المتخيل النصي في ديوان «الفروسية» للمغربي أحمد المجاطي

لا جدال، في كون القصيدة المغربية المعاصرة، تخلقت من رحم سلالة شعرية ضاربة في إبداعية تسترفد وجودها من عمق التجارب الإنسانية في الوجود، والوعي بالكتابة الإبداعية المعبرة عن تصور قمين بالتأمل والمصاحبة، قراءة متفحصة تروم الكشف عما تختزنه الأعمال، التي استطاعت تحقيق ديمومة شعرية متأصلة، ومتجذرة في تربة النص الشعري الباذخ، والطافح بالجدة والطراوة في كتابة شعرية تفتح جغرافيات في الإبداع خليقة بالخوض في مسالكها الصعبة والمغرية.
وهذا يدل على كون الإبداع المنبثق من رؤية واضحة وعميقة في التصور يستحق الحياة قراءة ونقدا. ولعل التجربة الشعرية للشاعر أحمد المجاطي لا تخرج عن هذا السياق، نظرا لما تحبل به من طاقة إبداعية خلاقة، وسمت القصيدة المغربية بالتوهج والإشراق، سواء على المستوى الشكلي أو التيماتي، بل إن تجربته هذه مفعمة بديمومة إبداعية ممتدة في شرايين النص الشعري المغربي، هذا الأخير الذي اجترح مسارات تجديدية مع التجارب الشعرية الجديدة، هذه الديمومة في الإبداع الشعري ناجمة، عن كون المجاطي من الشعراء المجددين في القصيدة المغربية، وبما تتميز به كتاباته الشعرية من تجَلٍّ إبداعي ينغمس في الهم الجمعي، ليس بالمعنى السطحي، ولكن بدلالته الحدسية، أي أن التجربة الشعرية لا تنفك من التعبير عن القضايا التي يعايشها، ويتعايش معها الشاعر، بأسلوبية شعرية تجمع بين الوعي المستبصر للواقع، والحس الباطني للذات، في تماسها مع الوجود تماسا تفاعليا، يفضي إلى عوالم تتوحد فيها التجربة بالوعي بالعالم، والخلق المنبثق من حرارة الموقف الشعري، الذي تتخذه الذات الكاتبة من الذات والوجود. فهذا الوعي المدرِكُ للتفكك الوجودي، أثناء العملية الإبداعية، هو ما يفرض على الذات تشغيل كل الحواس لإعادة تشكيل الوجود، عبر لغة شعرية تقول كينونتها، ضمن هذا التشكيل المتخلق من العتمات المتوارية في الكوامن المبطنة والمقيمة في اللاوعي الباطني. ومن ثم فالإبداع يقوم بعملية تحويل هذا اللا وعي الباطني إلى عالم الإحساس عن طريق الإدراك البصيري (من البصيرة)، من خلال اللغة، وهذا ماهو حاصل في هذه التجربة الشعرية لدى أحمد المجاطي، ذلك أن التجربة الشعرية لديه منبعها هذا التكامل العميق بين ما يربط الذات بالهاجس الإبداعي، والانشغال بالواقع في أبعاده المختلفة سياسيا واجتماعيا وثقافيا. إلا أن هذا الأمر زاد من حرارة التجربة، وشحنها بدلالات متعددة، ومنفتحة على تأويلات قرائية، تزيدها استمرارا ووجودا في الذاكرة الشعرية المغربية .
ولا غرو، في كون التجربة الشعرية لأحمد المجاطي، تجربة تنطلق من الكلمة الصغيرة المتجددة والطافحة بالحياة الأبدية، والمنغمسة في الاحتراق السرمدي، بجمرة الكتابة الشعرية المتقدة بأسئلة وجودية وتاريخية، هي كلمة منقوشة بمهماز القلق والتوتر، ومسكوبة معاني ودلالات تحفل بالظلال، وتحفز الذات على القول الشعري المسكون بالهم الجمعي، لذلك يمقت الشاعر الكلمة المادحة، بل يجنح إلى القصيدة التي ترتاد مملكة الصمت، ليس استسلاما بل للتأمل والغوص العميق في الحياة يقول:
(الكلمة الصغيرة
تقال أو تخط
فوق الماء
أمقتها كلمة
قيلت لغير المدح والهجاء) ص13و14
فالخلفية الإبداعية، التي تمثل منطلق العملية الإبداعية عند الشاعر، تكمن في الانتصار للشعر المعبر عن الهموم المجتمعية، في تواشج مع الانشغال الذاتي بالبحث عن الكينونة، الشعر النابض بالباطن والمنفتح على الظاهر/ الواقع، وهنا مكمن شعرية تجربة المجاطي، فهو من الشعراء المؤمنين بالدور الفعال، والمهم للإبداع في التحول الحضاري والتاريخي والمعرفي، ومن ثم فهو يختار المسافة التي تفصل ما بين الواقع كنص اجتماعي/اقتصادي /سياسي/ ثقافي لاحياة فيه، والإبداع كروح تحول هذه اللا حياة إلى حياة مشعة بالخلق والتوهج إبداعيا، وفي هذا توسم بشعراء تمكنوا من صياغة الواقع صياغة شعرية، كلوركا وناظم حكمت، نيرودا و محمود درويش وغيرهم. وهنا يتجسد الموقف الشعري للمجاطي من الشعر الذي لا يستطيع نقل الواقع إلى المتخيل النصي نقلا جماليا وفنيا مشحونا بإبداعية عميقة تخلق صوتها الشعري الصادح بنشيد سري يسري في إيقاعية تشهد على شرود الأحلام في الخطوات دلالة على التيه، الذي تتسربل به رؤية الشاعر والضياع، الذي يعم العالم المحيط بكينونة مطوقة بالعتمات والخيبات لكن الأمل متوهج في التمرد أي الخروج من الحالة الانتظارية إلى الحالة البعثية، عبر التلاحم بالثورة برهانا على الولادة والاستمرارية يقول:
(أنا بالثورة عانقت السماء
أنا نبع الله
في قلبي ارتوى
ذوبت نهر الدم
في قطرة ماء) ص19
فوجود الذات، نابع من هذا التحول، حيث تتحرر من أغلال العتمات لتعانق الحرية، وتحل في الذات الإلهية دليلا على الرغبة الجامحة للسمو عن كل ماهو مبتذل، وعلى هم الذات في الانتصار على الشللية والعدمية، إن هذا التصور للكتابة الشعرية، نابع من العمق الرؤياوي للشاعر أحمد المجاطي، الذي جسد الواقع ببلاغة شعرية منسوجة في صور تشكيلية بديعة بلغة الحلم والخلد والرؤيا يقول:
(كذبت يا رؤيا
طريق الصمت لا يفضي
لغير المقبرة
رأيتهم مروا بلا عمائم
تفرقوا في الدرب
أطفأوا سيوفهم
تفردوا على ظهور الخيل
صاروا كالضباب الجون) ص20
هكذا تتخلق مواقف الرفض لواقع منذور للصمت، والعاجز عن القيام بالفعل، عبر منوالية تعبيرية خارقة للمألوف في النصية الشعرية العربية، وصانعة لوجودها الإبداعي المتسم بالجدة والتخطي، فهذه المصوغات الشعرية الدالة على الابتداع، فالسيوف مطفأة والضياع سيد الحال، والخيول متجردة من صولات الفرسان، أي أن الرؤية العدمية هي المستشرية في ظاهر التجربة المجاطية، وبالتالي هي المتحكمة، ذلك أن البنية الانهزامية تشكل اللسان الناطق بمسار التجربة ، والبرهان على ذلك ضياع الكينونة في متاهات الموت والعدم ،يقول:
(على المحيط يستريح الثلج
والسكوت
تسمّر الموج على الرمال
والريح زورق
بلا رجال) ص23
فالواقع تعري حقيقته هذه المسحة التشاؤمية على الرؤية، فالموت هازئ من الحياة، وسارق لشعلة الأمل في التغيير، أي تغيير الكائن لمعانقة الممكن، غير أن هذه الرؤية سرعان ما تفقد الهيمنة، من خلال ما تثويه التجربة من تصور حافل بالحياة والتحول يقول:
(يا سارق الشعلة
إن الصخب في السكون
فاقطف زهور النور
عبر الظلمة الحرون
فانزل معي للبحر
تحت الموج والحجارة
لابد أن شعلة
تغوص في القرارة) ص25
فالوعي والإدراك بحتمية الانبعاث مستبطَن في الرؤيا الشعرية لدى الشاعر، الذي يصاول النجوم بعد أن دب الأسى في مكبس القرس، وذلك بوساطة الحلم كمنقذ من هذا الواقع المنهزم. لذلك تبقى الرؤى مبحرة في أسئلة مقيدة بقيد الحس الجمعي، وحرقة الذات بجمرة الخلق والإبداع. هذه الرؤيا التي تشع بأفق شعري، تخلق نصية شعرية تكشف عن تشظي الذات، في عالم زاخر بالمفارقات؛ مما يزيد الذات توترا وانفعالا نتيجة الوعي المأساوي، الذي يتولد عن الإحساس بالعبث المستشري في واقع عربي مشلول، حيث يغيب الفعل ويحضر الاستسلام يقول الشاعر:
(رأيتك تدفنين الريح
تحت عرائش العتمه
وتلتحفين صمتك
تصبين القبور
فتظمأ الأحقاب
و يظمأ كل ما عتّقت
من سحب و أكواب
ظمئنا
والردى فيك
فأين نموت يا عمه) ص47
هكذا، فالذات الشاعرة تقف، شاهدة على هذا الموت، والتيه المعبرين عن سيادة اللا فعل، ودليل على كون الرؤيا الشعرية حليفة الخيبات، فالشللية صفة نابعة من الوعي المأساوي، ومعبرة عن موقف الذات من العالم، وهو موقف أُسُّهُ الخلفيات المعرفية والثقافية التي تمثل مرجعا، عبره تتشكل الرؤيا الشعرية. ولعل الذي أضفى على التجربة الشعرية للمجاطي، هو هذه الحوارية التي يقيمها مع النص التراثي بشكل عميق يبرز قدرة الشاعر على تثوير النص الشعري، من خلال، هذا الامتصاص الفاعل والمتفاعل مع الموروث الديني و التاريخي والثقافي كمقوم من مقومات أصالة و حداثة التجربة يقول:
(منتظرا مازلت أرقب العصا
تفسخ جلد الحية الرقطاء
ألقيتها على الثرى فلمتفض
أخشابها باللحم والدماء)
وفي هذا القول الشعري حوارية عميقة مع النص القرآني، الذي يبين ثقافة الشاعر الدينية، بل يؤكد على حقيقة الكيفية التي يتمثل بها ذلك، ويتعلق الأمر بمعجزة موسى عليه السلام أمام فرعون وسحرته. والمتن الشعري حافل بهذا الاشتغال، إذ نجد التناص مع النص الشعري العربي القديم في قوله:
(والسجون تملأ الرحب بين الرباط وصنعاء)
إحالة ضمنية لبيت المعري الذي يقول فيه:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب/ فأين القبور من عهد
إن التجربة الشعرية للشاعر أحمد المجاطي تجربة تكشف عن عمق المتخيل الشعري الذي تخلقت من رحمه الرؤيا الشعرية الموسومة بالخلق والتجديد، والتي فتحت الباب لقصيدة مغربية تؤثث المشهد الشعري العربي.

أحمد المجاطي، ديوان «الفروسية» ط 2، شركة النشر والتوزيع-المدارس، الدار البيضاء، س2001.

شاعر وناقد مغربي

صالح لبريني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية