المتوالية السردية: نزوع فني أم تنويع أدبي؟

حجم الخط
2

اعتادت أدبيات الشعرية الأرسطية القول بنقاء النوع الأدبي، وانشغلت بتطورية النوع، ابتداءً من قصص الرومانس وصولا إلى الرواية، التي ظهرت عقب أشكال حكائية كانت قد انحدرت منها، ومنها شكل novella التي ظهرت في إيطاليا في القرن الرابع عشر، وكانت تعني حكاية قصيرة مثل حكايات ديكامرون، ثم شاعت كلمة نوفل Novel في إنكلترا في القرن السابع عشر.
وقد سعى النقد الجديد إلى دحض نظرية الأنواع الأدبية، والقول ألا نقاء في الفنون الأدبية، ما دام التداخل حاصلا في ما بينها إجناسيا، وهو ما تمثل بشكل بيّن في نظرية الحدس عند كروتشه، وتممه في ما بعد جيرار جينيت في كتابه «مدخل لجامع النص» متأملا الطروحات الأرسطية للأنواع، موجها لها وجهة بنيوية.
وكانت لنورثروب فراي نظرية فنية ترى الأنواع تتوالد دوريا كالفصول، فالربيع ملهاة والصيف رومانس والخريف مأساة والشتاء هجاء وسخرية. وفراي هو الذي أضاف إلى الرواية والرومانس نوعين من التخييل النثري، هما الاعتراف أو السيرة الذاتية، وبأسلوبه التشريحي استطاع توكيد ألا بقاء لنقاء نوعي أدبي وأن رؤية العالم قد لا تترشح بلغة نموذج فكري واحد.
وتوسعت طروحات التداخل والاندماج والتعالق، لتتعدى الأجناس الأدبية إلى العلوم بفروعها المعرفية المتباينة والمختلفة، وصار القول بالاتساع والشمول حوارًا وتفاعلًا، هو العمود الفقري لطروحات ما بعد الحداثة. ولعل أهم ملمح نظري في هذا المجال ما طرأ على النظريات المتعلقة بالقصة، من انتقال من تخصصية الفن الواحد ممثلا بالرواية إلى عمومية الفن ممثلا بالسرد.
هكذا صرنا نتكلم عن سارد ومسرود ومسرود له، بدلا من الحديث عن راو ومروي ومروى له، وحلت الإجناسية السردية محل الأنواع القصصية، وهذا ما جعل بعض النقاد الغربيين يتساءلون: هل توجد رواية؟
ولعل إبدالية الروي والقص والحكي بالسرد قد ظهرت مع باختين الذي أولى الكرنوتوبية أو الزمكانية دورًا محوريًا، بوصفها من أشكال الزمان المحتملة التي تتيح للصدفة والقدر أن يكونا بديلا عن السببية والمنطقية اللتين يسير الخطاب السردي الواقعي التقليدي بموجبهما.
وذهب النقد الأمريكي منذ عام 1970 إلى الاعتراف بصفة العالمية والتوسط بين فروع المعارف، ومن ذلك علاقة السرد بفلسفة التاريخ وأخذ النقاد الأمريكيون على عواتقهم البحث في التاريخ بوصفه شكلًا من أشكال السرد قبل أن يثير ذلك الأمر اهتمام البنيويين.
وكان أن شاعت في فرنسا والأمريكتين في خمسينيات القرن الماضي مقولة موت الرواية الواقعية، الأمر الذي أسهم في إعلاء شأن التخييل فظهرت في فرنسا الرواية الجديدة على يد ألان روب غرييه وكلود سيمون وميشيل بوتور، بينما ظهرت في أمريكا الشمالية في ستينيات القرن الماضي رواية التخريف fabulatio وفي أمريكا الجنوبية رواية ما وراء التخييل.
واستندت نظريات السرد في إثبات أحقية التسريد على حساب الروي إلى صعوبة تعريف الرواية أصلا، بسبب الوضعية غير الاعتيادية للرواية التي تولدت عنها قوالب متطورة أكثر تعقيدا. ولا تريد نظريات السرد أن تكتشف ماهية الرواية، ولكنها تحاول أن تكتشف كيف تعمل الرواية بوصفها أسلوبا للتواصل في ظروف تاريخية وثقافية خاصة.
وإذا كان النقد الأرسطي يرى فعل الحكي المطابق للواقع فعلا أخلاقيا؛ فإن في النقد الجديد ما بعد الأرسطي أصبح من المعتاد للسرد أن يمتلئ بالاحتمالات والصدف، وفي الوقت نفسه يظل محافظا على قوانين الشعرية.
وكذلك أتاحت نظرية الأجناس مديات واسعة من التنظير أمام النقاد، فواين بوث مثلا، قدّم نظرية في السرد تتمحور حول مصطلحات المؤلف الضمني والسارد والشخصيات والقارئ، في كتابه «بلاغة التخييل» منتقلا من نقد الرواية إلى نقد السرد، موليا القارئ اهتماما خاصا، مؤمنا أن له موقعه في التلقي السردي.
وباستبدال السبيية بالمصادفة صار التغيير والتداخل محتملا في مختلف السرديات، رواية كانت أم قصة قصيرة أم أقصوصة أم سيرة ذاتية، ولقد حددت نظريات النقد الحديثة طرائق السرد في ثلاث مجموعات، الأولى هي طريقة السرد كمتوالية من الأحداث، والثانية طريقة السرد بوصفها خطابا ينتجه السارد، والثالثة طريقة السرد بوصفها نتاجا اصطناعيا ينظِّمه قراؤه ويمنحنونه معنى.
وما يعنينا هنا هو المجموعة الأولى، التي فيها تغدو المتوالية تقانة فنية تشتغل على بنية المسرود، مداومة على سلسلة أحداث يتم التباين في ترتيبها، كأن تتوالى في كل قصة بشكل مختلف عن الأخرى. وهذا ما ينتج عنه العقد والتحبيك، وقد يُساء فهم هذا الاشتغال فيتصور أن المتوالية نوع أدبي نقي قائم بنفسه، اتكاء على نظرية الأنواع الأدبية التي فندتها نظرية الأجناس وأثبتت بطلان فرضيتها. وكانت الناقدة باربرا هيرتشتاين سميث قد وقفت على فحوى المتوالية السردية في دراستها لقصة سندريللا، ووجدت أن ما ينتج عنها من فئات من الحكايات إنما هو بمثابة تنويعات لتلك القصة؛ متوصلة إلى أن البحث عن أصول بنية العقدة في المتوالية يقترب من دراسة الأساطير ويختلف عن دراسة العقدة نفسها.
وهذا ما يذكرنا بمورفولوجيا الحكاية الخرافية لفلاديمير بروب ونظريته الشكلانية في معالجة الحكاية الروسية العجيبة التي طورها تلامذته من بعده، مصنفين الحكايات تصنيفات متنوعة، بناء على طبيعة موضوعها.
وتابع والاس مارتن الناقدة هيرتشتاين في اعتبار العقدة واحدة في بنية المتوالية بوصفها حكاية، في كتابه «نظريات السرد الحديثة» مؤكدا «أن أوضح عنصر في الحكاية يمكن أن يكون أساسا لأي عدد في التصنيفات، هو الشخصيات أو الفاعلون».
ورأى أن ما قدمه بروب من نتائج حول العقدة كانت له آثار بعيدة المدى على دراسة اللغة والأدب، تتمثل في تعيين الوظيفة والمحيط، أي العلاقات بين العناصر، بدلا من العناصر نفسها بوصفها وحدات أساسية في السرد.
ومثاله على ما تقدم هو الفعل (ضحك) الذي من الممكن أن نجعله في صور مختلفة تبعا للمكان الذي توضع فيه العقدة، لتكون النتيجة قصة مختلفة بيد أن العقدة هي نفسها في القصص المختلفة، بمعنى أن إدراج الأحداث وتتاليها يجيء بشكل لا يتكرر وقد يتجسد من خلال حذف بعض مقوماتها، الأمر الذي سيغير الوظيفة السردية التي كان بروب قد حددها بثلاثين وظيفة في النظام نفسه. وهذا ما ذهب إليه كامبل وراجلان وكلود بريمون وجريماس، فالقصة مثل الجملة كلتاهما عبارة عن بنية، يقول مارتن: «ونحن نعرف عادة اكتمال قصة من عدم اكتمالها على أساس تجربتنا السابقة. ولو استخدم لغوي طرق بروب فسيصنف الجمل إلى مجموعات يبدو أنها متشابهة ثم يبحث عن تعاقب أجزاء الكلام في كل مجموعة».
وقد شبهت نظريات السرد الحديثة بناء المتوالية السردية بالبنية الشجرية لتغدو العقدة بنية ذات وحدات فرعية، فيها يتم التوالي المادي للكلمات.
وتقوم التنويعات في المتوالية السردية ذات البنية الشجرية على تشعب الأحداث في صورتين:
ـ الصورة الأولى تقليدية إذ تتقارب السلاسل في شبه تعاقب خطي عند بروب، حيث تتقدم الكثير من المسرودات على المستوى السطحي موازية لخطوط متواليات الفعل.
ـ الصورة الثانية تعاقبية إذ يتلاحق الحدث ويتواتر بتوال في أجزاء مختلفة من الحكاية. وهذا هو الذي يحول التوالي إلى تعاقب ويعد ليفي شتراوس صاحب هذا الطرح.
وكلما كان السرد أكثر واقعية كان أشد التصاقا بالبناء التعاقبي، الذي تباركه الأدبيات الاجتماعية، وبما يجعل المتوالية السردية أسلوبا بنائيا تتم وفقه صناعة العقدة من مجموعة أحداث، مع مراعاة البنى الفوقية المتنوعة والمتولدة من مجموعة أصغر من البنى التحتية التي تحقق سلسلة قصصية توصف بأنها عبارة عن توال زماني بطرق مختلفة. وإذا كانت المتوالية السردية عبارة عن تحبيك أحداث وتقنين أبنية؛ فإن هذا التوصيف الذي قدمه كل من بروب وشتراوس سيكون فرضية من فرضيات المتوالية السردية.
أما الفرضية الأخرى فهي تلك التي يطرحها والاس مارتن وتقوم على دعائم، كان قد أرساها النقد الأرسطي من زاوية أن للتعاقب الزماني والرابطة السببية حلقات وصل هي ضرورية في المتواليات السردية، ولكنها ليست كافية لشرح أي عقدة يرجح أن تثبت أنها ممتعة. وهو ما يحاول التحليل البنيوي للسرد أن يظهر صدقه، فالمتوالية أحداث ذات بنى تحتية كثيرة، لكن الذي يربطها ببنية فوقية واحدة هو الزمان والسببية.
وينقل مارتن عن جريماس، في معرض حديثه عن التكثيفات الزمانية، كيف أن المنطق المزدوج في السرد بمتوالية فعل سماها بروب (المحنة) ستتحقق من خلال ثلاث خطوات هي: 1) مواجهة 2) انتصار 3) انتقال شيء ما.
وباعتبار هذه المتوالية سلسلة سببية، فإن المراحل الثلاث ستكون في كل الأحوال محتملة، حتى إذا قرئت من النهاية إلى البداية، فإنها ستشكل سلسلة منطقية.
وطبق مارتن رؤاه هذه على متوالية سردية عنوانها (غبطة) لكاترين مانسفيلد، ووجد أن طرق الساردين في تصوير خيط الحكاية هي التي تجعلها تبدو كالحكاية الواحدة بيد أنها مستمرة وليست سلسلة من المكررات المتداخلة.
جدير بالذكر أن الملحق الذي ختم به مارتن كتابه تضمن تمثيلا آخر على المتوالية، من خلال حكاية اسمها (هدية المحب تستعاد) وهي نسخة من حكاية شعبية شفوية مكررة في كارولينا الجنوبية عام 1968 تتوالى في صيغة تشكيلة متنوعة عن القصة نفسها، عُرفت في نيويورك وكاليفورنيا في الأربعينيات من القرن الماضي. ويؤكد مارتن أن خلف هذه القصة تمتد قرون من الحكي في أوروبا والشرقين الأقصى والأدنى، ويتساءل مستفزًا قارئ الكتاب: هل يمكن أن نسمي المتوالية الحكاية نفسها؟
ووفقا لنظرية الأجناس الأدبية ومغالطتها لنظرية الأنواع تكون المتوالية السردية تقانة فنية لا يتعدى التعاطي معها بنية المسرود التي تتحدد في الأحداث وكيفية ترتيب الأفعال فيها، وفق سلسلة أو طريقة يُراعى فيها عامل الزمن كما تؤخذ السببية بنظر الاعتبار.
والمحصلة أن المتوالية السردية هي تقانة تقوم على التتابع، أمّا عدُّها نوعًا من أنواع الأدب وجنسا مستقلا قائما بنفسه، فهو ضرب من الانكفاء النظري كونه يتعدى التنظير الأحدث، ويستميل التنظير الأقدم، كما يتنكر للتناوب أو التوازي وقبله التضمين، متجها صوب مرحلة كلاسيكية في تاريخ الأدب تجاوزها الدرس النقدي المعاصر.
وما العودة إليها وقبول تصنيف المتوالية نوعًا أدبيًا إلا من باب رفض التطور والاستهانة بمنجزاته، وهذا ما لا تقبله روح العلم ولا تقر به نزعة التقدم التي تتطلع إلى الأمام وتأنف من الرجوع إلى الوراء.

٭ ناقدة وأكاديمية من العراق

المتوالية السردية: نزوع فني أم تنويع أدبي؟

نادية هناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية