأهداف الأولى المعلنة للإرهاب كما أنّه تمّ تنفيذ العديد من العمليّات داخل الأراضي السعوديّة نفسها وفقد فيها الكثير من السعوديّين حياتهم. إنّهم ببساطة يخدعون الرأي العام الأمريكي من خلال توجيه الأنظار بعيدا عن الإرهابيّين الحقيقيّين الّذين يجلسون معهم على طاولة المفاوضات ويقدّمون لهم التنازلات، أي نظام آيات الله.
يتكلّمون عن حجاب المرأة في السعوديّة ويتجاهلونه في إيران، يستنكرون عشرات الإعدامات الجنائيّة في السعوديّة ويصمتون على إعدام الآلاف في إيران لأسباب سياسيّة بحتة، لم تصل إلى مسامعهم كل الإحتجاجات الّتي قامت بها الشعوب الإيرانيّة طوال هذه السنوات والّتي مازالت مستمرّة إلى اليوم، بل تراهم عند أحاديثهم يخلطون بشكل متعمّد ويشيرون لنظام آيات الله بإعتباره إيران الدولة، وهم يعلمون تماما أنّه لولا الحرس الثوري والقبضة الأمنيّة لما إستمر هذا النظام لليوم، أي أنّ هذا النظام لا يعكس تمثيلا حقيقيا للشعب الإيراني وليس نظاما شرعيّا كما يحاول هؤلاء الليبراليّون الإيحاء بشكل مقصود. كما أنّنا نرى هؤلاء الليبراليّين بارعين بالتلاعب بمخاوف الأمريكيّين، فمثلا، عند مناقشة الإتّفاق النووي الّذي يراه الكثير من الخبراء إتّفاقا ضعيفا نسمعهم يقولون: لا نريد المزيد من الحروب.
وكأنّ الحرب هي البديل الوحيد لهذا الإتّفاق الهزيل، وعند مناقشة المأساة السوريّة يقولون: لا نريد جنودا على الأرض أولا نريد قصف سوريا، والحقيقة هي أنه لم يطلب أحد من الولايات المتحدة القيام بذلك، بل كانت كل طلبات السوريّين طوال هذه السنوات هي السماح بتزويدهم بالأسلحة طالما أنّ الروس والإيرانيّين يزوّدون النظام السوري بكل أنواع الأسلحة، وحتّى أنهم باتوا يرسلون جنودهم بشكل علني للقتال مع نظام الأسد. ويتميز هؤلاء (الليبراليّون الجدد) بعناد إيديولوجي شديد فهم لا يعيدون النظر بسياساتهم وطروحاتهم مهما ترتّب عليها من كوارث، وهم لا يرون حالة الإنقسام الحاد الّتي وصلت إليها الحياة السياسيّة الأمريكيّة نتيجةً لهذا العناد ونتيجة عدم مشاورة الأمريكيّين الآخرين الّذين لا يتّفقون معهم في آرائهم عند إتّخاذ أي قرارات، حتى أنهم ينظرون بتعالي لعامّة الشعب الأمريكي فهم يرون أنفسهم أكثر معرفة بمصالح المواطنين الأمريكيّين من «العوام الجهلة»،كيف لا وهم المثقّفون ذووالنظر الثاقب الّذي يستشرف المستقبل.
هذه الأرضيّة تحديدا هي الّتي تسمح لهم بخداع الرأي العام والكذب عليه دون أن يؤنّبهم ضميرهم. كما أنّهم يعيشون مع الإدارة الأمريكيّة الحاليّة في حلقة مغلقة حيث لا يستمعون فيها إلا لآراء وتحليلات وصدى أصوات بعضهم البعض، مثل كل الإيديولوجيّين على مر العصور. لم يكتف فلاسفة الليبراليّة الجديدة بالدفع بإتّجاه إضعاف الدور الأمريكي على مستوى العالم اليوم، بل أرادوا تخفيض عديد القوّات المسلّحة الأمريكيّة وإيقاف برامج تطوير بعض أنواع الأسلحة في المستقبل رغم أنّهم يعلمون أنّ العالم لم يتحوّل إلى مجتمع من الملائكة بعد، إنّهم يريدون ضمان إستمرار الضعف الأمريكي مستقبلا !!.
وصلت حركة البندول إلى الطرف الأقصى يسارا مع هؤلاء الليبراليّين الجدد وبعد سنة من اليوم ومع نهاية أيّام هذه الإدارة ستبدأ الحركة بالعودة للطرف الآخر كما عوّدتنا أمريكا دوما. ستحاول دول محور الشر والديكتاتوريّات والإرهاب الإستفادة للحدود القصوى من هذا العام المتبقي على حكم الإدارة الحالية لتحقيق ما تستطيعه من مكاسب في ظل سياسة (القيادة من الخلف) !! أو، إنعدام القيادة، بالوصف الدقيق للسياسة الأمريكيّة الحاليّة، لكنّ بعد مضي هذا العام سيكون هناك حديث آخر مع بوتين وخامنئي وسواهما.
الدكتور عماد بوظو