فإنْ ذُكرتْ لُبْنى هَششْتُ لذكرها كمَا هَشّ للثدي الدّرورِ وليدُ.
جميل بثينة
كانت الكتابة العشقيّة في تراث العرب، تتنامى ضمن سياق من تعاقب الظّهور والضمور؛ بحسب التّعاقب بين شدّة الأعراف وصرامة الأحكام، وبين تراخي القوانين ومرونة القيم؛ وهي كتابة مفرطة في «حرّيتها». وجذورها تمتدّ إلى امرئ القيس في بعض قصائده «الخليعة» وإلى عمر بن أبي ربيعة وسُحَيْم عبد بني الحسْحاس. ولقد ألّف العرب في الجنس مؤلّفات لا يمكن تنزيلها باصطلاح اليوم إلاّ ضمن مجال البورنوغرافيا؛ نظرا إلى «حرّيتها» المفرطة ونظرا إلى كونها لا ترى غضاضة في عرض ما تمجّه الأسماع عادة بحكم عوامل أخلاقيّة. وقد يكون صحيحا أنّ مثل هذه الكتابة «المكشوفة» التي تنتسب إلى فترات متأخّرة من تراث العرب تبلغ ذروتها في عصر «الانحطاط «؛ إلاّ أنّه قد لا يكون من المجدي أن ننظر إليها بعيني الازدهار والانحطاط؛ وإنّما قد يكون من الأجدر النّظر إليها على أنّها تندرج في إطار طقس من طقوس الكتابة الاحتفائيّة بالحبّ أو بالحياة. ويدفعنا إلى ترجيح القول بمثل هذه الكتابة الاحتفائيّة المكشوفة ما نصادفه من أواصر بين ما هو احتفائيّ وما هو لعبيّ . وإنّه من الجائز أن نتحدّث ونحن نقرأ مثلا ما قام به جلال الدّين السّيوطي(ق. 9 هـ./ق. 15م.) في «رشف الزّلال من السّحر الحلال» من استعراض لعشرين مقامة تختلف باختلاف العلوم التي تنتسب إليها هذه الخطابات حيث يتولّى كلّ عالِم (صاحب خطاب) وصف ليلة زواجه حسب ما يقتضيه علمه أو فنّه من اصطلاح وأسلوب، في عمليّة أقرب ما يكون إلى منافسة لعبيّة، بل هي بالفعل مناظرات لعبيّة تستكمل ما أُثِر عن العرب من أنّهم كانوا ينظرون إلى المرأة، من بين ما كانوا ينظرون به إليها، على أنّها لعبة الرّجل فتضاعف هذه الخطابات العشرون في لعب حسّيّ متخيّلَ اللّعب الحسّيّ الواقعيّ. ونقدّر أنّ لهذا أصلا في النصّ القرآني، وهو الذي فسح المجال لظهور أجناس من الكتابة، لم يكن للعرب بها سابق عهد؛ وذلك عندما أحكم الفصل في سورة»الشعراء» بين قول الشاعر وفعله. فما دام الشاعر يقول ما لا يفعل، فقد كان له أن يقول ما شاء إذن. ونقدّر أنّ في هذا ما يسوّغ نشأة أجناس وأغراض مثل الغزليّة والخمريّة. وهو ما يجعلنا نتحفّظ على رأي أدونيس في أنّ القرآن «ألزم الشعر بالاغتسال في ظهريّته». ونحن نقول هذا بالرغم من أنّ الشاعر مطالب بفعل القول، وليس بالمناسبة بين قوله وفعله.
وقد توخّى السيوطي وهو عالم دين، في «رشف الزلال من السحر الحلال» ضربا من التّوظيف الأدبيّ، وطريقة خاصّة في تحوير نصّ سابق وإحلاله في نصّ لاحق؛ فإذا المصطلح (القرآني ـ النّحوي ـ البلاغي ـ العروضي ـ الهندسي …) لا يكافئ مـنـزلة المفهوم الذي وضع لـه، وإنّما يتعدّاه إلى الجسد والجنس، وما هو أوفر حياة وأوفى دلالة، حيث تغدو اللّغة نفسها حـمّـالة «مفاهيم» و»صور» جنسيّة ليس إلاّ، أو هي» الأدب المكشوف» أو»الخلاعي» بعبارة المعاصرين. ولا بدّ من أن نلاحظ هاهنا أنّ مصطلح الجنس موكول إلى استخدام معاصر في اللّغة العربيّة، مرتبط بتحوّل مخصوص في الثّقافة.
وهذا ما أتاح للأدب العربي بعامّة، أن يتطرّق دون وجل أو خشية من قيد أو حدّ أو تثريب، إلى موضوعات قد لا تكون سائغة دينيّا عند المتشدّدين. ومثال ذلك تفسير سورة يوسف عند الطبري مثلا، أو في «مصارع العشّاق» حيث يقول الكاتب إنّ يوسف «مالَ جناح بعوضة»، وكاد يباشر «زليخة» أو «راعيل»، لولا أن سمع الآية «إنّ اللهَ كان عليهم رقيبًا»، ولكنّه لم يرعوِ، فإذا الصوت يقرع أذنه ثانية:
« ولا تقربوا الفواحشَ ما ظهرَ منهَا وما بطَنَ»؛ ثمّ إذا جبريل يهبط، ويضرب صدره ضربة؛ أخرجت الشهوة من أطراف أنامله.
على أنّ هذه القِصص، خلصت إلى زواج يوسف وامرأة العزيزة، حتى لا تضع «فحولة» يوسف ـ على ما يبدو ـ موضع شك، فالأمر يتعلّق ب»العصمة» وليس بالعجز الجنسي. غير أنّ هناك فروقا لا ينبغي إغفالها، فالمرأة في القصّة القرآنيّة هي «الراغبة الطالبة»، والرجل هو «المرغوب فيه»؛ وليس الأمر كذلك في شعر الحبّ عند العرب وخاصّة العذري أو «البدوي» منه؛ حيث المرأة هي «المرغوب فيه». والرّغبة لا تعدو في هذا المقام أن تكون غير المسافة الفاصلة/الواصلة بين الشّقاء محفّزا والسّعادة مطلبا.٭ ٭ ٭ونقدّر أنّ في هذا التراث الغنيّ ما يسوّغ إعادة قراءة «الأوديب العربي» من منظور آخر قد يكون مختلفا تماما عن المنظور الغربي، على نحو ما يدعو إلى ذلك عالم الاجتماع التونسي عبد الوهّاب بوحديبة. وهو ما نثبته، ونجازف به مجازفة محسوبة، فنقترحه مدخلا لقراءة من بين قراءات، ولكن بكثير من الحذر؛ خاصّة أنّنا لسنا مؤهّلين للخوض في مثل هذه المسائل الشائكة.
إن أسطورة «جودر» الواردة في «ألف ليلة وليلة» قد تساعد أكثر على استجلاء الموضوعات الموصولة بصورة الجسد في الغزل العذري، كالحبّ والموت والخوف والقلق؛ بل قد تسمح بالحديث عن علاقة بين جسد الطفل وجسد الأم خالية من كل شعور بالذنب. فإذا كان «أوديب» الغربي آثما يرزح تحت وطأة الجريمة التي ارتكبها ، فإنّ «جودر» العربي لم ير الأمّ عارية إلاّ بسبب من الخيالات الفاسدة والهلوسات البصريّة، بحيث أنّ الجسد العاري لم يكن إلاّ جسدا متخيّلا أو شبحا بلا روح. بل إنّ «جودر»، على عكس «أوديب « يتبيّن أنّ الفعل الذي أتاه لم يكن إلاّ تحريرا لذاته ولأمّه معا. ولكن، قد يكون من المفيد أن نشير، ولو في خطف كالنّبض إلى الأصول التي تقوم عليها هذه الظاهرة، عسى أن نتريّث ولا نسلّم بهذه الاستنتاجات تسليما، خاصّة أنّ قصّة»جودر» قد تنطوي على خوف غامض من الجسد جسد المرأة، عند المسلم. وربّما ليس أبلغ من النقاب دليلا على ذلك.
إنّ الجسد، في ما تبيّنه الدّراسات الحديثة، منظومة رموز تستطيع اللغة أن تطويها وتنشرها، أن تخفيها وتكشفها. وهذه العلاقة بين الجسد واللغة تنشأ في مرحلة الطفولة الأولى، من علاقة حسيّة بين جسد الطفل وجسد الأم أو جزءا من أجزاء جسده تفتح فيه ثغرة تمتّع بحيث يستشعر الطفل الدعابة كلذة تدونها الأم في هذا العضو أو الجزء، وينمو لديه إحساس بالفارق بين لذة موطنها الأذن مثلا ولذة موطنها العنق. وفي الآن نفسه تدوّن الأم في عضوها المداعب (الإصبع مثلا) حرفا «حسيّا» يحدّد التباين أو المسار في كل تمتّع. وعلى هذه العلاقة بين الأم والطفل يقوم أساس الصلة بين الجسد واللغة، فيغدو صراخ الطفل دعوة إلى الحب، تستجيب لها الأم، فتشبع جسدها وجسد طفلها، وترسم بحركة أو مداعبة، بإشارة أو كلمة، لغة خاصة بالجسد، يدلّ كل عنصر منها على الفرق بينه وبين العناصر الأخرى.وقد بيّن «دوسوسير» أنّ اللغة لا تحوي إلاّ فوارق، فهي لا تنطوي لا على أفكار ولا على أصوات سبق وجودها وجود النظام اللغوي، وإنما تنطوي على فوارق تصوريّة وفوارق لفظيّة ناشئة عن هذا النظام.
من أهمّ النتائج التي تترتب على علاقة الجسد بالأم، في المقاربات التحليلية النفسيّة، أنّ الإحساس الذي يرافق الإنسان في مراحل حياته أنّه «أمّ جسده الرؤوم»، فيعنى به على نحو ما كانت الأم تعنى به في الطفولة، أو يحبّه على طريقتها ويدركه بلغتها. وجملة القول أنّ الإنسان يعثر على وجود أمّه الغريب في كلّ صور الجسد، كما يقول «ميشال برنار»، فهو إذ يعتقد أنّه موجود في جسده، وأنه يتحاور معه، من خلال وعيه إيّاه، لا يفطن إلى أن الحوار الحقيقي، هو الذي بدأ مع جسد الأم ويستمر مع هذا الجسد الغائب الحاضر، حتى الموت.
لهذا كله فإن اللغة هي «الفضاء» الذي ينبغي البحث فيه عن هذا الجسد المرئيّ المتخيّل، ما دامت هذه اللغة تتمثل خيالاتنا وأحلامنا ورغائبنا والعلاقات الحسيّة الناشئة عن وضعنا الأوديبي.