لا بمكن التنبؤ باتجاه الازمة التي نشبت بين السويد والمملكة العربية السعودية مؤخرا، فهل انها بداية لاعادة رسم العلاقات الاوروبية ـ الخليجية وفق معايير جديدة تضع حقوق الانسان في سلم اولوياتها؟ ام سيتجه الطرفان للتهدئة وتجاوز ما حدث؟ الامر المؤكد ان تصريحات وزيرة خارجية السويد، مارغو والستروم، بان بلادها لن تجدد الاتفاقية العسكرية التي وقعت بين البلدين قبل عشرة اعوام كانت هزة عنيفة لوضع راكد وربما محاولة لتحريك وضع راهن مرتبط بالتطرف ورعاية الارهاب.
وكانت الوزيرة السويدية قد نشرت تغريدة على حسابها في «تويتر» وصفت فيها جلد المدون السعودي، رائف بدوي، بانه «محاولة وحشية لإسكات الاشكال الحديثة للتعبير».
الازمة اندلعت بعد ان عارضت السعودية القاء وزيرة الخارجية السويدية كلمة امام وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم بجامعة الدول العربية في الاسبوع الاول من آذار/مارس. وكانت والستروم تلقت دعوة لالقاء الكلمة بقصد تطوير التعاون وتعزيز الديمقراطية وحقوق الانسان والتعاون الاقتصادي بين الجامعة والسويد. الازمة قد تكون عابرة، وقد تتحول إلى سجال فكري ثقافي سياسي بين بعض دول الاتحاد الاوروبي وبعض دول مجلس التعاون الخليجي. كما قد تلقي بظلالها في الاجتماع السنوي بين الطرفين الذي يعقد في شهر يونيو/ حزيران لمناقشة تطوير سبل التعاون السياسي والاقتصادي.
وتجدر الاشارة إلى ان من بين البنود التي ينص عليها مشروع الاتفاقية الحرة بين الطرفين دعوة لاحترام حقوق الانسان. وكان الاوروبيون يصرون على ذلك البند الذي عرقل توقيع الاتفاقية المذكورة اكثر من عشرين عاما. كان الاوروبيون آنذاك أكثر التزاما بمبادىء حقوق الانسان التي فرضت نفسها على الساحة الدولية، قبل ان تتراجع بعض دول الاتحاد عنها كشرط لتطوير العلاقات مع الدول التي تنتهكها. وقد عرفت الدول الاسكندنافية بالتزامها بقضايا حقوق الانسان، اكثر من الدول الاخرى خصوصا بريطانيا وفرنسا، التي تراجع التزامهما بتلك المبادىء كثيرا. وبرغم وجود البرلمان الاوروبي الذي يعتبر اكثر تحررا من البرلمانات المحلية في مواقفه وسياساته ازاء قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان، الا ان قدرته على إلزام الدول بمقرراته ومواقفه محدودة. ويمكن القول ان ألمانيا هي الاقدر على لعب دور اكبر في السياسات الدولية. وقد اثبتت مبادرتها، بدعم فرنسي، بالتوسط للتوصل إلى هدنة في اوكرانيا قدرة سياسية بارعة.
الموقف السويدي لا يعبر بالضرورة عن جميع دول الاتحاد الاوروبي، خصوصا ان بريطانيا وفرنسا متأرجحتان في مواقفهما ازاء قضايا حقوق الانسان في الدول الصديقة، ولا ترغبان في اثارة القضية بالطريقة التي مارستها وزيرة خارجية السويد. ومنذ سنوات تسعى بريطانيا، بذريعة مكافحة الارهاب، للانسحاب من المعاهدة الاوروبية لحقوق الانسان، وتنزع لرفض احكام محكمة حقوق الانسان الاوروبية. هذا الموقف البريطاني بدأ يقلق قطاعا واسعا من السياسيين والمفكرين والنشطاء البريطانيين، لأن التراجع عما يعتبر واحدا من اكبر الانجازات الانسانية بعد الحرب العالمية الثانية سيكرس ثقافة جديدة تبرر تقليص الحريات العامة وتبرر الاعتداء على الخصوصية الفردية. وتتعرض بريطانيا في ظل حكم حزب المحافظين لانتقادات شديدة بسبب سياستها ازاء اوضاع حقوق الانسان في البحرين، وتقديم الدعم السياسي وعلى صعيد العلاقات العامة للمنامة، وعدم التعاون مع المنظمات الحقوقية التي تطالبها بمراجعة سياستها ازاء ذلك. وهناك ازمة مؤجلة في العلاقات بين بريطانيا وكل من مصر والسعودية بسبب نتائج التقصي الذي قامت به الحكومة البريطانية حول نشاط جماعة الاخوان المسلمين في بريطانيا. جاء هذا التقصي قبل عامين بضغوط مصرية ـ خليجية بعد الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي على الرئيس الاخواني المنتخب، محمد مرسي. وقد تأجل اصدار التقرير مرارا بسبب الخشية من ردور فعل خليجية ومصرية لأن نتائجه، وفق ما رشح من تسريبات اعلامية وامنية، تبرىء ساحة الاخوان مما ينسب لهم من عنف، سواء على صعيد الفكر او الممارسة. وقد قررت حكومة كاميرون تأجيل اصدار التقرير إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في الثامن من أيار/مايو المقبل. وسيكون على الحكومة الجديدة اعادة النظر في سياساتها ومواقفها ازاء قضايا حقوق الانسان، واعادة البعد الاخلاقي لسياستها الخارجية. فالمساومة على تلك الحقوق قد يحقق فوائد اقتصادية على المدى القصير، ولكنه سيؤدي إلى حتمية المواجهة لاحقا مع الانظمة التي تمتهن تلك الحقوق.
الاتحاد الاوروبي يعتبر من اهم ما تحقق في اوروبا في العقود الستة الاخيرة، فقد كان دولا متنازعة خاضت حربين كبريين في المائة عام الاخيرة، راح ضحيتهما اكثر من خمسين مليون انسان. اليوم تعيش اوروبا اوضاعا مختلفة بعد ان اتفق زعماؤها على مبادىء جامعة مقبولة من كافة انظمتها. بل ان سقوط الاتحاد السوفياتي ضاعف عدد الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد. وربما لم يكن الكثيرون يحلمون بان اوروبا ستستطيع ان توسع تجربة «المجموعة الاقتصادية الاوروبية» التي قامت بين بعض دولها في السبعينات لتصل إلى ما هي عليه اليوم من تحالف استراتيجي يشمل التنسيق الاقتصادي والسياسي بين اكثر من 25 دولة. ويمكن القول ان منظومة حقوق الانسان في شكلها الحالي لم تكن لتتطور لولا حماس الدول الاوروبية التي كانت تتطلع لعالم يرفض انتهاك حقوق الانسان الطبيعية، عن طريق تقنين تلك الحقوق اولا، ثم وضع ضمانات لعدم انتهاكها. وفي غمرة الحماس للمنظومة الحقوقية عقدت قمة فيينا لحقوق الانسان في 1993 لجعل تلك الحقوق قضية تتجاوز الحدود الجغرافية، وتسمح للدول بالتدخل لحماية تلك الحقوق اذا تعرضت للانتهاك في اي بلد. وتوافقت دول العالم لاحقا على اعتبار التنكيل بنشطاء حقوق الانسان جريمة. ولكن الواضح ان تكرس ثقافة حقوق الانسان وتصاعد الاهتمام الدولي بها ادى لاضطراب في العلاقات بين الدول المتحمسة لها وتلك التي تنتهكها. وليس معلوما بعد ما اذا كان تغيير آليات الامم المتحدة التي تتعاطى مع ذلك الملف قبل عشرة اعوام يهدف لتطوير دور الامم المتحدة في المجال الحقوقي ام اضعاف للدور الذي كانت هيئة حقوق الانسان التابعة لها تمارسه آنذاك. فقد استبدلت بمجلس حقوق الانسان الذي يعقد دورته الثامنة والعشرين حاليا في جنيف، بحضور مكثف من ممثلي الدول والمنظمات غير الحكومية. وليس معلوما بعد مدى فاعلية المشروع الحقوقي في الضغط على الانظمة القمعية للكف عن الانتهاكات التي تتواصل برغم صدور قرارات ومواقف سواء عن مجلس حقوق الانسان مباشرة او عن مفوضية حقوق الانسان والمقررين الخاصين. فالمجلس اصبح، هو الآخر، عرضة لتأثير المال النفطي والمواقف السياسية. وفي لقاء خاص مع رئيسة المجلس السابقة قالت ان السياسة تلعب دورا في سياسات المجلس وقراراته ومواقفه، وان بعثات الدول ذات المال النفطي الكبير قادرة على تحييد دور المجلس ازاء الانتهاكات التي تمارس في دولها، بتكوين التحالفات وشراء المواقف. وهنا تطرح تساؤلات حول مدى فاعلية الآليات الدولية في محاصرة انتهاك حقوق الانسان. بل ان الوقائع تشير إلى ان مواقف الدول الغربية لها اثر مباشر على مدى فاعلية الآليات الدولية، سواء الامم المتحدة ام مجلس حقوق الانسان ام المحكمة الجنائية الدولية.
لذلك يعتبر الموقف السويدي مؤشرا مهما لمدى القدرة على تحريك ملفات حقوق الانسان في الدول الاكثر انتهاكا لها. وحتى الآن تبدو السعودية اقدر على صد الهجمات المضادة بسبب قدرتها السياسية على الضغط وتشكيل تحالفات تحول دول تبلور مواقف دولية فاعلة لترويج الديمقراطية وحقوق الانسان. الموقف السويدي وحده لا يكفي لاحداث التغيير المنشود، ولكنه خطوة اولى على ذلك الطريق. فلو ان السويد تحركت علنا للمطالبة بالافراج عن احد مواطنيها المحكومين بالسجن المؤبد في البحرين، ولو ان الدنمارك اتخذت موقفا مماثلا وطالبت باطلاق سراح الناشط الحقوقي المعروف، عبد الهادي الخواجة، الذي يحمل هو الآخر جواز سفر دنماركيا، لربما استطاعتا فرض تغيير ايجابي محدود لصالح منظومة حقوق الانسان. ولو تعامل الغربيون بحياد ازاء قضايا التحول الديمقراطي والنماء الحقوقي لربما تراجعت حدة الاستقطابات السياسية والايديولوجية والدينية والمذهبية. ولكن لأن قادة «العالم الحر» تخلوا عمليا عن ترويج منظومتهم السياسية والحقوقية، فقد تجرأت انظمة عديدة على ممارسة الانتهاكات ورفض التحول الديمقراطي. وها هي «اسرائيل» تسير باتجاه معاكس للرغبة الدولية، فتعيد انتخاب بنيامين نتنياهو الرافض لمبدأ الدولة الفلسطينية والمعروف بتشدده وممارساته غير الانسانية مع الفلسطينيين، خصوصا في غزة. الاتحاد الاوروبي يستطيع القيام بدور ايجابي في الشرق الاوسط بعد ان فشل التحالف الانكلو ـ امريكي بشكل جذري في حلحلة امور المنطقة، سواء في الملف الفلسطيني ام الحقوقي ام التحول الديمقراطي ام في الحرب ضد الارهاب. لقد تذرع الاوروبيون بان المنطقة تقع ضمن دائرة نفوذ تحالف لندن مع واشنطن، فتم تجميد الدور الاوروبي. ولذلك يمكن اعتبار الموقف السويدي خطوة مهمة على طريق استعادة اوروبا دورها في ترويج مبادىء حقوق الانسان وتشجيع التحول الديمقراطي ورفض الاحتلال والتدخل، أيا كان شكلهما، بعيدا عن الاعتبارات الاقتصادية والسياسية. فقد ساهمت تلك الاعتبارات في افشال مشاريع التحالف الانكلو ـ امريكي كالحرب ضد الارهاب ودعم «الاستقرار» على حساس التطوير الديمقراطي وحرية تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. هذه ليست دعوة لاوروبا للتدخل في شؤون المنطقة، بل تنبيه بضرورة دعم قضايا شعوب المنطقة خصوصا في مجالات حقوق الانسان والتحول الديمقراطي والتحرر من الاحتلال، وتكريس مبدأ حق تقرير المصير. ولينطلق ذلك باصرار الجانب الاوروبي على تفعيل البنود المتعلقة بحقوق الانسان بشكل عملي، على طاولة الحوار الخليجي الاوروبي المقبل، والوقوف مع السويد لوقف مشاريع التسليح والتصدي بجد لانتهاكات حقوق الانسان.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي