المتصوفة والتراث الموسيقي العربي

حجم الخط
3

 

إذا حاولنا أن نبحث عن هوية الذين كانوا وراء الحفاظ على الموسيقى في كل زمان، ومكان فسنجد أن للمتصوفة على العموم دوراً بارزاً في الموضوع. وقد تساءلت لماذا كان موقف بعض الفقهاء مناهضاً للموسيقى؟ وسرعان ما كنت أجد السرّ الذي يكمن وراء موقف هؤلاء وأولئك من هذا الأمر. فإن حاسة الفقيه تختلف تماماً عن حاسة المتصوف، فالأول مشدود بحكم وصفه إلى ظواهر النصوص لا يتعداها، بينما نجد أن للثاني ارتباطاً آخر بمفاهيم بعيدة العمق تختصر طريقه إلى الأهداف التي تتقصدها تلك النصوص. ولعل من الطريف أن نقف قليلاً أمام حالة من تلك الأحوال التي يتجلى فيها الفرق بين لغة الفقهاء ولغة المتصوفة. كل الناس كما نعلم، وعلى رأسهم الفقهاء، يشيدون بالشخص الذي تكون علاقاته الاجتماعية مع الآخرين على ما يرام، لكن بعض أقطاب الصوفية كان يرى في ذلك مشغلة عن الله. لنتمعن النظر في توسل أحد أقطابهم، وهو الشيخ سيدي عبد السلام بن مشيش، دفين جبل العلم، قبيلة بن عروس (إقليم تطوان): «اللهم إن قوماً سألوك أن تسخّر لهم خلقك فسخرت لهم خلقك فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك اعوجاج الخلق عليّ حتى لا يكون ملجأي إلا إليك»!
إنه عالم آخر يرى ما لا نرى وربما كان محقاً فيما كان يرى، فإن تهذيب النفس وصفاء الروح هدف أسمى من أهداف الشرع.
وإن المرء ليشعر بمتعة فكرية زائدة وهو يسمع عن صراع بين قوم يريدون أن يوصدوا أمامك الوصول إلى الله إلا عن طريق الباب الذي يقفون عند مصراعه، وبين قوم يرون أن الله يسمو عن أن يكون له بوّاب!
لقد كان المعارضون للموسيقى يبحثون عن كل إشارة بل ويصنعون أحياناً الإفادات التي يعتقدون أنها مدعاة للنفرة من الطرب والمطربين، وكلنا يعلم عن طويس مغني المدينة الذي جعلوا من الفترات البارزة في حياته مصادفات كئيبة ليبرزوا شؤمه أو بالأحرى شؤم الغناء والمغنين، فهو ولد يوم توفي رسول الله (ص) وفُطم يوم توفي أبو بكر، وخُتن يوم قُتل عمر، وتزوج يوم اغتيل عثمان، وأنجب يوم صُرع علي… أفلا تشكّون بعد هذا في المثل السائر: أشأم من طويس؟
ودعونا بعد هذا لندلل أكثر على المعروف الذي أسدته تلك الفئات الصوفية التي كانت ترى في تلك المجالس الموسيقية ملاذاً يحميها من فواجع الظلم وهواجس القلق ونواهش العلل. إن تلك المجالس كفيلة بأن تشد الإنسان إلى التأمل والانقطاع عن هذه الدنيا الزاخرة بشتى الأوصاب والأتعاب. لقد كانت قوى الظلم أخذت تنتقص البلاد من أطرافها، وعوض عن أن ينصرف الحكام إلى مقاومة المتسللين عمدوا إلى توجيه الطعنات بعضهم لبعض، وسطوا بعضهم على البعض الآخر فانقلبت الحقائق واختلط الأمر على أصحاب الرقائق والدقائق. وفيما اعتمد الإنسان على أخيه الإنسان، اكتشف ذاك في هذا حيواناً رهيباً يتربص المناسبة للزحف، ويتحين الفرصة للضرب من الأمام والخلف، تلك كانت بداية التفكير في الانقطاع والانصراف. لقد كان هناك مبرر للبحث عن دنيا جديدة، عن مقامات نظيفة، عن طريق تتعهد المرء بالتخلية والتصفية أولاً، ثم بالتحلية والتزكية ثانياً. ومن هنا كانت «الزاوية»، ومن هناك أيضاً كان «الشيخ» و«المقدم» وكان التوسل والدعاء، وكان السماع والغناء كوسيلة للتحليق في سماء تختلف في صفائها عن تلوث الأرض. ومن ثم طرب القوم ورقصوا، حتى إذا ما استرجعت النفس شفاءها، انطلقت من عقالها نحو سلوك أنقى وأبقى وأتقى. لقد وجدوا في أصول الوتر ودلالات النغم ومعاني الكلم وصفات طبية لمن يشعر بتخثر في الدم، وعسر في الهضم، واختلال في الغدد، وتموّت للأنسجة!
ولقد عرفنا في ديار المغرب عدداً من الزوايا، فيها الدرقاوية والعيساوية والتهامية إلى آخر اللائحة الطويلة التي اهتمت بنشأة هذه الزوايا ومدارسها وما تفرع عنها من جداول.
وقد كانت سائر هذه الخلايا مؤسسة في البداية بدافع من رغبة الانطلاق نحو المعرفة الحقيقية للكون، على ما أسلفناه.
وقد كان أصحابها يتنافسون على ترديد كل ذكر يؤدي أكثر لما له يطمحون، وما إليه يتوقون، في جانب الله، وفي جانب رسول الله، وفي جانب أولياء الله كذلك. وكان لا بد لهذه الأذكار من قالب يحفظها ويستوعبها، ولم يكن هذا القالب غير الوزن الموسيقي، ومن ثمة شاهدنا معظم الطرق الصوفية تتخذ لها مجالس، سمها كما تشاء مجالس، ذكر أو تأمل أو راحة. إنها مجالس على كل حال، وقد كان من هذه المجالس ما يقتصر على السماع الموزون لكن فيها ما كان يتحول إلى الاستعانة بأدوات أخرى أكثر رقة وألذّ نغمة. كلا الفريقين المسمعين والآليين كان يؤدي واجبه نحو هذا التراث. وهكذا وجدنا أن الطرق الصوفية كانت في صدر العوامل الأساسية التي جعلت المواطن العادي في المغرب ينتبه إلى هذا اللون من ألوان الحياة. ولنستمع إلى الشيخ البطاوري يردد في معرض مدخله إلى الحديث عن الموسيقى: «إن النفوس البشرية ليست من هذا العالم الكثيف الكدر المظلم، بل هي من عالم النور والصفاء والبهجة الذي رُسمت فيه صور الموجودات بأسرها وأمثلتها على ما هي عليه في نفس الأمر كما تُرسم صور المرئيات في المرآة الصقيلة، فلو فرضنا أن نفس شخص تهذبت وزكت وزالت عنها ظلمات الطبيعة السفلية وكثافتها، لظهر فيها كل شيء على ما هو عليه ظهوراً روحانياً لا جسمانياً، وهو الكشف الذي يحصل للأولياء رضوان الله عليهم، ومن جملة تلك الموجودات تلك الأنغام والألحان». وهذه دقائق أدى إليها البحث، يقول البطاوري.
وبعد، فهل ستقوم اليوم المعاهد المتخصصة بنفس الدور الذي كانت تقوم به الطرق الصوفية بالأمس؟ وهل أن تلك المعاهد ستعمل كما عمل المولعون من ذي قبل، على إعطاء نفس جديد لهذا التراث الجميل؟ وهل أن هناك بوادر ظهور زرياب جديد يجعل من هذا التراث مادة حية في كل مدينة، وفي كل مدرسة، وفي كل ناد؟
إني أسعر بإشفاق بالغ وزائد على تراثنا الموسيقي على العموم، وهكذا فبالرغم مما يتراءى من إقبال عليه من جانب من شبابنا، وبالرغم مما نشهده بين الفينة والأخرى من اهتزاز مشاعر الناس له واهتبالهم برجاله. إلا أن كل ذلك لا يبرر تفاؤلنا في المستقبل، فإن الإقبال التلقائي، وإن الاهتزاز المؤقت للمشاعر، كل ذلك لا يعفي من المسؤولية الثقيلة التي تقع على كواهلنا إزاء مصير هذا التراث الجميل.
مجلة «المناهل»، العدد 13، كانون الأول (ديسمبر) 1978

فقيه التراث المغاربي

كان العلامة المغربي عبد الهادي التازي (1921 ـ 2015) كاتباً ومؤرخاً وسفيراً وسياسياً، ولكن صفة «الفقيه» كانت الأحبّ إلى نفسه؛ إذْ ظلّ يذكّر بأنّ تكوينه الأول، في مدينة فاس، وفي جامعة القرويين حسب نظامها القديم، ارتكز على الفقه المقارن، وبخاصة المذهب المالكي. لكن إغواءات كثيرة ـ الكتابة، والتاريخ، والتنقيب في بواطن الترث المحلي في المغرب، ثمّ المغرب العربي عموماً؛ وعشق اللغة العربية وآدابها، وفنون البلاغة والتبحر في التراث؛ فضلاً عن الولع بالفنون الشعبية، وخاصة الموسيقى… ـ دفعته إلى الابتعاد عن الفقه، ليس مهنة فقط، بل دراسة وتأليفاً أيضاً.
ومن كلية الآداب في الرباط، إلى معهد اللغات في بغداد، مروراً بجامعة الإسكندرية؛ أحرز التازي شهادات متعددة؛ وتولى مناصب متباينة ومتنوعة، من سفارة بلده في العراق وليبيا وإيران والإمارات العربية، إلى إدارة المعهد الجامعي للبحث العلمي وأكاديمية المملكة المغربية واتحاد كتّاب المغرب؛ بالإضافة إلى عضوية مجمعات علمية عربية وأجنبية عديدة.
بين أبرز أعماله: «تفسير سورة النور»، «آداب لامية العرب»، «أعراس فاس»، «جولة في تاريخ المغرب الدبلوماسي»، «تاريخ العلاقات المغربية الأمريكية»، «جامع القرويين»، «قصر البديع بمراكش»، «في ظلال العقيدة»، «صقلية في مذكرات السفير ابن عثمان»، «رسائل مخزنية»، «العلاقات المغربية الإيرانـــــية»، «القنص بالصقر بين المشرق والمغرب»، «أوقاف المغاربة في القدس»، «الرموز السرية في المراسلات المغربية عبر التاريخ»، «الإمام إدريس مؤسس الدولة المغربية»، «المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي».

المتصوفة والتراث الموسيقي العربي

نص: عبد الهادي التازي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية