المؤتمر الاقتصادي وحسابات الدول ووعود المستثمرين والمتمولين

الاعتذار واجب إلى من وصلتني رسائلهم على بريدي الألكتروني الخاص واتصلوا بي هاتفيا؛ يطلبون تفاصيل إضافية حول موضوع السبت الماضي عن «الجنسية المزدوجة»، والسبب هو ما حققه مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي من نجاح؛ فرض نفسه وأصبح أولى بالتناول، والنجاح المتحقق كان تنظيميا وسياسيا ونفسيا.. ويستحق توجيه التهنئة للدولة، بعد أن استعادت لياقتها ونظمت مؤتمرا بهذا الحجم الكبير والمستوى العالي من التنظيم والدقة، وتوجيه التهنئة كذلك إلى من شاركوا ولبوا الدعوة، فقللوا المخاوف من اختطاف المؤتمر وأشاعوا نوعا من الاطمئنان؛ أجّل «غزوة اقتصادية» كانت متوقعة!!.
وإذا كانت لنا انتقادات وملاحظات سابقة لكنها لا تمنع من أن يكون المرء منصفا؛ يقول للمحسن أحسنت، ويقول للمسيء أسأت. وعليه وجب تقدير أولئك الذين أحسنوا من جنود معروفين ومجهولين؛ يعود إليهم فضل ذلك النجاح والمساهمة فيه؛ رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ووزارة الخارجية، وأجهزة الأمن العسكرية والشُّرَطية والأجهزة السيادية، وكل من هيأ الامكانيات والاحتياجات الميدانية «اللوجستية»؛ وقد بدت في نسق واحد قادر وفاعل، وهذا هو ببساطة النجاح التنظيمي والإداري والتنفيذي.
كان النجاح السياسي هو الأكبر، وظهرت بداياته قبل انعقاد المؤتمر، وتمثلت في الاستجابة الواسعة للدعوة، وأعداد الوفود القادمة من أنحاء العالم، وتجاوزت أكثر التوقعات تفاؤلا، فحضور رؤساء دول وملوك وأمراء، ورؤساء وزارات ووزراء؛ ومبعوثين شخصيين ومفوضين رسميين من قبل رؤساء وقادة العالم؛ كان له معنى واضح تمثل في تقدير كبير لمصر وشعبها وقيادتها، وفي رغبة من شاركوا في تقوية الجسور بينهم وبين البلد المضيف، والارتقاء بالعلاقات السياسية والاقتصادية إلى مستويات التعاون والشراكة.
وهكذا اعترف العالم بثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، وبكل ماترتب عليها من تغيير. وقد غيرت استجابة نحو مئة دولة ما كان متوقعا من تحويل المؤتمر إلى «منتدى للأثرياء» في بلد يعاني الفقر؛ يتبادلون فيه الأنخاب والصفقات، ويضغطون للحصول على مزيد من التسهيلات والامتيازات. وإذا به يتحول إلى ملتٍقى للمصالح المشتركة، والتعاون العربي والإقليمي والدولي، وجاءت كلمات رؤساء الوفود في الجلسة الافتتاحية معبرة عن ذلك. وسواء كان ذلك بقصد أو بدونه، فد نجحت الدول المشاركة في نقل الزمام من يد مسؤولي الشركات والاحتكارات والمنظمات والمؤسسات المالية والمصرفية الغربية والدولية إلى يد المسؤولين السياسيين على أعلى مستوى؛ وقل أن يجتمع هذا المستوى من تمثيل دول العالم في غير الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ جاؤوا من آسيا وإفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية، مع استثناء تركيا وإيران، وهذا النجاح وصل بشعبية الرئيس السيسي إلى حدها الأقصى!!
والنجاح السياسي حققته فرص أتيحت للتباحث الثنائي، وتناول العلاقات البينية بين الدول، ودراسة ملفات إقليمية ودولية مهمة؛ ليبيا وفلسطين، والعراق واليمن وسوريا، فضلا عن مواجهة الإرهاب والفوضى والاقتتال الأهلي، وما يستهدف المنطقة العربية ومناطق أخرى في العالم من توتر وتقسيم وتفتيت. وخلق ذلك النجاح توازنا كان مطلوبا، ومنع اختطاف المؤتمر من قبل المستثمرين وممثلي الاحتكارات والمصارف وبيوت المال والمؤسسات الاقتصادية الغربية والدولية، فلم يفلحوا في استغلاله لحسابهم وإخضاعه لهيمنتهم بشكل كامل. حسابات الدول – حتى لو كانت يمينية ومنحازة – غير حسابات الشركات والاحتكارات والمؤسسات المالية.. فغالبا ما تتجاوز الدول ضيق أفق تلك الكيانات الأخطوبوطية وأنانيتها. ومن عاش أيام المؤتمر واختلط بالناس لاستطاع أن يكتشف توجه الرأي العام وموقفه، الذي عبر عنه بإطلاق صفة «المستعمرين» على المستثمرين، وكان ذلك كاشفا للأثر النفسي على غالبية المصريين، الناتج عن شعورهم بالتفاف العالم حولهم؛ فخفت لديهم مشاعر القلق والتخوف التي كانت متوقعة من النتائج السلبية للمؤتمر، وعكست وعيا متقدما، يطالب بتفادي تكرار تجربة ديون القرن التاسع عشر، التي انتهت بالاحتلال، ورفض إعادة إنتاج تجربة الخديوي اسماعيل في التبذير والاستدانة، التي تعمل لها جهات رسمية!!.
والدول حين تدفع وتساهم وتمنح وتتعاون، فهذا يعني أنها تعمل من أجل دور، أو تتطلع لتوفير حماية، أو تعزيز نفوذ وقوة، وزيادة تأثير، أو طلب لأمن واستقرار، أو بعض هذا أو كله مجتمعا، وهذه ممارسات مشروعة في ظل وجود علاقات متكافئة وندية واضحة، وضوابط تعزز الاستقلال الوطني والتضامن القومي والتعاون الدولي؛ من غير تبعية أو انحياز. وعلاقات الأشقاء والأصدقاء وإن كانت تقوم على المنافع المتبادلة، فعادة ما تخضع لغطاء مبدئي، ولا تقوم حساباتهم على انتظار المردود المالي والمادي المباشر أو السريع، فالتأييد السياسي وتنمية سبل الدفاع المشترك ضد المخاطر يشد الأزر في هذه المرحلة العصيبة من حياة الوطن العربي والعالم الإسلامي، وكثير من دول العالم. ومن الممكن أن يتطور المؤتمر فيكون مصدرا للقوة والتطور والتقدم والسعي لتخفيف التوتر والحد من الصراعات والعنف والاقتتال الأهلي.
النتائج والالتزامات المالية والاستثمارية المؤكدة كلها بالأساس عربية (السعودية والإمارات والكويت وعُمان)، وتقدر بإثني عشر مليار ونصف المليار دولار، وغيرها وعود؛ من المنتظر أن تكون ضاغطة من أجل الحصول على ضمانات وتنازلات وطنية وسياسية وتشريعية. والتحدث عن حسابات المال والاستثمار، اختلفت نظرا لغياب «الرأسمالية الوطنية»، وكان لها دورها في عصور سبقت، وهذا الاختفاء دفع بالرأسمالية المصرية لأن تعيش في كنف التبعية، واستخدامها كسوط غليظ يلهب ظهر الوطن ويدمي فقراؤه، وكأداة للتخريب النشط لمرافق الانتاج والخدمات والرعاية، وكانت تحصل على مقابل ذلك مكافآت من الدولة الفاسدة؛ في شكل أراضي بالمجان، ومصانع بـ»تراب الفلوس»، وقروض بلا ضمانات، واستغلال بشع، فتحصل على دعم الدولة، وتبيع السلع بالأسعار العالمية، ونتج عن ذلك الخلل وجود أغنى قلة وأفقر شعب.
والرأسمالية المصرية في حالتها الراهنة فاجرة ومشوهة ونافذة وغادرة. وسمعت تعبير «رأسمالية وطنية» بعد ثورة يناير، وكانت من صديق عصامي، كون ثروة كبيرة بعلمه وعبقريته، وقدم منها مساعدات كبيرة لثورتي يناير ويونيو، وفي حوار شخصي بيني وبينه؛ أردت منه التعرف على الحافز وراء موقفه، فرد «أنا رأسمالي وطني»، ولم أسمعها من أحد غيره، وكنت أتمنى أن يكون هذا اتجاها موجودا في مصر، مثلما كان طلعت حرب وسيد جلال ومحمد فرغلي، وللأسف فإن هذا الاتجاه شبه معدوم في الوقت الراهن، والسبب هو انحياز الدولة وتدليلها له واستجابتها لابتزازه!!.
والتوحش الرأسمالي المصري مُعزز بالانعزالية المعادية للعروبة، التي تقف حجر عثرة أمام استثمارات العرب، وضد انفتاحهم على مصر، وأبرز رموزها حسين صبور رئيس نادي الصيد وصديقه نجيب ساويرس وأسرته، وعبرت تصريحات صبور عن سعادته البالغة يوم صدور قرارات رفع الدعم عن محدودي الدخل والفقراء، وطحنهم برفع أسعار الغاز والكهرباء والمياه، وقد انخفضت في أعتى النظم الرأسمالية بسبب الانخفاض سعر النفط، وتبع ذلك تخفيض الضرائب على «وحوش المال»!!.
وخطاب الرئيس السيسي في افتتاح المؤتمر ما زال «يدعم اقتصاد السوق الذي يؤمن بدور القطاع الخاص فى سياق بيئة اقتصادية مستقرة».. وفى موقع آخر من نفس الخطاب يقول: «إن كل تلك المشروعات تفتح آفاقا رحبة لمشاركة القطاع الخاص على نحو استدعى تطوير المشاركة بين القطاعين العام والخاص وتشجيع آليات الاقتصاد الحر». وتنطوي هذه العبارة على إقرار هيمنة القطاع الخاص وحده، ومنحه رخصة باسم المشاركة لتصفية ما تبقى من القطاع العام، الذي يبلغ 40٪ من حجم الاقتصاد الكلي، لحساب القطاع القطاع الخاص، وعودة الخصخصة مرة أخرى. ورفض الحكومة لاستلام وتأهيل شركات ومصانع أعادتها المحاكم إلى «الملكية العامة».. وفي موقع ثالث من خطاب الرئيس يواصل: «قد تم إعداد تلك الاستراتيجية وفقا لمنهج التخطيط بمشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني» وهذا يقر برؤية البنك الدولي بالنسبة للاقتصاد المصري، ويبدو على الخطاب المصاغ بشكل جيد وكأنه منقول من كتابات «آدم سميث» مؤلف كتاب «ثروة الأمم»، المعروف بانجيل الرأسمالية في مرحلتها البدائية والخشنة، وهذا قد ينعكس سلبا على تطورات ما بعد المؤتمر، فيضيع الأثر الإيجابي، وتعجز الدولة عن التدخل لإحداث توازن مطلوب بين الثراء الفاجر والفقر المميت.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية