اليوم يحتفل المغاربة باليوم الوطني للمجتمع المدني، وهو اليوم الذي يصادف انطلاق الحوار الوطني حول المجتمع المدني قبل سنتين..الحوار الذي شاركت فيه آلاف الجمعيات أوصى بجعل يوم 13 مارس/اذار يوما وطنيا للمجتمع المدني، وقد استجاب الملك محمد السادس إلى هذه التوصية.
وهي مناسبة لاسترجاع هذه المحطة الهامة ووضعها في سياقها السياسي المندرج في إطار صيرورة التحول الديموقراطي بما تمثله الجمعيات من خزان هائل للتربية على الديموقراطية وترسيخ ثقافة المواطنة والقبول بالاختلاف والتنمية الاجتماعية والسياسية.
في المغرب توجد اليوم حوالي 116 ألف جمعية، أغلبها يشتغل في المجال التنموي والاجتماعي ويساهم في سد الخصاص الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه الساكنة، لكن هناك عددا آخر من الجمعيات ساهمت بشكل كبير في نشر الثقافة الديموقراطية وفي ترسيخ قيم حقوق الإنسان، وساهمت في لعب أدوار طلائعية في صنع الاستقرار الذي يعيشه المغرب اليوم.
ويكفي أن نعرف بأن تجربة العدالة الانتقالية في المغرب كانت وراءها الحملة الترافعية التي قامت بها بعض الجمعيات الحقوقية من أجل المطالبة بمعرفة حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عاشها المغرب منذ مرحلة الاستقلال إلى نهاية التسعينيات وترتيب الإصلاحات المؤسساتية اللازمة من أجل ضمان عدم تكرار ما حصل من انتهاكات في السابق ووضع حد للإفلات من العقاب وجبر ضرر الضحايا.
وهي الحملة التي أثمرت تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة كتجربة رائدة في مجال العدالة الانتقالية في العالم العربي، رغم الملاحظات النقدية التي سجلت على منهجية اشتغالها وعلى نتائج عملها، لكنها مع ذلك تبقى من أهم المنجزات التي ساهم فيها المجتمع المدني بقوة.
ثلاثة مرتكزات أساسية أطرت نتائج الحوار الوطني حول المجتمع المدني: أولا، أحكام الدستور المتعلقة بالديمقراطية التشاركية والمجتمع المدني، وهي أحكام متقدمة بالمقارنة مع عدد كبير من الدساتير الحديثة. ثانيا، القوة الاقتراحية للمجتمع المدني المنبثقة عن اللقاءات الجهوية واللقاءات الإقليمية وجلسات الإنصات والمذكرات التي شاركت فيها الجمعيات من داخل المغرب ومن خارجه. وقد أبانت عن مدى غنى وتطور ونضج الفاعل المدني وقدرته على التفاعل مع المحطات التاريخية الكبرى بطريقة صحيحة، بالإضافة إلى العديد من الأفكار والمقترحات التي ساهمت فيها العديد من المؤسسات الوطنية والمؤسسات العمومية قصد إغناء وتطوير الفعل المدني ببلادنا. ثالثا، التشريع المقارن والممارسات الفضلى المتعارف عليها دوليا وكذا بعض التجارب الأجنبية الناجحة.
المنهجية التي جرى اعتمادها في إدارة هذا الحوار تستحق حيزا أكبر من هذا المقال، لكن يمكن القول بتركيز شديد أنها استندت بشكل أساسي على قواعد الاستشارة العمومية كما هو متعارف عليه في التجارب الناجحة. وقد كان ممثلو بعض المؤسسات الأوروبية على حق عندما وجهوا نداء للاستفادة من التجربة المغربية في مجال إدارة الاستشارة العمومية معتبرين تجربة الحوار الوطني حول الأدوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني تجربة نموذجية.
لنعد إلى أهم رسائل الحوار، يمكن القول، إن المغرب سيدخل طورا جديدا في مسار التحول الديموقراطي قائم على تعزيز مكانة المجتمع المدني في صناعة القرار من الناحية المؤسساتية والاعتراف بمبادرته على المستوى التشريعي والرقابي والتشاوري، وهو ما يستدعي من المجتمع المدني تأهيلا جماعيا للتكيف مع الاستحقاقات التي يفرضها هذا التحول.
ذلك أن تفعيل المشاركة المدنية والديموقراطية التشاركية المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية يمر عبر أطر قانونية ملزمة من قبيل القوانين الخاصة بالملتمسات والعرائض والتشاور العمومي، وهو ما يعني أن مسلسل إعداد السياسات العمومية يمر ـ بالضرورة ـ عبر المشاركة المدنية للمواطنين والمواطنات وفقا لأحكام الدستور. هذا التحول الكبير رهين بضخ جرعات جديدة على مستوى تعزيز علاقة التعاون والشراكة بين الدولة، وبين النسيج الجمعوي للمجتمع المدني بمختلف أطيافه، وتفجير طاقته الإبداعية في مختلف المجالات والتخلص التدريجي من إرادة التوظيف والوصاية.
إن النهوض بالأدوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني رهين أيضا بضخ نزعة إرادية جديدة وسط العاملين والعاملات في الحق المدني قوامها تحقيق الاستقلالية الحقيقية عن الفاعلين الآخرين من دولة وأحزاب ونقابات وقطاع خاص ومراكز نفوذ.
إن تعزيز أدوار المجتمع المدني لا يمكن إلا أن يعتمد على الرصيد الحضاري العريق للعمل الأهلي وعلى الخلفيات الثقافية لقيم التطوع والتضامن والتكافل الاجتماعي، بالإضافة إلى قيم حقوق الإنسان وما أعطته للفرد/ المواطن من أدوار.
إن اضطلاع المجتمع المدني بأدواره الجديدة ليس فيه أي إضعاف لمؤسسات الدولة ولا ينتقص من قيمة الديمقراطية التمثيلية القائمة على الصوت الانتخابي، ذلك أن الفلسفة العميقة للديموقراطية التشاركية هي تعزيز قيمة المشاركة، وتحرير الفرد من الوصاية والتحكم، ومعالجة الاختلالات التي أبانت عنها المؤسسات المنتخبة ومحدودية استيعابها لمختلف مسالك التشارك والمشاركة.
إن تنمية المؤسسات الوسيطة لتصحيح العلاقة بين الدولة والمجتمع يعني إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر منظمات المجتمع المدني التي تمتلك من الاستقلالية والمصداقية بما يؤهلها لنقل مطالب المجتمع والإسهام في عقلنتها وإعادة تحويلها بالشكل الذي يجعلها في قلب السياسات العمومية سواء على مستوى الإعداد أو على مستوى تتبع تنفيذها ومتابعة حسن تطبيقها.
إن تصحيح العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني تتوقف أيضا على تجاوز مجموعة من الإشكاليات من قبيل ضعف احترام القانون في تأسيس الجمعيات وضرورة تطوير كل ما يرتبط بالضبط العمومي للحياة الجمعوية في أفق المزيد من الحرية. كل ذلك يمر عبر معالجة إشكالية الديمقراطية الداخلية للجمعيات وملاءمة ممارساتها الإدارية والمالية لقواعد الشفافية والمراقبة والمحاسبة.
وذلك من أكبر التحديات التي تعترض التأهيل الجماعي لدى منظمات المجتمع المدني لخوض معركة التحول الديموقراطي عن جدارة واستحقاق.
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين