تذكرني مجموعة ليندا عبد الباقي الأخيرة «ماذا لو» بمقالة لكركيغور عنوانها «إما/أو». لم يكن كركيغور يمنحنا فرصة للاختيار. وموجز مقالته أنه لا مفر لنا من اللجوء للسلطة الإلهية للتغلب على الإحساس بالسقوط في الهوة أو العدم. فالوجود الأصيل غايته الاستقرار في جوهر الإيمان. وكذلك كانت قصائد المجموعة، في كل قصيدة سؤال ضمني وليس له إلا جواب واحد، وهو ضرورة العودة إلى الذات، باعتبار أنها منبع الإحساس والإدراك والمعرفة. وهي منبع اليقين بمقدار ما هي مصدر للشك. ومثلما لليقين سلطة إيجابية للشك سلطة سلبية. وبتلاقي الأضداد يمكن للإنسان أن يحل مشاكله تلقائيا. توزعت القصائد بين نوعين، متوسطة الطول وبلا علامات تنقيط، حيث كل قصيدة جملة مركبة واحدة. وقصيرة لا تزيد على بيت شعر أو بيتين، وبحجم مضغوط يعيد إلى الأذهان بواكير القصة القصيرة جدا، التي تشترط ألا يتعدى حجمها 50 كلمة. ولكن ليس هذا هو المهم. فمشكلة الحجم وعلاقته بالمعنى أصبحت محلولة، ولاسيما بعد دخول الهايكو وخرافات إيسوب وقبلها حكايات كليلة ودمنة الموجزة. ففي كل منها جرعة من الحكمة البشرية التي تناسب إيقاع الحياة المعاصر ونبضه السريع. والجديد في هذه القصائد هو عناصر البنية أو جزئيات التراكيب. وهي تتألف من ثلاثة محاور متداخلة.
الأول هو ضمير المتكلم ومعه ضمير المخاطب أو كلاهما. لكن منذ البداية تضع القصيدة في مكان مركزي من الذات، وتسقط عليها كل التفاصيل والعواطف، وتعتبر أنها مصدر للشقاء والمحن، والسعادة والنسيان أيضا. ويجب أن نفهم أنه لا يوجد أي حوار بين الضمائر، لكن فقط مناجاة باتجاه واحد. فنحن إزاء إنسانة متألمة ومهزومة ولا تعرف كيف تضمد جراح كرامتها. لذلك تكثر من استعمال مشاعر التوجع وتراكيب وصور انحدار الدموع والتنهدات والآهات وأصوات الشهيق والزفير. مثل قولها: أرغفة تشهق باحمرار موقدنا، أو قولها: أرصع الجرح بالذكرى، أو: ألهث خلف ظلي/ أسابق نبضي/ أزرع نجوما/ وأقطفها في الصباح. وهذا إن دل على شيء يدل على حقد دفين ونكوص لا دواء له. وعلى مركزية للذات وكأن الكون كله هو مرآة للأنا، أو أنه ثمرة لمعاناة شخصية، ولذلك توزع الاهتمام في كل القصائد بين متكلم واحد بجانب مخاطب صامت لا نعرف أي شيء عنه.
وقد كان البورتريه، الذي رسمته الشاعرة لنفسها، هو بطل المجموعة، وفيه صورة امرأة غدرت بها الأيام وتركتها تنزف وتتألم من الغدر أو الإهمال أو النوايا الغامضة. والمجهول هو أشد ما تقاسي منه لأنه يعكس طبيعة المجتمع العدواني وغير الأليف، ومن ضمنه خيبات الأمل بالأصدقاء والوجوه المعروفة. تقول في قصيدة «أرغفة الوقت»:
أعجن الذكريات
بملح أحمق
يذيب الأنفاس
وعاصفة بلهاء
تضحك من فرط
البكاء.
وتقول في قصيدة «حلم مفعول به»:
كل يجدل الوقت
على جسد غانية
وكل يصرخ
ليخنق برد الخيانة.
وتتابع بهذه النبرة المكسورة في «أنفاس باردة» فتقول:
كل
هذا الغبش
على نافذة عمري
صنعته
أنفاسك الباردة.
وهذه نقطة في غاية الأهمية، فالكاتبات المتوحدات، ولاسيما من رفعن شعار أنا أمتلك جسدي، أمثال ناتالي ساروت وفرانسواز ساغان، ينظرن للعالم وكأنه امتداد لهذه الحرية الشخصية، أو أنه حق مجرد ولا يقبل الشراكة أو المساومة. غير أن هذا ليس هو حال عبد الباقي، وقصائدها تستند إلى عقد شراكة لا تنفصم عراها.
والدليل على ذلك قولها:
يمر اسمك على لساني
كأن
لا أحد
سواه.
ومثل هذا الفرق يشير لصعوبة العزاء أو السلوان، فالاندماج مع عالم الأشياء يساعد على تحويل الشعور إلى وعي باطن، أو بعبارة أخرى على التعايش مع خيالات وأوهام بديلة عن عالم الحقائق. بينما الالتزام والشعور بالامتلاك يرافقه إدراك للهزيمة وتوسيع لوعينا بالفاجع أو المأساة أو الحفرة. قل عنها ما شئت لكنها تبقى الصورة النهائية والكلية لمشكلتنا مع الفراغ النفسي وللتجويف الذي يأكلنا من الداخل.
المحور الثاني هو الطبيعة، وهذا شيء متوقع، فكل الشعراء الذين سقطوا في فخ الحصار لجأوا للطبيعة وبحثوا فيها عن ملاذ، سواء الشعراء الفرسان أمثال الصعاليك أو العشاق. وعبد الباقي من هذا النوع، ولكن عشقها إما أنه غرام فاشل أو تجربة وطنية خاسرة. والبيئة التي تتكلم عنها عبد الباقي هي من النمط المحدود. بمعنى أنها بيئة قريبة، بستان بالجوار أو غابة أو حتى سحابة عابرة تراها من نافذة بيتها. ومثلما المشاهد صغيرة ومتناهية فإن الخسارة ذات أثر فردي. إنها تفتت الكبد ولكنها لا تتسبب بنكبات جسيمة. وللتوضيح إنها تماهي بين الدموع وقطرات المطر، ولا تتكلم عن سيل جارف أو طوفان. ويمكن أن تتناول بكلامها جرحا ينزف بقطرة دم أو قطرتين ولكن ليس شلالا من الدماء. ولذلك فإنها حين تؤسطر نكباتها الشخصية لا تصل لدرجة الهدم والخراب التي تجدها عند رموز الحداثة. وعلى كل حال فإن عبد الباقي تحمل رواسب حداثة محمد الماغوط وأحزانه وسقوطه الفردي، وليس رواسب حداثة أسطورية وملحمية مثل حال السياب. ولنأخذ كمثال رمزية المطر. فهو لديها كناية عن أحزان بسيطة ومكتومة، كقولها:
ولم تزل أرواحنا الخضراء
تنقرها مواعيد المطر.
وهذا ليس على شاكلة التراجيديا المخيفة التي تجرف معها الأخضر واليابس وتصل لحد اللوعة والعويل في شعرية السياب. الأمر الذي يفسر لماذا تجاهلت الشاعرة الطبيعة الصخرية والجبال وحجارة الغرانيت التي نحت منها السوريون تماثيل آلهتم، ولجأت للنبع والجداول والأعشاب التي تكتسي بها الطبيعة. ومثل هذا الأسلوب قادها لصيغة مبسطة من دراما الحياة والفناء، بدون إشارة واحدة لدورة الموت والانبعاث. بمعنى أن وجدانها كان في حالة حصار ضمن دائرة مغلقة بلا أي أمل يرتجى أو افتراضات.
ويبقى المحور الثالث والأخير.. غني عن القول إن المرأة تهتم بالمرآة. والثقافة النسوية هي ثقافة سطوح عاكسة أو شفافة، ولكن عبد الباقي لا تشاهد من صورها الكثيرة غير الأجزاء وبعض الأوصال. بمعنى أنها لا تهتم بكامل جسدها، ولا تتوقف أبدا عند تجارب مكشوفة في غرف النوم وعلى السرير وبين الأغطية الزاهية والملونة أو المعطرة كما فعل نزار قباني في كل جملة وكل قصيدة. ولا تستعير من قاموسه غير جملة واحدة هي (عروس الزعتر). كما أنه ليس هناك فيتيشات نسائية تأسر فحولة الرجال وتهددهم كل لحظة برهاب الخصاء المهين ومذلاته. وإنما هي تهتم بدموع العين وبالأصابع التي تحترق من الغدر والخيانة وبانعكاسات ذلك على الجوارح، كالكبد الذي يفتته الألم والقلب المترع بالخيبة والهزيمة. ولو تجاوزت هذا النطاق لا تتكلم، لا من قريب ولا من بعيد، عن أعضاء التخصيب الظاهرة والمستورة. ولم أجد في كل مجموعاتها شيئا يذكر عن النهد أو السرة وبقية علامات القصيدة الغرامية في الستينيات وما بعد. ولكنها تشير إشارات بعيدة وخاطفة للخصر والعين والشعر، وغالبا في سياق وظيفي.
ومجمل القول إن الجانب النسائي في قصائدها يميل لجهة القلب والعاطفة وليس نحو الجسد والمغامرات الحسية.. ويجب أن لا يفوتنا أن ما تذكره عن قوام النساء، ومنه قوامها، يغلب عليه الترميز أو التلميح، وهي في معظم الحالات تنعى على نفسها جسدها الذي تمحوه السنوات ولا يبقى منه غير طيف أو خيال يختلف مع نفسه (بتعبير سارتر). وهذه هزيمة يمكن إضافتها لسلسة الهزائم التي تتغنى بها كل المجموعة بمهارة تحسد عليها.
*صدرت المجموعة في بدايات عام 2018 عن دار ليندا في السويداء، سوريا، وبحجم 128 ص، مع غلاف من تصميم كنان رشيد.
٭ كاتب سوري
صالح الرزوق