ميلانو ـ «القدس العربي»: عادت العنصرية لتتصدر العناوين في ايطاليا بعد تعرض «المحارب» السنغالي كاليدو كوليبالي للاهانة خلال المباراة التي فاز بها فريقه نابولي المتصدر على مضيفه لاتسيو ( 2ـ صفر) قبل عشرة أيام في الدوري المحلي.
واعتاد قسم من المشجعين المتشددين للاتسيو على اثارة الجدل بتصرفاتهم العنصرية التي جعلت فريقهم عرضة للعقوبات، لكن هذه المرة كان الوضع مختلفا اذ اتخذ حكم اللقاء ماسيميليانو ايراتي قرارا شجاعا بايقاف اللعب لثلاث دقائق بعدما أصدر قسم من جمهور نادي العاصمة أصوات قردة بحق مدافع نابولي كوليبالي. ودفع هذا الامر جمهور نابولي إلى التوافد في اليوم التالي إلى ملعب كاستلفوتورنو الخاص بتمارين النادي لاستنكار ما تعرض له كوليبالي واظهار مساندته للاعبه الافريقي من خلال يافطة كتب عليها: «افتخر بلونك كوليبالي. انت محارب حقيقي». كما حظي كوليبالي بمساندة لاعب لاتسيو مواطنه السنغالي كيتا بالدي الذي كتب في حسابه على «تويتر»: «هذه اللعبة أكثر بكثير من اللونين الاسود والابيض. الكثير من التقدير لك يا صديقي!».
ولطالما عانت الكرة الايطالية من العنصرية في الملاعب ما جعل «سيريا آه» من أكثر الدوريات الاوروبية عنصرية، وفي الوقت الذي أعرب فيه مدرب نابولي ماورتسيو ساري عن تقديره لقرار الحكم الشجاع بايقاف اللقاء لثلاث دقائق، واصفا ما حصل بـ»المخجل»، فان نظيره في لاتسيو ستيفانو بيولي قرر التخفيف من أهمية ما قام قسم من جمهوره، وقال: «من الواضح ان هذه الاناشيد ليست جيدة، على الاشخاص ان يكونوا أكثر تحضرا واحتراما للغير، لكنني لا أعتقد ان ما حصل كان عنصريا بطبيعته، فنحن نملك ايضا لاعبين من البشرة السوداء. أنا لا أحاول تبرير ما حصل، لكننا نعطي الكثير من الاهمية لأقلية من الجمهور».
عنصرية متجذرة
الموقف الصادر عن بيولي ليس مفاجئا، خصوصا ان الشخص المسؤول عن اللعبة في ايطاليا، أي رئيس الاتحاد الحالي كارلو تافيكيو، معروف بعنصريته وهو انتخب لهذا المنصب حتى بعد خروجه بتصريح عنصري خلال حملته الانتخابية.
ففي تموز/ يوليو 2014، أثار تافيكيو الذي كان حينها رئيسا لدوريات الهواة في ايطاليا، ضجة كبيرة في مقارنته للتعاقدات مع اللاعبين من البشرة السوداء في كل من انكلترا وايطاليا. وتحدث تافيكيو خلال حملته الترويجية عن «غزوة» اللاعبين الاجانب للدوري الايطالي، مشيرا إلى لاعب وهمي اطلق عليه اسم يوحي بانه افريقي، وهو اوبتي بوبا، الذي «وصل إلى هنا وقبلها كان يأكل الموز لكنه أصبح اليوم لاعبا اساسيا في لاتسيو«. ومن الواضح ان تافيكيو كان يشير حينها إلى لاعب وسط يوفنتوس الفرنسي بول بوغبا، ما وضعه تحت وابل من الانتقادات، وهو الامر الذي دفعه لاحقا إلى تقديم اعتذاره، مؤكدا أنه لم يكن يقصد أحدا معينا، مواصلا في الوقت ذاته ترشحه لمنصب رئيس الاتحاد. لكن الاعتذار لم يجنبه العقاب، اذ قررت اللجنة التأديبية في الاتحاد الاوروبي لكرة القدم ايقافه عن أي نشاط يتعلق بالاحداث الرياضية الاوروبية لمدة 6 أشهر. وحرم تافيكيو من المشاركة في مؤتمر الاتحاد الاوروبي لعام 2015 في فيينا، حيث انتخب الفرنسي ميشال بلاتيني رئيسا للاتحاد الاوروبي لولاية ثالثة.
وفي 2013، اضطر ميلان إلى ترك أرضية الملعب تضامنا مع لاعب وسطه الدولي الغاني كيفن برينس بواتنغ وانسحب من مباراة ودية ضد مضيفه برو باتريا من الدرجة الرابعة بسبب الهتافات العنصرية الصادرة عن جمهور الاخير. وحصل ميلان بسبب هذا القرار على تهنئة الاتحاد الدولي (الفيفا) المكبل اليدين في ما يخص مسألة تغيير ثقافة دولة معينة مثل ايطاليا التي لم «تحاكم» شخصا مثل المدرب الاسطوري لميلان اريغو ساكي الذي حافظ على منصبه كأبرز المحللين للدوري المحلي رغم التصريح الذي صدر عنه العام الماضي حين قال أن في ايطاليا «الكثير من اللاعبين السود». وأضاف ساكي الذي قاد ميلان إلى لقب كأس الاندية الاوروبية البطلة عامي 1989 و1990: «ايطاليا ليست لديها كرامة وكبرياء. فليس من المستحيل ان يوجد في كل فريق 15 لاعباً اجنبياً». لكن تعليق ساكي لا يقارن على الاطلاق بما تعرضت له الكونغولية الاصل سيسيل كينغيه بعد تعيينها في نيسان/ ابريل 2014 وزيرة الاندماج، ما جعلها اول امرأة سوداء تتولى وظيفة حكومية من هذا المستوى في ايطاليا. وكان أسوأ رد فعل على تعيينها من عضو مجلس الشيوخ روبرتو كالديرولي الذي قال انها تذكره بانسان الغاب. وكان كالديرولي وزيرا سابقا في حكومة سيلفيو بيرلوسكوني، رئيس الوزراء مرتين ومالك ميلان الذي خرج بدوره بموقف عنصري عندما قال مازحا ذات مرة ان الرئيس الاميركي باراك اوباما اسمر البشرة نتيجة «التسمير».
ما هو مؤكد، ان العنصرية في ايطاليا ليست محصورة بلعبة كرة القدم وهي منتشرة في كافة نواحي الحياة، وكل ما يمكن للضحية القيام به هو ان تدير خدها الآخر كما فعل كوليبالي عندما أهدى قميصه إلى احد مشجعي لاتسيو الصغار، ثم كتب لاحقا في حسابه على موقع «اينستاغرام»: «أريد ان أشكر الجميع على رسائلهم الايجابية التي وصلتني، بينها من لاعبي لاتسيو، لكن الاهم هو شكري للحكم ايراتي الذي تحلى بالشجاعة للتحرك».