المحرِّضون على انتفاضة ثالثة

يوم الخميس كتب كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات مقالا في مجلة نيوزويك الأمريكية وكأنه يخاطب «المحرِّضين» على انتفاضة جديدة في القدس والأراضي الفلسطينية: توقفوا عن الحديث عن انتفاضة ثالثة، الاحتلال هو الذي يجب أن ينتهي.
يبدأ عريقات مقاله قائلا: «على مدى الأيام الماضية تساءل كثيرون هل هذه نذر انتفاضة ثالثة.. بالنسبة للشعب الفلسطيني، هذا السؤال في غير محله».
إذا جنح المرء للتبسيط والتسطيح، يقفز بسهولة نحو الاستنتاج أن عريقات يلتزم بالوفاء لخط حركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية، وبالذات طبعة محمود عباس الذي راهن على اللاعنف ودافع طويلا عن «المقاومة السلمية» حتى وصل به الأمر إلى وصف صواريخ حماس من غزة بالمفرقعات والعبثية.
أحد أشكال الفهم مما قصده الرجل، أن الحديث عن انتفاضة ثالثة فيه ظلم للفلسطينيين وعدالة قضيتهم لأنه يعطي الانطباع أن القمع الإسرائيلي لهم مرتبط بهذه الأيام فقط، وبالتالي يمسح عن عدوهم ما ارتكبه بحقهم في الماضي القريب والبعيد.
أيًّا كان قصد عريقات من مقاله، فهو أقرب إلى الصواب، لأن انتفاضة فلسطينية جديدة غير واردة، وهي عند أهل حركة فتح غير مقبولة. وعريقات هو، بشكل أو بآخر، لسان حالة حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية.
ذاتيا ونفسيا، لا يبدو الفلسطينيون في هذه الظروف شديدة التعقيد على استعداد لانتفاضة جديدة بشكل واسلوب الانتفاضتين السابقتين. وحتى وإن كانوا جاهزين لها، فليس اكيداً انهم سيستطيعون إطلاقها وإدارتها والتحكم فيها، ثم.. إنجاحها.
الاعتقاد الآخر، أن بين الفلسطينيين من يسأل: ما جدوى انتفاضة أخرى؟ والجواب جاهز عند من يسأل بلا شك: لا شيء، قد تعطل قليلا الاقتصاد الإسرائيلي، لكنها لن تجلب للفلسطينيين حقوقهم.
موضوعيا، لا الظروف الفلسطينية الداخلية تسمح ولا الظروف الإقليمية تشجع.
داخليا، الفلسطينيون منقسمون ضفة وقطاعاً.. ضفة علمانية بمشاكلها وتعقيداتها الإدارية والاقتصادية والأمنية، وقطاع إسلامي بمآسيه وهمومه العميقة التي لا نهاية لها. والفلسطينيون بلا قيادة قوية متوافقة على خطة عمل على المدى القريب، ناهيك عن المدى الطويل: بلا أبو عمار وبلا مروان البرغوثي وبلا الشيخ ياسين وبلا أبوعلي مصطفى وبلا أحمد سعدات. العمل السياسي الفلسطيني منحصر اليوم في محمود عباس وعريقات وعزام الأحمد ومصطفى البرغوثي وسامي أبو زهري.
السلطة الوطنية تحولت إلى ماكينة بيروقراطية عقيمة تصنع الفشل والفساد فقط، رئيسها بلا صلاحيات وبلا نفوذ، عاجز عن جلب السلم لشعبه، ولم يمتلك شجاعة خوض صراع يعيد لذلك الشعب بعض الحقوق وقليلا من الكرامة.
حماس في وضع لا تُحسد عليه هي الأخرى، مشلولة أنهكها الحصار الإسرائيلي شرقا والمصري غرباً، وأربكتها، بل أضعفتها، المواقف من التطورات الإقليمية في مصر وسوريا وإيران.
انتفاضة جديدة تبدو بعيدة عن متناول اليد في الظروف الفلسطينية الراهنة لأن محرك حالة الغضب هذه المرة هو المسجد الأقصى، وشرارتها الأولى شبان من وراء الخط الأخضر يكذب من يدّعي ان لعباس أو أحد غيره من الأراضي الفلسطينية سلطة أو تأثيرا عليهم.
وكأن الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة أو في الداخل الإسرائيلي أدرك هذه الحقائق المُرة فتوقف عن مطالبة قادته، الإسلاميين والعلمانيين، بأكثر مما يطيقون.
لهذا برزت الأعمال الفردية، أو ما سمتها الصحافة الفرنسية «انتفاضة السكاكين» على يد شبان في مقتبل العمر، تصفهم الصحافة الإسرائيلية بالذئاب المعزولة، يائسين من المحتل الإسرائيلي لكنهم محبطون أيضا من القائد أو المسؤول الفلسطيني الذي كان يُفترض أن يوفر لهم قليلا مما يحتاجون. لا بد أن الشابة أو الشاب الذي يغامر بمهاجمة دورية شرطة أو جيش بسكين متواضع فيصيب أحدهم أو لا يصيب، وهو يدرك أنه مُعتقل بعدها أو مقتول وأن فعله ذاك لن يغيّر التوجه العام لسياسة الظلم المتبعة، لا بد أن بداخله جبالا من الإحباط والشعور بالظلم لا يستوعبها الإسرائيلي ولم ينتبه لها المسؤول الفلسطيني.
إقليميا، لا يوجد ما يشجع على انتفاضة جديدة.. لا دول وحكومات تشجعها وتدعمها، ولا مجتمعات مدنية تتنبناها أمام الرأي العام الغربي. لاحظ كم شعب عربي أصبح بلا دولة منذ الانتفاضة الثانية: الليبيون، السوريون، اليمنيون. ولاحظ التحالفات الجديدة، الغريبة والمعقدة، التي نشأت بسبب أزمات المنطقة.. سوريا فرضت تحالفات معينة، الأزمة اليمنية فرضت تحالفات أخرى، ليبيا كذلك، مصر أيضا. والغريب أن لا أحد من هذه التحالفات مقدس، اطراف عربية تختلف في ليبيا فتلتقي في اليمن، تتفق في سوريا فتختلف في مصر، تختلف حول إيران لكنها تلتقي حول ليبيا.. هكذا.
كل هذا ينعكس على الفلسطينيين شاؤوا ام أبوا لا لسبب إلا لن «القضية الفلسطينية» ظلت على مر السنين قضية الجميع وقضية لا احد، كلهم ضالعون فيها ولا أحد تحملها. والضلوع يحمل الوجهين، المفيد وعكسه، والتحمل كذلك.
بعيداً عن المنطقة، تغيّرت كثير من الأشياء في منظور العالم الأمريكي الأوروبي ولم تتغير مكانة إسرائيل. أكيد حدثت حلقات غضب بين حكومة أوروبية هنا أو هناك من أخرى إسرائيلية بسبب المستوطنات أو لسبب آخر، لكن الحلف المقدس مستمر ولن يزول، بل قد يكون أقوى من الماضي، وهو في جميع الأحوال في غير صالح «المحرِّضين» على انتفاضة جديدة لن تحدث قريباً.

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية