المارشال في مصيدته

مشهدٌ فريد لا يوازي تفرده وجدته سوى ما يثيره من الجزع والنفور والخوف من المستقبل، هو مشهد النظام المصري في صراعه مع طاقم المحامين الذي اختصمه في قضية تيران وصنافير، فنحن أمام نظامٍ يستميت مقاتلاً بشراسة مستغلاً كل أدواته، القانونية وغير قانونية من حبسٍ وتنكيلٍ، لإثبات أن أرضاً تحت سيطرته، وخاض من أجلها حروباً إلى جانب صراعاتٍ في أروقة وغرف المفاوضات، أن تلك الأرض ليست له.
ليس ذلك فحسب، بل أخفى عمداً وثائق تثبت الحيازة والسيطرة التاريخية، وادعى على لسان رأس النظام أن تلك الوثائق لا وجود لها، وأنه بحث ومحص، فسأل أجهزةً سيادية (من بينها المخابرات) فلم يجدوا جميعاً أي دليلٍ. بيد أن الدهشة اللامتناهية لا تتوقف عند هذا الحد حين تتقافز تلك الأدلة واحداً تلو الآخر من هنا وهناك، من أرشيفات المكتبات المصرية قبل العالمية، والمكاتبات الرسمية بين الحكومة المصرية ونظيراتها (قبل استحداث المملكة العربية السعودية بالمناسبة) وفي دور الوثائق والمحفوظات حول العالم والأطالس، بل حتى الكتب المدرسية، خاصةً أن هذه الأدلة بحث عنها ووجدها أشخاصٌ معنيون، وطنيون غيورون بحق، لا يمكن أن تضاهي مجهوداتهم وقدراتهم ما لدولةٍ بمهنييها وأرشيف وثائقها، ما يثبت بذلك أنها ليست غائبة ولا عزيزة بل تم إخفاؤها عمداً.
السؤال هو: أين هو قاع التردي والانهيار الذي تتهاوى إليه الدولة المصرية؟ أو بالأحرى، هل هناك قاع سنصل إليه، ولو ارتطاماً، لنبدأ بعدها عملية صعودٍ وتحسنٍ مأمولة؟
مقالي السابق تناول أزمة النظام بصدد الموضوع نفسه، إلا أنني أجدني ملزماً بتناوله مرةً أخرى، عقب حكم المستشار أحمد الشاذلي برفض طعن الحكومة على الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري، ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تتنازل بموجبها مصر عن السيادة عن الجزيرتين، إذ أن عدة نقاطٍ أبرزها الحكم الأخير، التاريخي بكل المعايير والمقاييس، لا بد من تناولها.
أولاً، لا تخفى نية الحكومة والنظام، العناد والتصعيد، مبدئياً عن طريق محاولة التلاعب بنصوص القانون وتخريجاته، عن طريق بهلوانات القانون المتفيقهين فيه، لإثبات أن البرلمان من حقه تمرير الاتفاقية جاباً بذلك حكم المحكمة، وعجبي من حكومةٍ لا تنتهز فرصتين كاللتين منحتهما للتذرع والفرار من اتفاقيةٍ مهينةٍ رخيصةٍ كتلك إزاء ما لاقته من سخطٍ. لا شك لدي أن الحكم وعواقبه يزيد من تأزم موقف النظام وحرجه، فكلما زاد العناد زاد اللغط وعلا ضجيج الأصوات التي تلفت انتباه من كان غافلاً عن كم التفريط والأهمية الاستراتيجية الفائقة للجزيرتين، وأن طرفاً لن يفيد من الاتفاقية أكثر من إسرائيل ولن يخسر منها سوى مصر.
الأهم من هذا وذاك أن حكم المحكمة يزيد من عري النظام، فالمحامون ممثلون للشعب المصري وقوى ثورة يناير، ينازلون النظام ويكشفونه على أرضية «الوطنية» التي احتمى بها وأسقط على أساسها حكم الإخوان؛ هم بذلك يسحبون من تحت النظام والضباط ( أي الطغمة العسكرية) البساط فيبرزونهم، في تصميمهم على التنازل، مفرطين في الأرض مدلسين متآمرين على إخفاء الوثائق التي بحوزتهم، التي تثبت مصريتها والتي توصل لها مواطنون بمجهوداتٍ فردية، بل اعتقلوا المتظاهرين الوطنيين الذين دافعوا عن الحق في هذه الأرض، ولم يفرجوا عنهم إلا بكفالةٍ تربو على الأربعة ملايين، جمعت من تبرعات وطنيين مخلصين بحق. فالسؤال إذن أي بلدٍ ذاك الذي يحمي مصالحه هؤلاء الضباط؟ وأي دولةٍ تلك التي يمثلها نائب رئيس قضايا الدولة المستشار رفيق شريف؟ أراهم لم يحصلوا حتى الطغم العسكرية في جمهوريات الموز فهؤلاء حاربوا دفاعاً عن أراضيهم، ولعل مثال حرب الفوكلاند بين الأرجنتين وبريطانيا هي المثال الأقرب للذاكرة والأذهان.
في الحقيقة، إن كل ما يحدث الآن في مصر، على غرائبيته وعبثيته، يعد نتيجةً منطقيةً لخيارات السيسي والطبقة التي يمثلها، فقد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن البورجوازية المصرية الهزيلة ليست رثة فحسب، ولكنها أيضاً مفلسة تماماً ولم يعد في جعبتها أي حيل للخروج من مأزقها. لقد جاء الانقلاب ليعرقل وينقلب على حراك 25 يناير الثوري الذي أطلق عملية تحولٍ مجتمعيٍ وفكريٍ لم تنِ تزاد اتساعاً وعمقاً، جاء ليعيد عقارب الساعة إلى الوراء، محافظاً على مكتسباتٍ طبقية وموظفاً في سبيل ذلك عنفاً لا سقف له. لقد سارع في عملية التحول النيوليبرالي وفقاً للوصفة الشهيرة، متخلصاً من البقية الباقية الهزيلة من الضمانات الاجتماعية من دعمٍ وسواه، ثم أطلق سعر الصرف، باع نفسه والبلد لكل قوى الرجعية الإقليمية والعالمية ولم يختلف معها سوى في ما يمكن أن يكون له مردود مزلزل عليه، أي الشأن السوري حيث لا يقبل بفكرة «إسقاط نظام».
بيد أن كل ذلك لم يحل مشاكله الزمنة، قدم كل التنازلات والآلاف في السجون والأزمة تزيد وبدائل الثورة التي ذكرت في مقالٍ سابق من سطو وعنف تتسع، نقصٌ في الدواء، وقريباً نقص في الماء، فسد النهضة لم يتوقف العمل فيه، ولا يعني منع الحديث عنه أن آثاره الكارثية ستنقشع من تلقاء ذاتها.
لم يزل النظام والسيسي تحديداً يتخبطان، فالدائرة تضيق والمشروعية تضرب ضرباتٍ متكررة من محكمةٍ لأخرى، وصراعات الأجنحة في السلطة تزيد، وجشع الضباط رغم محاولات تحييدهم وإرضائهم على الأغلب سيتضاعف. من غير المرجح أن يغير السيسي اتجاهه، بل الأرجح أن يزداد الفقر والقمع والعنف.

القضاء
ليس ثمة شك في أن حكمي القضاء في قضية تيران وصنافير حتى الآن يستحقان كل الاحترام والإجلال، لكنني أحذر وأتحفظ من الاندفاع في الحماس للقضاء المصري الشامخ، ولن أنساق في كرمٍ فأصفه بأنه مستقلٌ وغير مسيس. القضاء في نهاية المطاف تعبيرٌ عن التركيبة الاجتماعية ومصلحة النخب الحاكمة في الأساس في حقبةٍ ما وتصورهم عن الحقوق والواجبات. قد يتبع في آلياته منطقاً داخلياً فيه شيءٌ من الاستقلالية، إلا أن ذلك لا يعني أنه محصنٌ من الفساد أو غير مسيس، خاصةً في ظل تركيبته الطبقية وما يشوبها من عائلية، حيث تجد أسراً بأكملها تعمل في سلك القضاء وعلاقاتهم المتشعبة وتداخلهم مع السلطة السياسية، ناهيك عن التخريب الممنهج للذمم والقوانين «التفصيل» طيلة العقود الماضية. لا يمنع ذلك أن يوجد قضاة محترمون هنا وهناك قد ينطقون بكلمة حق، لكن قصة الاستقلالية تلك أمرٌ آخر.

خالد علي ومالك عدلي وشركاؤهم

لا يكتمل الحديث دون إبداء أشد التقدير والتعبير عن الانبهار بالمحاميين وفريقهما وما نذروا من وقتٍ وأعصابٍ ومجهود في تلك المعركة الضروس، بما تمثله من تحدٍ للسلطة، قد يتسبب فيه من أذى لهم (ولا ننسى أن مالك عدلي سبق أن حبس بالفعل). لكنني هنا أود أن أضرب بهم مثلاً، ردا على كل من يقول إن مصر أجدبت وعدمت الكفاءات، فما أبدوه جميعاً من تفانٍ وحرفية وانضباط لأعظم مثالٍ على القدرات الكامنة، بوفرة، والمهدرة تحت أحذية الضباط الثقيلة.
ألا يصلح هؤلاء للعمل العام وتولي المناصب الوزارية والرئاسة؟ لقد قاموا بما كان ينبغي أن تقوم به دولة، وأثبتوا ما قلناه وكتبناه سابقاً بأن الواقع الثوري سيطرح نماذجه المشرقة وقياداته وحركييه وأن وعي الناس سيتطور في ثبات.
ختاماً لا أملك سوى أن أؤكد أن المارشال الذي وصفته من قبل بأنه في متاهته، لم يزل يتخبط، يحاول الخروج من أزمته بمعرفة شحيحة متشبثاً بانحيازاتٍ هي التي تسببت في الأساس في أزمته، استعاض بالأمن عن السياسية وبالتسول عن التنمية. وكل ذلك فاقم أزمته فها هو المارشال الآن في مصيدته الزلقة، كلما تحرك حوصر وكبل أكثر. قد يعتقل المزيد ويصفي المزيد من «الإرهابيين»، إلا أن أياً من ذلك لن يحل تلك الأزمة ولن يغير المآلات المؤلمة والمهينة.
كاتب مصري

المارشال في مصيدته

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية