رام الله – «القدس العربي»: قد تبدو قضية القدس المحتلة، قضية عادية ضمن الحل السياسي الذي قد يصل إليه الإسرائيليون والفلسطينيون في يوم ما، ذلك أن القدس محتلة رسمياً في العام 1967، وباعتراف دولي، لكن الوضع على الأرض مغاير تماماً لما هو معلوم أو معترف به، فالمعركة الحقيقية للفلسطينيين هي القدس، وفي القدس، ولا شيء إلا مدينة القدس.
ومنذ احتلال القدس في العام 1967، قامت إسرائيل بسرقة مفتاح باب المغاربة المؤدي إلى المسجد الأقصى، والحجة الرئيسية لذلك أن من يملك مفتاحاً بكل تأكيد يملك حصة في هذا المكان، وهو ما تسعى إليه إسرائيل جاهدة وبشتى الطرق.
معركة القدس بدأت بالاستيطان في مختلف أرجاء المدينة، ومصادرة الأراضي التي لا تتوقف، حتى أن إسرائيل وضعت خطة باسم «القدس 2020» والتي سترفع عدد المستوطنين في القدس بموجبها إلى أرقام كبيرة، فيما وصلت الذروة قبل أيام، باستيلاء المستوطنين المتطرفين، على عمارات سكنية مكونة من 24 شقة سكنية، في حي سلوان القريب من المسجد الأقصى، بحجة ملكيتهم لها، وهو ما أثار ضجة كبيرة حول الموضوع.
فيما لا تزال إسرائيل تمعن في عنجهيتها ضاربة بذلك عرض الحائط القوانين الدولية وقوانين حقوق الإنسان، من خلال الاستمرار في البناء الاستيطاني وطرح العطاءات والمناقصات، والمصادقة على بناء وحدات سكنية في مستوطنات القدس، والتي كان آخرها مصادقة لجنة التخطيط والبناء في بلدية الاحتلال في المدينة، على بناء 2600 وحدة استيطانية على أراضي بلدة بيت صفافا الملاصقة للقدس، والتي أطلق عليها الاحتلال اسم «جفعات همتوس، وحاليًا ستبدأ مرحلة نيل الموافقات والتراخيص، وبعدها أعمال البناء. ثم تطورت قضية القدس إلى المقدسات فيها، من منع المسيحيين من الوصول إلى كنيسة القيامة، إلا في وقت الأعياد وبعدد قليل من التصاريح، ومحاربة المسلمين ومحاولة تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، بحجة أنه «الهيكل المزعوم» ولليهود الحق في امتلاك أجزاء منه، حيث يقوم المستوطنون باقتحام شبه يومي للمسجد الأقصى المبارك في ساعات الصباح وحتى الظهيرة، فيما يمنع المسلمون من دخوله، كما حدث سابقاً ويحدث الآن في الحرم الإبراهيمي الشريف.
كثرة هذه الاقتحامات بموافقة الحكومة الإسرائيلية، وحراسة شرطة الاحتلال وقواتها الخاصة، واجهت موجة استنكارات واسعة النطاق، ودفعت الرئيس الفلسطيني محمود عباس للقول أن هذه الانتهاكات للمقدسات في مدينة القدس المحتلة، لن تمر مرور الكرام، أو بدون عقاب، فيما اعتبرت حكومة التوافق اقتحام المسجد الأقصى وسقوط إصابات في صفوف المصلين واعتقال وإبعاد عدد منهم، وإلحاق أضرار بالجامع القبلي، وتأمين دخول العديد من المستوطنين لأداء شعائر تلمودية في المسجد، يأتي في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة لفرض الأمر الواقع على المقدسات بقوة السلاح، وتقسيم المسجد الأقصى من الناحية الزمانية والمكانية.
الرئاسة والحكومة الفلسطينية، كلاهما حمّل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن انتهاكاتها بحق المقدسيين والمقدسات المسيحية والإسلامية وسياساتها التهويدية بحق المدينة، وأن إسرائيل تتحمل تداعيات ذلك على الصعيد الفلسطيني والإقليمي، على اعتبار أن إسرائيل تقوم من خلال انتهاكات لحرمة المقدسات وحرمان الفلسطينيين من حقهم في الوصول إلى أماكن العبادة بخرق كافة القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، وعلى المجتمع الدولي إلزام إسرائيل بوقف انتهاكاتها بحق المقدسات والتراجع عن مخططاتها التهويدية التي من شأنها تأجيج الصراع في المنطقة بأكملها.
فيما اعتبر محمد دحلان، أن ما يجري في القدس، يأتي في إطار مخطط وسيناريو إسرائيلي معد سلفا، يهدف الى تفتيت وتقسيم القدس الشريف للقضاء على قلب القدس الشرقية، بل للقضاء على قلب فلسطين، تمهيداً للسيطرة الأبدية على درة الكفاح الوطني الفلسطيني، وكل ذلك يحدث في ظل صمت رسمي، وفي معمعة مشاغلة الناس بأزمات مفتعلة وأحداث مضخمة.
لكن التهديد الفلسطيني، أو التنديد، لا يجدي نفعاً، ولا يكفي على الإطلاق، فهو لن يغير شيئاً في الواقع الذي تحاول إسرائيل فرضه بقوة السلاح، وبطش المستوطنين المتطرفين، الذي نجحت في وضعهم في مقدمة هذه المعركة، حتى أن حكومة الاحتلال تنساق لهم ولطلباتهم الدائمة بمصادرة الأراضي والاستيطان، واقتحام المسجد الأقصى المبارك.
المؤسف في الأمر أن السلطة الفلسطينية لا تمتلك خطة استراتيجية فيما يتعلق بالقدس، والدعم الذي يذهب للقدس ولدعم صمود المقدسيين في كافة نواحي الحياة قليل جداً، وبالتالي ما يحدث في القدس يقع على كاهل أهلها وحدهم، وليس سواهم، وهو ما يصعب الأمر أكثر، كون أهل القدس يتعرضون أصلاً للكثير من المضايقات، وفرض الضرائب الباهظة عليهم، وبالكاد يستيطعون احتمال صعوبة الحياة في ظل الاحتلال.
ما يحدث في القدس الآن، يعيد إلى الذاكرة «انتفاضة الأقصى» وهي التي انطلقت بعيد اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أريئيل شارون، وها هو نتنياهو يبدو أنه يعيد الكرّة، وإن لم يدخل المسجد الأقصى شخصياً، فالأسلوب مختلف والهدف واحد، وواضح تماماً، ولم يبق الكثير لهبة جديدة من أجل المسجد الأقصى.
قضية المسجد الأقصى، وقضية القدس برمتها، توجب على السلطة الفلسطينية اتباع أساليب أكثر تأثيراً على الأرض، بالنسبة لدعم أهل القدس وصمودهم، وبالنسبة للتأثير على صناع القرار في مختلف دول العالم، للضغط على إسرائيل لوقف ما تقوم به تجاه المدينة المقدسة وأهلها، وهذا الأمر يجب أن يتم سريعاً قبل أن لا تُبقي إسرائيل شيئاً في القدس للحديث عنه.
أما الشارع الفلسطيني، فيبدو أنه ينتظر «الشعرة التي ستقسم ظهر البعير» ذلك أنه وحدها ما تبقى، لتفجير الوضع، وقلب الطاولة على رأس حكومة الاحتلال اليمينية، ومستوطنيها المتطرفين، الذي يمارسون كافة أنواع «الإرهاب» ضد القدس ومقدساتها وأهلها، ومحاربة السلطة الفلسطينية فيها بشتى الطرق، كما لا يستجيبون للنداءات الأردنية ولا حتى الدولية التي تصدر ضد الاستيطان في المدينة المقدسة، وضد التضييق على المسلمين والمسيحيين في ممارسة طقوس عباداتهم بحرية.
فادي أبو سعدى