المثل والحكمة والقول المأثور… حفريات اجتماعية

تعد الأمثال والحكم منجما خصبا للبحث الأنثروبولوجي لما تحمله من مواصفات يجعلها أشبه بمتحجرات ثقافية، يمكننا بتفكيكها ودراستها الوقوف على أصل الكثير من العادات والتقاليد والطقوس والأساطير والقصص الديني، المؤسس لواقع ثقافات معاصرة.
حظي هذا الموضوع بالدرس والتمحيص، وتوزعت الاهتمامات به بين اللغة وعلومها والدراسات الاجتماعية بأنواعها ودراسات التراث والفلكلور، كما ربط بعض الدارسين المعاصرين بين طبيعة الأمثال السائرة وسطوتها الاجتماعية وبين الانساق الثقافية التي تسود المجتمعات المدروسة. وكمدخل لدراسة الأمثال والحكم والاقوال المأثورة نجد الكتب التي عنيت بجمع الامثال تبدأ عادة بمحاولة تقديم تعاريف جامعة مانعة للمثل، فارسطو يعرفه بانه «العبارة التي تتصف بالشيوع والإيجاز ووحدة المعنى وصحته»، بينما يعرفه ابراهيم النظام المعتزلي بقوله «تجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام؛ ايجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة»، كما يقول الدكتور شوقي ضيف من المفكرين المحدثين هو «فلسفة الحياة الأولى وله في تاريخ الفكر أهمية، لا يدركه إلا من تعمق في دراسة نفسية الشعوب ودراسة التطور الفكري عند البشر»، ويضيف على ذلك الدكتور يوسف عز الدين قائلا «المثل هو الصورة الصادقة لحال الشعوب والامم، ففيه خلاصة الخبرات العميقة التي تمرست بها عبر السنوات الطويلة من حضارتها، وهو الخلاصة المركزة لمعاناتها وشقائها وسعادتها وغضبها ورضاها، نجد في طياته مختلف التغييرات التي تمثل حياة مجتمعها وتصورات أفرادها بأساليب متنوعة وطرق متعددة كالسخرية اللاذعة والحكمة الرادعة».
نستطيع القول إن المثل والحكمة هي خلاصة تجارب إنسانية جمعية، عادة لا يعرف مصدرها، رغم وجود دراسات اختصت في البحث عن قصص الامثال وزمانها والمناسبات التي قيلت فيها، إلا أن ذلك عادة ما يكون بشكل غير مؤكد وتقريبي، لذلك تجمع المثل والحكمة مشتركات عدة مع الحكاية الشعبية والأسطورة من ناحية مجهولية المؤلف، الا أن المثل يمتاز بخصيصة مهمة هي التركيز والتكثيف العالي الذي يجعله في الكثير من الاحيان يقتصر على جملة مكونة من بضع كلمات فقط، تكتنز بداخلها إحالاتها، وربما كان الأصل أطول واكثر ترهلا، مقتربا من قصة المثل، ثم تركزت شيئا فشيئا على مر الأجيال نتيجة معلومية القصة حتى تكثفت في عدد محدود من الكلمات، في صياغة بلاغية مميزة. والامثال في بعض اللغات ومنها العربية، تحوي نوعا من الموسيقى أو الإيقاع المقارب لإيقاع الشعر، أي الإيقاع القائم على شكل من الأشكال الموسيقية من خلال السجع أو التشابه اللفظي، وموسيقية المثل تلعب دورا مهما في بقائه وشيوعه، لأنها تساعد على الحفظ وسهولة التذكر، وهو أمر مهم في فاعلية المثل الاجتماعي، لأن دور المثل والحكمة والقول المأثور كان نقل المعرفة إبان شيوع الثقافة الشفاهية، ومن ثم تم العمل على تدوين وتبويب الأمثال، وأصبحت مادة تعليمية الغرض منها التعليم الادبي والثقافي القائم على تكثيف المعارف الانسانية بجمل قصيرة مكتنزة بالفلسفة، وتلخيص مواقف مرت بها أجيال من البشر، ولأن الامثال خلاصة تجارب جمعية، لذلك تجد فيها التنوع الذي يقود إلى التضاد أو التعاكس، فاذا بحثت في موضوع ما، كالقيم أو الأخلاق أو المنظور الإنساني لخلق العالم، أو الزمن… ستعثر على المثل والمثل المعاكس، متجاورين وبالقوة نفسها، وهنا يأتي دور عالم الانثروبولوجيا الحاذق ليميز من خلال الدراسة العلمية النمط السائد من الامثال والحكم التي بدورها تقدم قراءة لهوية المجتمع الثقافية وانماط السلوك المتوقعة فيه. ومع تطور المجتمعات وتحولها من الثقافة الشفاهية إلى الكتابية انزوت سطوة الأمثال والحكم في العديد من المجتمعات، والسبب الرئيس في اعتقادي، أن المجتمعات التي دخلت طور الحداثة اكدت على السمات التي اكتسبتها من هذا الطور، وربما كانت السمة الابرز هي التحول الاجتماعي نحو الفردية، كما تم اعطاء قيمة عليا للشك والتمحيص والتقليل من شيوع البديهيات التي كانت سائدة، كما أن توزيع العمل الاجتماعي الذي اكد على تخصص الخبرات ومحدوديتها، ادى إلى تراجع مكانة المعرفة الشمولية العامة وأداتها التعليمية الحكم والامثال، كما أن دور الامثال والحكم التنميطي في المجتمع الذي يساعد في خلق هويات جمعية متشابهة، بات مهددا بسبب الحراك الاجتماعي المتزامن مع حركية الحداثة، حيث أصبحت الأمبريقية التجريبية هي انجيل الثقافة العصرية، التي شككت في اسس كل القواعد السابقة ووضعتها على محك تجريبي صارم، ولم تنج من ذلك المعرفة القبلية الممثلة في الحكم والامثال والاقوال المأثورة. ولكن هل يعني ذلك أن الثقافة الغربية لا تحوي اليوم امثالا أو حكما أو اقولا مأثورة؟ والجواب، بالتأكيد تحوي كل ذلك، لكن دورها وفعلها الاجتماعي تراجع، فالأمثال أصبحت أمرا يحتفى به كجزء من الفلكلور، وفي احسن الاحوال تتم دراستها للتعرف على الظروف التاريخية التي افرزتها، بدون منحها سطوة على الحاضر، والاقوال المأثورة والحكم التي تنسب لفلاسفة ومفكرين من عصر التنوير، أو ما بعد الثورة الصناعية يتم التعامل معها على انها افكار لأشخاص مهمين، تلخص تجاربهم، وبإمكان المتلقي الاستفادة منها متى ما لاءمت ظروفه كفرد يعيش في كنف الحداثة المحتفية، بفرديته المفرطة. في المقابل تجد سطوة الامثال والحكم والاقوال المأثورة في مجتمعاتنا ماتزال فاعلة ومؤثرة في تنميط التفكير، وبشكل خاص تظهر هذه السطوة متى ما امتزج المقدس بالمأثور، كأن يكون النص المستخدم نصا قرآنيا أو حديثا نبويا، والمفارقة أن شروط الامثال والاقوال المأثورة ما تزال فاعلة في هذا المضمار، بمعنى، أن تجد حديثا ضعيفا أو مزورا ينتشر انتشار النار في الهشيم في ظرف اجتماعي معين بسبب تناغمه مع السائد من الافكار الاجتماعية، ولأنه نمط من أنماط التفكير الجمعي، فإنك لا تجد من يضع هذا القول المقدس تحت مجهر البحث للتأكد من مصداقية الحديث النبوي أو قراءة السورة القرآنية كاملة، والتعرف على أسباب النزول ومعنى ما ورد فيها من كلمات، كذلك بإمكان جهات ذات نوايا في تمرير منهجية عقائدية اجتماعية معينة، اللعب على العقل الجمعي بتمرير نص مقدس يلبس لبوس مكيانزم المثل والقول المأثور والحكمة، مثال ذلك الآية التي اصبحت رحما ولدت منه تيارات الاسلام السياسي المتشددة، وهي آية مجزؤة من معناها ومن سياقها، ونقصد الآية 40 من سورة يوسف (إن الحكم الا لله) التي حملت محملا سياسيا يطالب بأسلمة المجتمع واعتبرت دستورا للحركات الإسلامية المتطرفة الساعية للانقلاب على قيمه الحداثوية، بينما أجمع مفسرو السلف والمحدثين على فهم المعنى من خلال قراءة الآية كاملة، وفيها يتوضح المعنى الديني والعبادي الذي لا يحوي أي مفهوم سياسي أو دولتي، فالاية تنص على (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ أن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، كما وردت الآية في مواضع أخرى من القرآن وكلها كانت في السياق نفسه.
ومن الانزياحات الحديثة للامثال والحكم والاقوال المأثورة التي ركز على دراستها علماء الاجتماع والانثروبولوجيا في تمظهراتها الجديدة في الحياة ذات الايقاع العصري، عدة ظواهر، مثال ذلك، الكتابات التي تكتب على السيارات، أو الاقوال التي تؤطر وتعلق في الدور أو واجهات المحلات، أو الكتابة على الجدران، ويمكننا هنا أن نشير إلى الدراسة المهمة والرائدة التي قام بها عالم الانثروبولوجيا المصري الدكتور سيد عويس في هذا المضمار، حيث قام بدراسة الكتابات على السيارات وعربات بيع الاكل وقام بتبويبها ودراستها إحصائيا، ليخرج بقراءة انثروبولوجية للانساق الثقافية المضمرة في الشريحة الدنيا من المجتمع المصري، حيث سمى كتابه «هتاف الصامتين» لانه اعتبر هذه العبارات بمثابة هتاف للأشخاص الصامتين في المجتمع، الذين لا يجدون أمامهم سبيلا للتعبير عما يشغلهم وعن آمالهم وأفراحهم وأتراحهم إلا بهذه الطريقة، كما اعتبر هذه العبارات انعكاسا لنمط تفكير هذه الفئة من المجتمع. وعبر تفكيك هذه الكتابات نستطيع التعرف على العديد من العناصر الثقافية غير المادية المكونة للمناخ الثقافي الخاص بهذه الشريحة الاجتماعية.
يمكننا اليوم أن نجد الامثال والحكم والاقوال المأثورة على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث توجد صفحات تخصصت في نشرها والاحتفاء بها، وتحظى باقبال كبير ومشاركة كبيرة وتحصد الاعجاب والاف المشاركات، واذا اردنا أن نحلل الظاهرة، سنجد أنها في الاغلب منصبة على طلب الرزق والحض على عمل الخير وإبعاد الحسد أو الشر والتذكير بالواجبات الدينية والاجتماعية، وهذا بحد ذاته امر محمود، لكنه عندما يتحول إلى ظاهرة استعراضية لطلب اللايكات والمشاركة بدون انعكاس حقيقي على السلوك الاجتماعي يصبح نوعا من الفصام الاجتماعي الذي تعيشه مجتمعاتنا التي تتوزع فيها شخصيتنا بين الاستعراض الايماني والسلوك الفاسد.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية