«المؤسسات التعليمية تكرس النمط وتفرض الذائقة» : صلاح بوسريف: الشعر ليس هو الوزن والنقد اليوم تكرار للسائد

حجم الخط
1

استطاع الشاعر المغربي صلاح بوسريف 1958 من خلال مشروعه في الشعر (إبداعا ونقدا ونظرا) أن يفتح أفقا جديدا في الشعرية العربية، بشكل مختلف عما درجت عليه عادة القصيدة العربية بمعناها الطللي والحداثي على حد سواء. ينتمي بوسريف إلى جيل الثمانينيات، إلا أنه اختلف عن شعراء جيله، وكذا الجيلين اللاحقين بكونه ابتدع وعيا شعريا جديدا، وتصورا مغايرا في الكتابة الشعرية، جعل النص الشعري لديه يرقى إلى مستوى الأعمال الكبيرة، مستحقا بذلك لقب الشاعر المشاء. الدليل على ذلك تتويج عمله الشعري ما قبل الأخير والموسوم بـ«رفات جلجامش» بجائزة المغرب للكتاب لهذه السنة. وبمناسبة هذا التتويج كان لنا معه هذا الحوار حول هذا الأفق ومواضيع أخرى.

■ تتميز تجربتك الشعرية بالمغايرة والاختلاف عما درجت عليه عادة الشعر المغربي في الحقبتين الستينية والسبعينية، هل هذا الأفق ميزة تميز بها شعراء الثمانينيات؟ أم إنها كانت تجربة فردية؟

□ المغايرة والاختلاف، هما من شروط الكتابة الشعرية، والإبداع عموما، سواء تعلق الأمر بالشعر، أو التشكيل، أو الموسيقى والرقص والنحت. حين نكتب لنكون شبيهين بغيرنا، فهذا معناه، أننا نوجد بهذا الغير، ولا نوجد بذواتنا، وهذا النوع من الوجود بالشِّعر، هو وجود بالآلة، بتعبير الفارابي. الشِّعر، هو وجود بالمفرد، بما يعنيه المفرد هنا، من توقيع شخصي، ما يخصني ولا يخص غيري، رغم أنني، في ما أكتبه، فأنا، حتما، سأتصادى وأتقاطع وأتنادى مع غيري ممن مَرُّوا من هنا، لكن المغايرة، هي، في جوهرها، كتابة بمحو الأثر، لأن الكتابة، في أساسها، هي محو وطمس دائمان، وهي تثبيت للذات الشاعرة، هذه الذات التي ليست هي الشخص أو الأنا بالضرورة. المغايرة، هي حفر، وهي اشتغال دائم على المُخْتَلِف والمُتفرِّد، وهي سعي إلى وضع الذات في شرطها الشِّعري الجمالي، الذي ينبغي أن لا يكون فيه أي إيحاء بوجود الآخر في صوتك، أو أنه موجود بما لم يتوقعه، وما لم يكن يعلم بوجوده، وما لم يفكر فيه، وهذا ما أسميه الاختراق، أن تكون في صُلب الموجود، لكن بوجود هو غير هذا الوجود، أي بدمك أنت الذي هو الدم الذي به تجري أنفاسك في شعرك، في ما تكتبه وتقوله، وفي حركيتك. كتابي «المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر»، الذي كتبته في تسعينيات القرن الماضي، كان أول وآخر كتاب كُتِب عن جيل الثمانينيات في المغرب، كتاب قام حوله لغط كبير، فقط لأن كل واحد، ممن كانوا يكتبون آنذاك، كان يريد أن يكون ضمن هذا الجيل، بمن فيهم من جاؤوا متأخِّرِين، وفي ما بعد اقتنعوا بأنهم لا يدخلون في هذا الجيل، ولا في تجربته التي كانت شرعت في الانسلاخ من الأيديولوجي، ووضعت الذات في سياق الشعر.
اليوم حين تعود إلى هذا الجيل، تجده تَشظَّى، كما حدث لجيليْ الستينيات والسبعينيات في المغرب، وفي العالم العربي، وكثير من أفراده لم يعودوا مفيدين شعريا، لأنهم لم يبقوا في سياق المغايرة، وفي سياق التعبير الشِّعري الجمالي المختلف، وثمة منهم من يُعِيد تكرار كتاباته السابقة بنوع من الإخفاق، فيها اختراقات، وبحث، ومنهم من اختار غير الشِّعر، لتبرير عطب الشِّعر عنده، وهذا يمكن أن نقرأه ونقاربه في كتابات هؤلاء التي توقفت عن أن تكون تجارب، لأنها لم تكن مشروعات شعرية، وهذا هو الفرق بيني وبين العديد من هؤلاء، فأنا حرصتُ على وعي الشرط الشعري في سياقه الجمالي، القائم على المغايرة والاختلاف، لأنني أومن بأن الحداثة، هي ماء يتجدد باستمرار، ولم أكن تابعا، بل حرصتُ على أن أكون أنا، في سياق ذاتٍ شاعرة، هي التي بها كتبتُ منذ ديواني الأول «فاكهة الليل»، الذي كان مختلفا منذ بداياته، وهذا ما بدا في ما كُتِب عنه من قراءة، آنذاك.

■ المتأمل لما تكتبه منذ مدة ليست بالقصيرة يلاحظ أنك تشتغل على فكرة العمل الواحد بنَفَس ملحمي يتداخل فيه الشعري بالسير ذاتي. هل هذا يعني أنك تروم تأسيس ميثاق تخييلي جديد في الشعر، يقوم على التداخل الأجناسي، من أجل إعادة الاعتبار للشِّعر في زمن يقال إنه زمن الرواية؟
□ كما تعلم هذه التجربة كانت عملا على مفهوم العمل الشِّعري، وهو مشروع له امتدادات تجدها في الشِّعر الكوني، عند كبار الشعراء والكتاب العالميين، ممن رغبوا في كتابة العمل الواحد المتواصل، الذي يمكن أن يفي بشرط الرؤية، أولا، وأن يفي بشرط الشعرية الجمالية التي تخرج من الغنائية، بمعنى هيمنة الصوت الواحد على النص، أو هيمنة الأنا، في مقابل اختفاء وتعثُّر الذات، التي كانت مطموسة، وغير مسموح لها أن تتقاطع مع أغيارها، أنظر رامبو، ومالارميه، مثلا.‬‬ في العمل الشِّعري، لا بد من أن نُعيد تجنيس النص، أو أن نُخْرِجَه، أساسا، من التجنيس، ليصير العمل جامع أنواع، وهذا ما يمكنه أن يجعل اللغة، بدورها، تتوقف عن أن تكون لغة للشعر ولغة للنثر، بل أن تعود إلى أولها، وبداياتها، لتكون لغة واحدة، لا هي شعر ولا هي نثر، بل تتخلَّق إبَّان عملية الكتابة، في ارتطامها بالذات الشاعرة، التي تلعب دور المايسترو الذي يقود الجوقة، بكل ما في أفرادها وآلاتها وأنغامها وأصواتها من اختلافات، لتجعل من النشيد يبدو وكأنه يصدر عن وتر واحد، فيما هو كثير ومتعدد ومختلف ومُغاير.
صحيح ما أشرتَ إليه بصدد النَّفَس الملحمي، خصوصا في «رفات جلجامش [كشـ ـ بلـ ـ كا ـ مش] الرجل الذي سيُنْبِت شجرة جديدة»، وأيضا في «ياااا هذا تكلم لأراك»، وقبلهما في ديوان لم ينتبه إليه النقاد، وهو «حامل المرآة»، الذي أعتبره انعطافة في مسار هذا المشروع. الشِّعر، يحتاج أن نُوَسِّعَ دوالَّه، أن نخرج به من النمط، وأن نُتِيح له أفقا أرحب وأوسع، وهذا ما سيجعل الشِّعْر يصير سردا ـ فيما هو شعر دائما ـ وحوارا، واسترجاعا، وأصواتا، وضمائر، وتداعياتٍ، وإحالاتٍ، واستحضارا، وتناديا، بدون أن ننسى، أو نغفل، ولو للحظة واحدة، أننا نكتب، وأن الصفحة هي دال بين باقي الدوال. اليوم، الحاسوب، أصبح يُتِيح لنا أن ننتبه إلى الصفحة، وأن نستثمر الإمكانات الطباعية الباهرة الموجودة فيه، لنضع الصفحة في سياقها الكتابي، ونُقلِّل، ما استطعنا من هيمنة الشفاهة والإنشاد. لذلك، فالشِّعر، كما قلتُ، دائما، ليس هو الوزن، أو الإيقاع كدال أكبر، وهذا تصوُّر هنري ميشونيك الذي تبناه بعض الدارسين المغاربة، بدون مراجعته، بل هناك التخييل، وإلا سيصبح الشعر هو الموسيقى نفسها، أو حاجتنا إلى الموسيقى ستبدو، بهذا المعنى، أهم من أن نقرأها في الحروف والكلمات.

■ بالنظر إلى إنتاجك الشعري، نتساءل عن مدى تفاعل الذائقة المغربية مع هذا الطارئ الشِّعري، وهل الناقد المغربي في مستوى هذا الرهان؟ أم أنه ما يزال سجين عقلية معيارية، لا تنصف المختلف، وسجين علموية منهاجية مزعومة، تفوت عليه فرصة قراءة النصوص الخارجة عن التصنيفات المعطاة سلفا، والجارحة لها.
□ المُغايِر، دائما، مفاجئ، وصادم، ويصعب قبوله، خصوصا في ضوء وضعنا الثقافي العربي الراهن. المدرسة والجامعة والإعلام، هي مؤسسات تُكَرِّسُ النمط، وتفرض ذائقة في التلقي، هي غير ما تجري به الكتابة في الواقع. هذه المؤسسات لا تقبل التجديد، والمُجازفة، ولا المغايرة والاختراق. أنظر في مقررات الجامعة والمدرسة، فالتقليد هو المهيمن، والحداثة، بما هي اختراق، تُجابَه بكثير من العوائق، أي باعتبارها خارج الشعر، وخارج الكتابة، ولا تنضبط إلى المألوف. هذا الوضع، هو الذي أدى، بالنقد ليكون تكرارا، وتكريسا للسائد، وأيضا، النصوص والكتابات الجديدة، تتجاوز النقاد وحتى بعض من ينتسبون إلى الشعر خطأ، وهذا ما كان عبَّر عنه أحد هؤلاء بصدد «ياااا هذا تكلم لأراك»، حين كتب، يعتبر الديوان ليس شعرا، وبدا أنه لم يقرأ هذا العمل، وهذا جهل بالمطلق، والكارثة، هنا، هي أن هذا يدعي أنه شاعر، وأستاذ جامعي. كيف، إذن، في ظل وضع مأساوي كهذا، تنتظر من هذا الأفق الشعري الكتابي أن يكون مُؤثِّرا في زمانه، فأنا أراه أفقا للمستقبل، كتابة سابقة لأوانها، ربما، وقارئها قادم لا محالة، وهذا ما يمكن أن تجده عربيا، عند رفعت سلام، وسليم بركات، وقاسم حداد، ومحمد السرغيني، مثلا. قليلون هم النقاد المغاربة والعرب الذي أدركوا قيمة مثل هذه الأعمال، ويعملون عليها بصبر وعمق، وهذا، في ذاته، مهم، لأن هؤلاء النقاد، هم من يُشْعِلون ضوءا في نهاية النفق، ويُكرِّسُون القيمة الشعرية الجديدة للكتابة، التي ما زال الكثيرون يخلطون بينها وبين «القصـــيدة»، وهذه معضـــلة من معضلات النقد الذي لا يُراجع مفاهيمة، في ضوء النصوص، ويعمل على وضع المفهوم فوق النص، أو يُسْقِطُه عليه من فوق، بما في ذلك مفاهيم كانت تصلح لزمن الرواد، واليوم هي عاجزة عن الاشتغال في الكتابة، أو في حداثة الكتابة. اقرأ جابر عصفور وصلاح فضل، مثلا، حين يكتبان عن الشعر، فهما مثالان لهذا التخلف النقدي والجمالي، في مقاربة الشعر، وكأن لا ماء جرى تحت الجسر.

■ بعد الإعلان عن نتائج جائزة المغرب للكتاب وفوز ديوانك «رفات جلجامش» بالجائزة الأولى في الشعر، لهذه السنة، نوه الكثير من الشعراء والنقاد العرب والمغاربة بهذا العمل الشعري وبأحقيته في الجائزة. فكيف تفاعلت مع هذه الردود؟
□ هذا ما جعلني أبتهج بهذا التتويج، لأنه لم يقتصر على المغاربة، بل حتى العرب كان لهم رأي في الموضوع لصالح العمل، ولصالحي كشاعر. فالشاعر العراقي صلاح نيازي، اعتبر «رفات جلجامش…» أهم عمل قرأه خلال السنوات العشر الأخيرة، والأمر نفسه يمكن قوله عن حاتم الصكر وعلي جعفر العلاق، وأنا أذكر هنا، أدباء من العراق فقط، عنوة، كون هؤلاء أحفاد جلجامش، ومنهم جاءتنا هذا الأسطورة العظيمة، وهم يعرفون ما يمكن أن يكون عليه «رفات جلجامش…»، قياسا بالأصل من جهة، وهم عارفون بالشعر، ولهم فيه ما يكفي من خبرة ودربة ومراس.

«المؤسسات التعليمية تكرس النمط وتفرض الذائقة» : صلاح بوسريف: الشعر ليس هو الوزن والنقد اليوم تكرار للسائد

أجرى الحوار محمد الديهاجي:

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية