قريبا ينهي المجلس الوطني التأسيسي مهامه المحددة في الزمان والمكان، والموسعة بطريقة أو بأخرى، وهو اليوم في مرحلة ”ربط الحقائب وشد الأحزمة» للسفر نحو التاريخ على خطى سلفه المجلس القومي التأسيسي -وليد الاستقلال -ولكن من أي باب سيدخله، وبأي سجل؟ وإن ظفر به فما هي الضمانات للاستمرار فيه والصمود أمام رموز وطنية – أشخاصا كانوا أو منظمات – سبقته إليه عن جدارة؟ ولئن يعسر الجزم بالدخول من عدمه، أمام تعدد المؤشرات وتداخلها، وفي انتظار أن يجتهد المؤرخون في الأمر ويتناولوا ملفه بالتدقيق والبحث والتمحيص، فلا مناص بادئ ذي بدء من الإشارة إلى أن «البعث» و»التسمية» يتصدران معوقات الاستقطاب التاريخي لهذا الهيكل، حيث أن قرار الإنشاء منسوب إلى تجمع لأفراد أمام قصر الحكومة بالقصبة مدة أيام، قيل بأنهم طالبوا بذلك واستجيب لهم بعد فض اعتصامهم عن غير طواعية، ثم التف حولهم ساسة الأيام الأولى للثورة من غير المعروفين لدى عامة الناس، من حيث الفكرة والوجهة والذين ينطبق عليهم قول الشاعر:
وقفنا عند مرآه حيارى ما عرفناه
سألنا الناس من هذا فقالوا يعلم الله
وسارعوا بدفع من وجوه قديمة، إلى تسجيل الحدث تحت اسم «القصبة 1 والقصبة 2 «، والتصريح قبل غيرهم من المتخصصين بأنه تاريخي، في حين أن الإطار السياسي والشعبي الذي احاط ببعث المجلس الأول كان أكثر وضوحا واقناعا ورسوخا في تاريخ البلاد، بما أنه تقرر إثر نطق ملكي تمّ الاعتراف به «ان الشعب التونسي بلغ من النضج ما يؤهله للاضطلاع بجميع المسؤوليات التي لغيره من الشعوب الحرة الرشيدة، وبما يترتب على هذه المسؤوليات من واجبات وحقوق»(جريدة الصباح عـدد1235 بتاريخ 30 ديسمبر/كانون الاول 1955)، ثم إن لفظة «التأسيسي» في حد ذاتها فيها «نظر وتحقيق» كما يقول العلامة ابن خلدون، لان تطبيقها يقتضي حتما افتقار دواليب الحكم إلى المقومات الأساسية للدولة، والحال أن الثورة تفتحت في أحضان مؤسسات تشتغل بالكامل، خلافا للمجلس القومي التأسيسي الذي تسلم بلدا مفرغ الأركان والمنشآت والأموال والطاقات، لذلك فإنه من الصعب بمكان التصريح بأن المجلس الوطني التأسيسي أسس لشيء ما أو جدّد منظومات حيوية، وكان من الأفضل إذن تسميته بـ»البرلمان المؤقت»، تماشيا مع مقتضيات المرحلة الانتقالية وتناغما مع تسمية الهيكلين المؤقتين السابقين له (الرئاسة والحكومة).
وفي باب الحوار لاحظ المتتبعون للمداولات أن شيخ النواب جانب الصواب منذ الجلسة الافتتاحية الأولى، بوضع قواعد غريبة قوامها الصخب والتشنج والغضب والمعاداة وتعطيل المبادرات، سرعان ما اتسع نطاقها بين المتدخلين وتناقلها الناس في أحاديثهم الصباحية والمسائية بكثير من الامتعاض. ونتيجة لذلك توالت الخصومات العلنية والباطنية وتحولت القاعة إلى مسرح للمشادات والاتهامات والتلويح بالتقاضي، أحرجت الطاقم المسير للجلسات. ولم يتوقف البعض ـ وهم قلة قليلة – عن تصديع رؤوس المتلقين وتمزيق انتظاراتهم بتدخلات مبهمة وعديمة المحتوى، ومع ذلك فإن أصواتا كثيرة تميزت تدخلاتها بحرفية سياسية وقانونية عالية آتت أكلها عند صياغة النصوص وتحليل مشاريع القوانين الواردة على المجلس. وفي جانب «المنتوج» خاصة منه نص الدستور، يمكن الجزم بأن الولادة كانت عسيرة بسبب التجاذبات السياسية والخلافات الإيديولوجية، وباهظة التكلفة جرّاء الاستخفاف بعامل الوقت والسماح غير المبرّر بالتكرار بتعلة النقد والإصلاح، مما زاد في فرقة الفرقاء وعمق الهوّة تجاه الناخبين.
وفيما يتعلق بالتحركات داخل الجهات، فإن النائب لم يفلح كثيرا في ترك بصماته، لان منظومة التنمية ظلت على حالها منذ العهدين البائدين، حيث يدعى، كما في السابق، لحضور مجلس جهوي يرأسه الوالي وتسند له رئاسة لجان ويرافق الوزير والوالي والمعتمد لتدشين المشاريع والوقوف على الحالات الخصوصية. وكم تمنى المرء لو اجتمعت العزائم منذ بداية المشوار الثوري لارساء منظومة عصرية لـ»الحكم الجهوي»، يحتل فيها ممثل الشعب موقعا حقيقيا صلب القيادة، كأن يرأس مجلس القرار عوضا عن الوالي وعن رئيس البلدية، لاطلاعه الوثيق على مجريات الأمور في البلاد ولقدرته وحنكته في إيصال هموم منطقته إلى الدوائر الحكومية المركزية وقدرته على «افتكاك» الآليات النافعة للنهوض بأحوال الناس، ولا يظل كما هو اليوم وكما كان بالأمس، عنصرا جهويا يُحتفى بوجوده خوفا من تداعيات التنكر له، لكنه لا يفلح كثيرا في الالتحام بفئات المجتمع مثلما حدث لعدد من الأعضاء يوم أرادوا تنظيم لقاءات جماهيرية لتفسير فصول الدستور الجديد. وإذا ما حاولنا تصنيف أمهات المحاسن والمآخذ في مسيرة المجلس يمكن القول بأن اللحظة الحاسمة في كامل الملف كانت ليلة المصادقة بالإجماع على الدستور الجديد، يليها الإبحار باقتدار في أعماق التحاور الديمقراطي، من دون أدنى قيد أو شرط، وهو أمر تفاعل معه الشعب التونسي كأشد ما يكون التفاعل، وحفظ منه الكثير وأحرج من بقي من اتباع الديكتاتور الهارب، ثم تأتي مرحلة الصبر عن الأذى من داخل المجلس ومن خارجه، في سبيل تحقيق المبتغى التشريعي المقرر حسب البرمجة المعتمدة، وأخيرا حسن التعامل مع الأفراد والجماعات الذين عرضوا على أعضائه مشاغلهم المهنية والاجتماعية، رغم أن النتائج لم تكن دائما في المستوى المأمول، مع ما سجله المراقبون من تغاض عن أصناف من المظلومين، وعدم الاكتراث باحتجاجاتهم أمام مقر المجلس. إلا أنه وفي مرحلة متقدمة من النشاط النيابي انتابه شيء من الاستسلام للجنة وطنية غير منتخبة يبدو كأنها افتكت منه صلاحياته «افتكاكا» تحت راية «انقاذ البلاد»، وجعلت منه نقطة تقنين لقراراتها لمدة معينة من زمن الحكم، ولم يفلح كذلك في استنباط الأدوات الكفيلة بمحاسبة الحكومة محاسبة ترتقي إلى ما هو معمول به في الدول المتقدمة، ثم إنه لم يستطع الحد من الغيابات المتكررة عن الجلسات العامة والمغلقة، مما أثر على سير المداولات. وبقي أيضا مكتوف اليدين أمام تنامي السياحة الحزبية داخل الكتل، في خطوة معاكسة تماما لإرادة الشعب التي أفصح عنها في انتخابات أكتوبر/تشرين الاول 2011. أما الزيادة في فترة الحكم من 1 إلى 3 سنوات فتلك قضية أخرى. ورغم خشية الناس من أن يرتكب هفوات ثقيلة في الربع ساعة الأخير من اعتلائه سدة الحكم بالمصادقة على مشاريع قوانين لها علاقة وطيدة بمصير البلاد والعباد فقد «صحّح راسو على طول»، كما يقال بالعامية التونسية المهذبة، بتعمده الموافقة منذ أيام قليلة على مشروع قانون إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، الذي أسال كثيرا من الحبر ولا يزال (مظاهرات ـ لوائح وإضراب عن العمل من أهل القطاع بكامل المحافظات التونسية بمساندة نقابية قوية) جراء التسهيلات المبرمجة لفائدة الرأسمال الأجنبي المجحف، مما جعل الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل يصرح بأن «المصادقة عليه تعتبر كارثة ومهزلة وتتجه نحو خصخصة المؤسسات العمومية». ومهما يكن من أمر فإن تجاوز بوابة التاريخ له شروط يرسمها الشعب ويشدد على تطبيقها بالكمال والتمام، وما على هذا الهيكل الذي حكم البلاد على مدى ثلاث سنوات إلا أن يحضر ملفا مدعما ومقنعا يخول له الظفر بموقع تاريخي يضمن له ترسيخ أفعاله في ذاكرة الأجيال القادمة… وقديما قيل «حصد الزّارع ما زرع وزهد الجامع في ما جمع». ويبقى السؤال مطروحا: هل سيدخل المجلس الوطني التأسيسي التاريخ أم سيجانبه؟
٭ كاتب تونسي
أحمد بالشيخ