المتحف ورسالة «داعش»

26 فبراير/شباط يوم اسود مرَ على العراقيين بعد أن بث تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) شريطا مصورا يظهر مجموعة من أفراده وهم يقومون بتدمير محتويات متحف مدينة نينوى، الذي يعد المتحف الثاني من ناحية أهمية محتوياته بعد المتحف العراقي المركزي في بغداد.
ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد تذكر العراقيون مأساة ما حصل للمتحف العراقي عام 2003، ابان الغزو الامريكي من تدمير ونهب، وسنحاول هنا أن نقرأ الرسائل التي يوجهها «داعش» من خلال بث هذا التسجيل.
في البدء يجب أن نعرف أن العملية الاعلامية للتنظيم لا تقدم على أي بث عشوائيا، حيث أن هناك هدفا ورسالة يجب أن تصل للمتلقي. وقد توزعت ردود الافعال لدى المتلقين العراقيين وغير العراقيين، بين الحزن والانفعال والبكاء على التراث الإنساني الذي يتم تدميره على يد مجموعة همجية متطرفة، وبين من يقرأ الامر على أنه مؤامرة اقليمية ودولية تحركها عدة أطراف لتفريغ العراق من ثرائه الحضاري المادي أو البشري.
وهنا يجب أن نشير إلى أن التنظيم سيطر على مدينة الموصل منذ اكثر من ثمانية اشهر (يونيو/حزيران 2014) وابتدأ بتفجير عدد من المساجد والمراقد المقدسة، ربما كان اهمها مرقد وجامع النبي يونس، الذي يزيد عمره على مئات السنين، والذي تم نسفه في شهر يوليو/تموز من العام الماضي، أي بعد شهر من سيطرة التنـــظيم على المديـــنة، بعد شهر من احتلال الموصل ســـقط سيناريو (ثوار العشائر) الذي روج له البعض، واصفا ما حصل في الموصل وعدد من محافظات العراق على انه تحرير من قبضة الجيش العراقي الذي يحتل هذه المدن. بعد مرور شهر واحد ابتدأ «داعش» حملة تفجير الجوامع والحسينيات والمراقد والكنائس، كل ذلك كان يظهر عبر أشرطة مصورة بطريقة بدائية تسجل لحظة التفجير فقط، بينما ومن جانب آخر نجد أن الاشرطة التي تصور عمليات قتل الرهائن كانت عادة عالية الدقة، فيها احترافية عالية في التصوير والمونتاج والاخراج، مع رسائل صوتية يقدمها مقنع من افراد التنظيم يتكلم الانكليزية بطلاقة المواطن الانكليزي وبدون اي لكنة، لماذا اذن هذا الفرق؟
لأن الرسالة الأولى رسالة التفجير موجهة إلى الداخل العراقي والعربي، وهي ستحقق نتائجها عبر هذا الفيديو (البيتي) إن جاز التعبير، بينما افلام القتل موجهة إلى المشاهد الغربي وقنوات التلفزة العالمية التي ستتلقف الخبر والفيلم عالي الجودة وتضعه خبرا أول في نشرتها، مثيرة الرعب والتقزز في الغرب من الموجة الهمجية الاسلامية التي يرفع شعارها التنظيم المتطرف في الشرق، ويرعب كل انسان غربي ويشعره بأن دوره قد يحين في اي لحظة.
نعود لكارثة ما حصل في متحف نينوى ونطرح سؤالا؛ أن هذه (الاصنام) كما يدعي الشريط المصور الذي بثه تنظيم «الدولة الاسلامية» كانت موجودة أمامهم منذ ثمانية أشهر، ولم يمسسها أحد، وابتدأت عمليات التفجير منذ سبعة اشهر وطالت الرموز الدينية الاسلامية والمسيحية، إذن لماذا الان يتم تكسير، وهنا يجب أن نضع اكثر من خط تحت كلمة تكسير، موجودات المتحف، فاذا كانت الغاية المعلنة هي تدمير الأصنام وما تمثله من رموز شرك، كما يدعي الشخص الذي ظهر في الشريط المصور الاخير، اذن لماذا لم يتم تفجير المتحف كما حصل مع الجوامع والكنائس؟ نقول لأن الصورة الرسالة هنا هي؛ أشخاص بلحى طويلة يمسكون معاول بدائية يكسرون آثارا حضارية، في إشارة واضحة إلى شكل من السلوك البدائي الهمجي للاسلام، يسقطون التمثال الآشوري ليتناثر شظايا فتعتصر الحسرة قلوب العراقيين.
لقد بات من المعروف والمسلم به أن احد المصادر الاساسية لتمويل تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) هو بيع الاثار المسروقة من سوريا والعراق، التي تهرب عبر طريق بات معروفا ايضا من سوريا عبر لبنان أو تركيا لتصب في اسواق تجارة تهريب الاثار في اوروبا واسرائيل، نعم اسرائيل التي شهدت رواجا للاثار المسروقة منذ 2003 ولحد الان. وفي عدد من التقارير التي تابعت الموضوع نكتشف أن «داعش» يسيطر على عشرات المواقع الأثــرية، ومن المعلوم أن المواقع الاثرية اكــثر اهمية من المتاحف، لان ما موجود في المتاحف عادة يكون مسجـــلا ويحمل رقمـــا تعريفيا ووصفا دقيقا يمكن للشرطة الدولية أو اي جهة امنية أن تتبــــعه في اي مكان في العالم وتعيده، لكن المواقع الأثرية تغص بالقطع التي لم تسجل أو تتم ارشــفتها بعــــد، وبالتالي فهــــي المادة الاساسية التي يتاجر بها «داعش» لتحصــل على مئات الملايين من الدولارات لتمـــويل عملياتها عبر مافيات متصلــة ببعـــض، مافيا تهـــريب النفط ومافيا تهــريب الآثار ومافيا سوق السلاح ومافيا الاتجار بالبشر.
الشريط المصور الاخير، ايضا لم يكن بجودة عالية، صور بكاميرا هواة، يبدأ بلوحة تعريفية تحمل كلمة (الحسبة) في (ولاية الموصل) في اشارة إلى الجهة المنوط بها تطبيق الشريعة الاسلامية في المدينة، ثم يظهر المتحدث والمكسرون من دون أن يغطوا وجوههم، لان الرسالة موجهة للعراقيين وفيها تحد واضح، يتم تكسير عدد من التماثيل (يدعي محافظ نينوى السابق اثيل النجيفي انها نسخ مقلدة وليست اصلية)، ويذكر المتحدث الداعشي في الفيلم بالنص، أن هذه رموز كفر كانت تعبد في ارض الاسلام. والدين الحنيف يأمرنا بطمسها وتدميرها حتى لو كانت تساوي مليارات الدولارات، هنا جزء الرسالة الثاني والاهم، الفيلم الذي تمت مشاركته عند عشرات الالاف من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي مع رسالة أو تعليق تقول (اتمنى لو انهم باعوها) أو تسربت إلى دول العالم ليحافظوا عليها في متاحف باريس أو لندن أو برلين أو نيويورك، لان هؤلاء الناس اقدر منا على حفظ تراثنا الإنساني، اما نحن فهمج بدليل هذه الاشكال الشعثة المنبعثة من زوايا التاريخ الاكثر ظلاما، التي تريد تدمير الحضارة الانسانية.
هذا الفيلم سبقه احراق مكتبة المخطوطات في الموصل التي تحوي الاف المخطوطات التاريخية النادرة لكن هذا الامر ورغم الخسارة الانسانية الفادحة من حرق أو سرقة هذه النوادر لم يصور ولم يثر سوى ردود فعل بسيطة في العالم، اما تكسير الاثار فقد قال عنها مدير متحف نينوى السابق والموجود حاليا في بغداد أن المتحف لا يحوي الا ست قطع اصلية لم تظهر في مشاهد التكسير منها سوى قطعتين، ليضع المشاهد العراقي في حيص بيص، هل يصدق أن ما تكسر هو نسخ مقلدة وان اصولها محفوظة في مكان آمن، أم أن التصريحات تحاول أن تخفف من الفاجعة بعض الشيء، وفي كلا الحالتين نقول إن رسالة «داعش» اصابت مرماها في صميم قاتل وأدمت القلوب وأبكت المقل.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية