تريد هذه المقالة أن تقرأ القصّة القصيرة «كُلُلّوش» التي جعلتها القاصّة رغد السهيل عنوانا لمجموعتها الصادرة عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت 2017، على أن تكون القراءة وفق مقولات النقد الثقافي التي حملتها رياح التغيير التي نقلت الوعي بالأدب من سلطة النص إلى سلطة الثقافة، بغية الكشف عن أنساقها التي عادة ما تتخفّى خلف الظاهر من سياقات النصوص الأدبيّة، والظواهر الفنيّة. والنقد الثقافي الذي يتموضع خارج الأحكام المعياريّة، والجماليّة التي فُتن بها النقد الآخر، نشاطٌ معرفيٌّ معنيٌّ بتقصّى مظاهرالثقافة، وطرائق اتّصالها بالنصوص، والظواهر المختلفة من نتائج تحوّلات ما بعد الحداثة، التي ضربت المركزيّات في عقر دارها، وأدارت الرؤوس نحو هوامش كانت مقصيّة عن التناول والبحث، وهذا ما أتاح له أن يقرأ السرد من زاوية علاقاته بالأفكار والتأريخ والرؤى الاجتماعيّة، وما يتّصل بها من تأثير يتّسع إلى مزيد من الدلالات التي تخضع لسلطة الثقافة.
والنسق على ما يرى النقد الحديث: ما يتشكّل عن تدرّج جزئيّات نفسيّة، أو سياسيّة، أو اجتماعيّة في سياقٍ ما، وكان النقد الثقافيّ، بحسب مقولات عبد الله الغذامي، اشترط في أيّ نصّ ثقافيّ وجود نسقين يحدثان في آن الأول: حاضر، والآخر مضمر، وأنّ النص يجب أن يكون جميلا وجماهيريا، والجماليّة فيه أخطر حيل الثقافة التي تمرّر الأنساق المضمرة، وتخفي مظاهرها، وقد وضع الغذاميّ سبعة شروط لتحقّق النسق: أوّلها شرط الوظيفة لا شرط الوجود، وقد حدّده بفكرة التعارض بين النسقين: الظاهر، والمضمّن. وثانيها الكشف عن الدلالات النسقيّة، على أنّها من صوغ الثقافة لا من صوغ مثقّف، أو مؤلّف، وهذا هو الشرط الثالث، فيما الشرط الرابع يتمثل في كون طبيعة النسق سرديّة ذات حبكة متقنة، فهو بارع في التخفي ويجلب العناية، فضلا عن أنّه تأريخي، وهذا شرطه الخامس، وكان الشرط السادس يتمثّل في قيمة النسق فهو جبروت، ورمز يحرّك الذهن الثقافي الخاص بالأمّة. أمّا الشرط السابع فهو التعارض بين النسقين، ويكون عادة في الخطاب لا في النص، ولهذا فإنّ تشكيل – الخطاب-يضع الناقد الثقافي في لجّة الغوص في الحيثيات في أوضح مهمّة يمارسها للبحث عن دلالة النسق المضمر عمود الثقافة، الذي يستجيب إلى أدوات الحفر الثقافي، وإجراءاته شرط تكرّره في النصوص بما يشكّل ظواهر دالّة.
تُستهل قصّة «كُلُلّوش» على لسان (ذبابة) بالنصّ الآتي: «لم أتعرّف عليّ عندما رأيتني في المرآة، بدوت سمينة، منفوخة كالبالون، هذا المنقار الصغير على فمي لا يمتُّ لي بصلة، لا أتذكّر من ألصقه بي، اتّخذت قراري، وتركت تلك القرية»، فهو استهلال يستطيع متلقي القصّة أن يدرك طبيعة نسقه المضمر بعد أن يتمكّن من فتح مغاليق رؤاه السرديّة لحظة التلقي من خلال استنطاق المدلولات السياقية، بما تمتلك من ذخيرة لسانيّة، ومتراكم حكائيّ، وقوانين خطاب يفكّكها المتلقي الفطن ليصبح أمر المضمر بعد تأويله واضحا للقراءة التي تعتمد على عبور شكل اللغة إلى ما يتوارى تحت نسيجها من قيم تمارس تأثيرها بدون وجل، وهي ترفع أستار الحجب كي تديم وجودها دعما لما فيها من فكر مبنيّ على الإلغاء والمحو.
أعود إلى نصّ استهلال القصّة السابق الذي أشار حضوره الدلالي إلى أنّ ذبابة ما لم تتعرّف على صورتها في المرآة؛ فقد بدت سمينة بدينة منفوخة، وهي تنظر إلى نفسها، وهذا ما دعاها إلى أن تترك القرية التي جعلتها تبدو بهذا الشكل الجديد، هذا النصّ برمزيّته التي صيغت مقرونة بحضور حشرة كريهة في القصّة، بحسب القراءة الثقافيّة هو النسق الثقافي الظاهر في القصّة الذي يتعارض تماما مع نسق مضمر، يشير صراحة إلى صغر حجم الذبابة، وسلبيّة وجودها في الحياة التي قادتها لأن تكون ناقلة للأمراض ومسببة لها، وهي على ما قدّمها نصّ الاستهلال ما كان لها أن تكون بهذا الحجم لولا تراكم الأوساخ، وقلّة العناية بالصحّة، وانصراف الناس إلى التقاتل بينهم، وممّا يؤكّد صحّة هذا التأويل أنّ في متن القصّة ما يحيل عليه من أخبار الصراع بين القوم، وبقاء تلال القمامة متناثرة في كل مكان؛ أي وفرة قوت الذباب، وأنّ الناس تركوا أعمالهم، وصاروا يجتمعون ليكيدوا بعضهم بعضا، فكان من نتائج ذلك أن غزا الجراد القرية، الأمر الذي قاد الذبابة في النهاية إلى أن تترك المكان بحثا عن حيّز آمن.
لو وضعنا النسقين الظاهر، والمغيّب في حالة تقابل لاكتشفنا أنّهما يستجيبان للشروط السبعة التي قال بها (الغذامي) التي أوّلها وجود نسقين يحدثان في آن الأول: حاضر في استهلال القصّة، والآخر مضمر أمكن تأويله، فهما قرينان، ونقيضان لبعضهما. وثانيها الكشف عن الدلالات النسقيّة المضمرة التي هي هدف البحث في نسق القصّة المظهر، وكان الشرط الثالث أنّ النسقين من صوغ الثقافة المجتمعيّة لا من صوغ مثقّف معيّن، وأنّ طبيعة النسق كانت سرديّة ذات حبكة متقنة، وهذا هو الشرط الرابع، والشرط الخامس أنّ النسق المضمر كان بارعا في التخفي، ليس من اليسير الإمساك بدلالته، وكان الشرط السادس ممثّلا في قيمة النسق الرمزيّة التي حرّكت الذهن الثقافي الخاص في المجتمع، أمّا الشرط السابع فهو استقرار النسق في خطاب القصّة ليكون في متناول القراءة والتلقي.
لقد قُدّر لاستهلال القصّة أن يحيل إلى نسق مضمر هو الأكثر خطورة في السياقات، والظواهر الخاصة بالثقافة، وتكمن خطورته كما هو واضح من نسيج القصّة في كونه مجموعة من القيم المخفيّة وراء السياق التي مارست فاعليتها بدون وصاية من أحد في ثقافة مجتمع القصّة وتاريخه، التي لها من الخطورة أضعاف ما لها من التخفي الذي ساعدها على تمرير أفكارها، وإعلاء شأن منظومة الأفكار السياسيّة والاجتماعيّة، والنفسيّة التي تؤدي وظائفها بدون تدخل من سلطة أحد.
إنّ تبني هذا النهج الخطابي الناقد من القاصّة رغد السهيل، إنّما كان بسبب انفتاح رؤيتها السرديّة على استراتيجية الخطاب الثقافي الذي تبنى (نقد البنى الثقافية السائدة تمهيدا لتحديثها، وجعلها مطابقة، أو متوائمة مع السياق الذي آلت إليه حداثيّا فالنقد/ النقض/ التحديث هو حجر البناء الفكري الثقافي الجديد)، وهذا ما فهمته من نصّ الناقدة بشرى موسى صالح السابق في معرض حديثها عن النظريّة الشعريّة في النقد الثقافي، ولعلّ قيم التحديث هي جزء من شكل الهمّ الثقافي الكامن في وعي القاصّة، أي في مرجعياتها الثقافيّة التي بدورها انتقلت بدون عناء إلى النصّ لتكون جزءا ممّا يضمر، ويخبئ مشكّلا دلالة نسقيّة تقع ضمن ما هو غائب، وهذا الغائب في إضماره الخاص، كما رأينا في استهلال القصّة يمكن أن يعدّ تورية بمعناها الثقافيّ الذي أشار إليه الغذامي في كتابه «النقد الثقافي» بما تملك من ازدواج دلالي أحد طرفيه حاضر في نصّ الرواية، والآخر عميقٌ مضمرٌ لا شعوريّ هجائي ليس موجودا في وعي المؤلفة والقارئ، بل حاضر في عدّة تراكمات، وتواترات جعلت منه عنصرا نسقيا ملتبسا بالخطاب، فبين حضور صورة الذبابة في القصّة وقد سمن حجمها، وإضمارها الذي يفضي إلى تأويلها السابق تتشكّل التورية جامعة معنيين متناقضين بعيدا عن رقابة القاصّة، وسارد قصّتها.
وممّا يعزّز انتماء قصّة (كُلُلّوش) إلى أجواء ما بعد الحداثة حضور القاصّة في سردها على لسان السارد مرتين،الأولى حين ذكر أنّه يعرف جنون خيال هذه التي تتوهم أنها (قاصّة) التي سمعت بكلام السوء، وحاولت أن تترجمه قصّة، في إشارة واضحة إلى أثر القاصّة في خلط ما هو واقعي بما هو فانتازي إمعانا في التشفّي بما يترشح الآن من سوء يعكّر صفو الحياة ليجعل منها جحيما لا يطاق.
أمّا المرة الأخرى التي حضرت فيها القاصّة فقد كان في ختام القصّة حين تدخلّت مشيرة إلى هذيان الذبابة التي تدّعي أنّها تتذكر كلّ شيء وعمر ذاكرتها أقل من دقيقة، وهو تدخل كشف عن وجود مفارقة سرديّة كانت بمنزلة الومضة التي خلخلت البناء العام القصّة، وجعلته عرضة للتساؤل والتأويل.
٭ أكاديمي وناقد من العراق
فاضل عبود التميمي