المثقف في غياب الدور وحضور الوهم

حجم الخط
0

نصل إلى الديمقراطية في البلاد العربية حين يشعر المثقف فيها بالاكتفاء الذاتي، من دون حاجة إلى دعم مشبوه من السلطة، ومن دون وضع اعتبار لردود الشارع أو القارئ أو السلطة، حين يمسّ مسألة بغاية الحساسية دينية أو سياسية بالنقد البناء والتحليل، أو حين يطرح موقفا جريئا وغير مسبوق ومسكوتا عنه.
نصل إلى الديمقراطية حين يكون المثقف في وعي المجتمع والأفراد والمؤسسات ورشة ذهنية للاشتغال على النتاج الثقافي لمجتمعه، وتبيّن العوائق الأخلاقية والتمثلات اليقينية المنحرفة في إدراك الذات والآخر والعالم التي كرّسها الموروث في جانبه المظلم، وعمّقها التاريخ الذي لم يكن إلاّ ممكنا من بين إمكانات عدّة، ووجهة واحدة أمام احتمالات عديدة. نصل إلى الديمقراطية فقط، حين يشعر المثقف أنّهُ خارج تيّار وعي قاهر يفرض رؤية محدّدة ومُلزمة. ويلقى ذلك التفهّم من قبل الجميع، وليس الإبعاد والنفي والتكفير والاضطهاد.
ذلك هو ترمومتر الديمقراطية في البلدان التي تدّعي الديمقراطية الحقّة، وبالمقابل لا يمكن أن يكون دور المثقف دورا فاعلا ومؤثّرا إلاّ بتبني هذا الوعي بالدور المستحق له. ولا يمكن بالنتيجة تحقيق الفعل الثقافي المباشر بالتغيير في الواقع العيني والملموس لحياة الشعوب إلاّ بذلك.
من هنا لا يمكن وفي سياق تاريخي كهذا الذي نعيشه اليوم، وفي غياب أيّ إنعاش إيديولوجي قويّ دافع ومحرّك يلتقي وهوس المثقف بمستقبل حالم كما كان الشأن في السابق مع الحراك الشيوعي، أو الاشتراكي القومي مثلا، في موت كهذا يبقى دور المثقف ضعيفا وباردا، مهما ادّعى من قوّة رمزية يطالعنا بها من حين لآخر، في غياب أيّ أثر صريح ومباشر.
يعيش المثقف اليوم دورا باهتا من موقع قصيّ وثانوي، وحين يبرز لا يبرز إلاّ مدفوعا بسلطة تقليدية متكلّسة، تلقّنه نصّ المهرج الذي يدعم فكرتها ويضعه في موقف حرج خارج موقفه الحقيقي والثابت المؤسس على حرية الفكر والنقد، أو مدفوعا بتيار غربي ضيّق الجمجمة وبارد، يجسّد خللا أخلاقيا وشذوذا فكريا عدميا وفوضويا سلبيّا أو استهلاكيا فجّاً يخدم أجندات رأسمالية آخر همّها الثقافة.
المثقف اليوم في وضع كهذا غير قادر على التأثير، ولا يمثلُ سلطة حقيقية فاعلة فعلا مباشرا ومؤثّرا. وغيابه عن الثورات العربية خير دليل، في وقت كان فيه صوت الشارع يسبق احتجاجه الخافت الخجول ويبدّده في الصوت الجماعي الصّادح. يجب أن نقرّ وبالجرأة المعتادة، بهذا الواقع.
كما من المؤسف انتظار أدب بمستوى الثورة، بل من عطب الوعي في قراءته لدور الأدب وقصوره الفادح انتظار شيء كهذا. إن لم يكن الأدب استباقيا تأسيسيّا ومصاحبا في الوقت نفسه للتغيير، وإن مُضمراً ومُمرّرا تمريراً مستترا مُستبطنا، فلا حاجة للحديث عن قوّة تأثيره. توقف الأدب لحظة مع نفسه من أجل استيعاب الدرس لن يذهب أبعد من المحاكاة والتأريخ للمرحلة، في غياب موجع للفعل. والفعل في أضعف إيمانه هنا، ليس سوى هزات ارتدادية خجولة، ولذلك فهي فاشلة في التأسيس لمستقبل ما بعد حدث الثورة، فاشلة لأنها تقف في مكان قصي عن الفعل المحرّك للذهنيات التي تحرّك الشارع العربي.
يجب الإقرار بتراجع دور المثقف وخيانته في أحيان كثيرة؛ فإن كان تراجعه لا يُحسب عليه لوحده في نظرنا لاعتبارات كثيرة أسهمت فيها التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية، فإن خيانته المتجسّدة في تواطؤ بعض المثقفين مع السلطة التقليدية التي لا تحمل بوادر ديمقراطية حقيقية لا تُغتفر على الإطلاق، لأن دور المثقف تحت أيّ ضغط كان دورا لا يقبل في جوهره التنازل أو التواطؤ اللذين يسمان الدور السياسي.
يظلّ نتاج المثقف الحر نتاجا حرّا في كل الأزمنة ووفق كلّ الظروف، من هنا تأتي قوّته وعمقه وشفافيته ومُمانعته أمام أيّ سلطة؛ لكن درجة تأثيره في واقعه تختلف من وضع لآخر، ومن مرحلة تاريخية لأخرى، ومن وعي أيضا بالمرحلة التي يتنفّس فيها ويُعايشها. في غياب هذا الوعي يسمُ الادعاء والوهم والتبرير الذي لا يُبرّرُ إلاّ ذلك الضعف والتيه والارتباك الذي نتذوّقه اليوم بمرارة كبيرة، فيما نتساءل عن دور المثقف في كلّ مرّة، وكأننا نبحث عن جواب لا يصلُ إلاّ إلى تكرار السؤال عينه.
لن يستقيم دور واقعي مؤثر إلاّ بتجاوز ذهنية ترى في نتاج المثقف الفاعل في ذاته في غياب أيّ شرط آخر. ولعلّ الشرط الذي يحتاجه الفعل الثقافي الحر اليوم هو الديمقراطية، لا الإيديولوجيات المسرفة في تمجيد ذاتها، ولا العواطف الشعبية المتأجّجة دينيّا أو قوميا. فالديمقراطية الحقة المبنية على حرية الرأي وتعدّد الأفكار والتوجهات تستطيع أن تكون وحدها الدافع إلى بروز المثقف الحر في المجتمع، عبر أهم الوسائط وأنجعها وأكثرها حيوية للوصول إلى القارئ، ومن ثمّة تحريضه على المعرفة وإنتاجها في واقعه بسبل ملموسة وذات أثر في التغيير المباشر والناجع، لأن قضية التغيير هي مسألة معرفة أوّلا، يسفر عنها النقد والتحليل للعقل الجمعي وفهم عوائقه الإبستمولوجية، قصد الانفتاح على رؤية كفيلة بإدراكٍ في مستوى حضارة إنسانية راقية، بلا علل أو انحرافات تُسببها أفتك الأسلحة الموجهة بحمق إلى الذات: الجهل.
*شاعر وكاتب مغربي

منير الإدريسي*

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية