الماريشال في متاهته

فترةٌ ليست بالقصيرة مرت عليّ وأنا أجتر موضوع هذا المقال، خاصةً عنوانه، وليس ذلك من منطلق التندر والسخرية من رتبة المشير التي أغدقها على نفسه الرئيس السيسي، بدون خوض أي حربٍ تذكر (أو لا تذكر في حقيقة الأمر).
فالوضع والمرحلة بلغا من الدقة والخطورة التي تؤذن بكارثةٍ لا مثيل لها ولا سابقة في تاريخ مصر، مبلغاً لم يعد يحتمل الهزل؛ أصل الحكاية ما تضحكش، كما شدا الشيخ إمام، رحمه الله، بكلمات نجيب سرور المرحوم هو الآخر.
لا ليست السخرية، على الرغم من كون الواقع وتصرفات الحكومة وتصريحات مسؤوليها حافلٌ بها، واقعٌ يستمد سماته من عالم الغرائبية والواقعية السحرية الأكثر تجذراً في البؤس والعنف والدم في تاريخ مصر الحديث.
تحدياتٌ وجودية تتهدد مصر والمصريين على رأسها، سد النهضة وأزمةٌ اقتصاديةٌ طاحنة نتاج عقودٍ من سياساتٍ نيوليبرالية مسعورة جرفت البلد والمجتمع، خالقةً طبقةً ضيقة من الحيتان، فاحشة الثراء وسط محيطٍ من المفقرين، مراكمةً عوامل الانفجار والانهيار. كل ذلك في ظل أزمةٍ سياسية ازدادت تعقيداً وشراسةً وسط مؤشراتٍ بأن الأطر التي تمكن النظام بها من السيطرة عليها، وعلى رأسها تنامي العنف المنظم والموسع والممنهج لم تعد قادرة على التعامل معها واحتوائها، ناهيك عن فهمها والتنبؤ بها.
لقد دخل الماريشال مسرح الأحداث في لحظةٍ حرجة تبدى فيها، لدهشة الجميع، افتقار جماعة الإخوان المسلمين لكوادر قادرة على الاضطلاع بمهمة إدارة بلدٍ كبير ذي مشاكل متضخمة ومتراكمة كمصر، بالإضافة إلى ما تبدى من سلوكهم آنذاك من إقصاءٍ وتعالٍ على سائر القوى السياسية. ليس لديّ أدنى شك في كون الدولة العميقة، لعبت دوراً محورياً في إسقاطهم بما افتُعل من أزماتٍ، إلا أن اللافت أن تخبطهم في التعامل مع سد النهضة، وما سوف تشكله أزمة نقص المياه من خطرٍ وجوديٍ على مصر، والاجتماع العجيب المعلن لمناقشة الموضوع قد لعب دوراً رئيساً هو الآخر في هز الثقة فيهم. دخل الماريشال على المشهد في أبهةٍ مسرحية، على دبابة، دخول الفاتحين، يزهو في بذلته العسكرية بنياشينها البراقة، لاعباً دور المنقذ والمخلص، تجلل هامته أكاليل الاستدعاء الشعبي لإنقاذ البلاد، أو هكذا قيل، لا تتوقف للتفكير ولا تسل عن حملة التمهيد الإعلامي العميمة المُصِمَّة، التي سبقت دخوله كالطبول والأبواق في أفلام هوليوود الملحمية من عينة فيلم «الوصايا العشر»، ولا يخلو الأمر من رؤيا هنا للسادات الذي سلمه السيف وحلمٍ هناك بساعة «أوميجا» لزوم البهارات التي تستسيغها الذائقية الأسطورية في بلداننا، وفق تصورهم بالطبع، أترك نفسك لبريق الصورة وللأغاني الحماسية (على رداءة أغلبها وذوقها الفني الهابط) ولجو الأمجاد المستعادة بإسقاطات أشباح كل الأبطال المخَّلصين، وعلى رأسهم عبد الناصر، الذي بعث من جديد، ألم تتواتر الحكايات عن تقديرٍ خاص يكنه السيسي للزعيم الخالد؟!
بيد أن الواقع موحل، لا أمجاد فيه، مجيء الماريشال في حقيقة الأمر لا يعدو كونه تأكيداً لإحباط تلك الجولة في ثورةٍ مغدورة، والأهم من ذلك فهو تعبيرٌ، بليغ وموجز في حقيقة الأمر، عن الأزمة؛ أزمة واقعٍ يحفل بكل التناقضات الاجتماعية التي يُفترض ويُتوقع أن تقود إلى ثورة، وقد ساقت إليها بالفعل، إلا أنها سقطت منهكةً ومأزومةً في
منتصف الطريق قبل أن تصل إلى غاياتها، في أحابيل شبكة تلك الثنائية المتمثلة في النظام بأدوات قوته وعنفه المنظمة من جيشٍ وشرطة والقوى الإسلامية التي اختزل النظام فيها شكل الحياة السياسية طيلة ما يزيد على ثلاثة عقودٍ، نافيا ومجرفا ومخصياً كل البدائل الأخرى، وعلى رأسها القوى اليسارية، وسط لامبالاة السواد الأعم من الجمهور، نتيجة تقلباتٍ سياسية واجتماعية واقتصادية، لا يتسع المجال هنا لتناولها.
لكنه مذ تولى أو استولى، اختر أيهما شئت، وهو ما يني يؤكد تلك الأزمة الخانقة التي يعاني منها النظام، وتترنح محتضرةً تحت وطأتها الطبقة الحاكمة؛ فهم لم يفهموا أبداً العوامل الموضوعية التي فجرت هذه الثورة، أطلقوا أكذوبة المؤامرة وروجوا لها في إعلامهم، وكانوا أول مصدقيها، كما أنهم لا يفهمون طبيعة المشاكل التي يتعاملون معها، وبالتالي كيفية تناولها وإيجاد حلولٍ لها.
في آخر خطبةٍ، له أكد الماريشال كل مآخذي وهواجسي ومخاوفي. تحدث غاضباً ممتلئاً بنفسه مهدداً، تحدث طويلاً وارتجل كثيراً، وفي ارتجاله أتاح لنا أن نرى في عقله المفاهيم المكونة لتفكيره ورؤيته وفهمه لدوره ولمصر وللعالم الذي تقع فيه، بالإضافة إلى التأكد مرةً أخرى عبر سماعه، من فقره اللغوي وضعف مقدرته على التعبير، اللذين يعكسان ضحالته الثقافية. اللافت أنه أكد أكثر من مرة أنه محاسبٌ أمام الله، بل تنبأ بما سيقوله الله للبعض في يوم الحساب، وأنه يتعين سؤاله والاستماع إليه فقط، وعلى الآخرين أن يصمتوا، في حين أنني حسبته، نظرياً على الأقل، محاسباً أمام الشعب ممثلاً في نوابه؛ وأن كنت لا أرى في استدعائه لحسابه أمام الديان يوم الحساب (كما كان المرحوم السادات يستشهد بالموتى) وفي إسكات كل من لا يتحدث بما يحب، أي مطبلاً للماريشال المخلص معدداً إنجازاته ممجداً له مسبحاً بحمده، إلا حلاً تاماً لأي عملية سياسية حقيقية باعتباره لغواً وضجيجاً معرقلاً لمسيرة التشييد التي خاض فيها بالتفاصـــيل المملة، متصوراً أن مشروعيته تستند إليها: مشروعية الإنجازات.
مرةً أخرى يثبت الماريشال والطبقة التي يمثلها والنظام، أن الصورة الحقيقية للأزمة المتفجرة والصراع لم تصلهم، وأنه ليس لديه سوى ذلك الاستدعاء البائس الباهت المشوه للنموذج الناصري لمصادرة المجال العام، ومن ثم حله استناداً لمشروعية تُبني على الإنجازات الكبيرة، ولعله هنا لا يدرك التضارب البين بين نموذجه ونموذج الزعيم الراحل، ولم يفهم التاريخ القريب، فناهيك عن كون عبد الناصر قاد تغييراً ولم يسقط في حجره بالصدفة، فإنه ضرب طبقة الإقطاعيين، وسعى لدعم القطاعات الأفقر الشعبية، في حين أن الماريشال مازال مستمراً في الانحيازات الاقتصادية نفسها، متمادياً في رفع الدعم عن تلك الطبقات نفسها في ظروفٍ أبشع وأقبح. أضف إلى ذلك أن الكثير من تلك المشاريع أثبت مسار الأحداث، إما كونها متسرعة شحيحة الجدوى، إن لم تكن منعدمتها وقد عادت بالضرر لاستهلاكها رصيد العملة الصعبة، وأنه وهو الأخطر، حين يتحدث عن خططه لمواجهة العجز المائي في سني ملء الخزان وراء سد النهضة، فإن ذلك بمثابة اعتراف ضمني بالفشل في المفاوضات مع إثيوبيا، تماماً.
ما من يومٍ يمر إلا ويتأكد أن الطبقة التي تمخضت فأتت بالماريشال وأبرزته للواجهة طبقة محتضرة ومفلسة. قام عليها حراكٌ ثوري فلم تفهم، وها هو الماريشال يواجه مشاكل متراكمة لا يفهمها ولا قبل له بمواجهتها، لأنه ببساطة غير مؤهلٍ لذلك، فثقافته نتاج مزيج من التراتبية الهرمية العسكرية، دينها الأمر والطاعة وسقط متاع الأفكار الرائجة، في مجتمعٍ إبان عقود الانحلال والتردي الفكريين، التي تختلط فيها مواريث التسليم والتواكل والغيبيات منعدمة الأسانيد بتسفيه وتجريم العمل السياسي والاختلاف، مما تم إشاعته عبر كل وسائل الإعلام والمنابر. هو جزءٌ أصيلٌ من الأزمة وليس حلاً لها، وكل ما لديه «داوها بالتي كانت هي الداء»، أي التمادي في تجريف سنابل الحياة السياسية التي بدأت في التفتح في يناير مادةً الجسور مع تقاليد الحركة السياسية المصرية قبل سنوات الركود والمزيد من القمع والعنف ومصادرة الحريات.
كما أن المشكلة تزداد تعقيداً، فهناك مؤشرات لفتورٍ متنامٍ تجاهه لدى داعميه الإقليميين، فقد تبينوا أن مصر ثقبٌ أسود، قادرٌ على ابتلاع المليارات بدون نتائج، وحديث الماريشال عن استعداده لبيع نفسه الذي قد يكون شعوراً طيباً محموداً في جلسات المقاهي، إلا أنه في عالم السياسة لا يبعث على الاحترام ناهيك عن الثقة. ما من يومٍ يمر إلا وتحاصر الماريشال المزيد من المشاكل، التي لا يدرك أنه يغذيها بسياساته التي لا تعدو كونها استمراراً وامتداداً أكثر شراسةٍ لسلفه، فيزداد يأساً من الواقع وغضباً وعصاباً وعنفاً ومزيداً من الاعتماد على أهل الثقة من محيطه العسكري. تماماً كفأر محبوسٍ في متاهة، يركض في كل الاتجاهات ولا تجابهه سوى الحيطان تحبطه وتغضبه وتكسر أحلامه بالفرار والخلاص.
ما أرى الماريشال سوى متمادياً في التخبط في تعرجات متاهاته، منغرساً أكثر فأكثر في مستنقع الواقع، فلا حلول جذرية لديه وهو ليس لها، والوضع لن ينصلح بغيرها. سيستمر حتى النهاية، يركض ويزداد حيرةً وغضباً ويأساً وعنفاً، فيركض لتصدمه الجدران نفسها التي لفظته من قبل وهو يحسبها جديدة، حتى النهاية الكارثية التي لم يعد يبدو بالإمكان تفاديها.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية