المحسوبية في التعيينات تنسف مفهوم العدالة الاجتماعية والنظام يطبق نظرية الأرض المحروقة ونسف الجسور

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: في ظل موجة حارة لامست خلالها القاهرة وغيرها من المدن المصرية الخامسة والاربعين درجة مئوية، يصبح الحديث عن الأزمات التي تحيط بالمصريين عبئا إضافيا، فالسلطة التي تباهي شعبها بأنها دشنت مشاريع حالت دون انقطاع الكهرباء عن منازلهم، تسللت لهم من الباب الخلفي، فقررت رفع أسعار الكهرباء للعام الرابع على التوالي، لتجعل مجرد تفكير أي أسرة متوسطة المستوى، في شراء جهاز تكييف محاولة للإفلاس العاجل.
وفيما تزداد وتيرة الشعور بقسوة المناخ وارتفاع درجة الرطوبة يبدو الطقس السياسي للقاهرة أشد قسوة من درجات الحرارة، فلا أمل يلوح في الأفق حول حل قريب للأزمات الخانقة التي تحيط بالمصريين، بل على النقيض تماما تشير اعترافات بعض رجال الحكومة نفسها إلى أن المقبل هو الأسوأ. فيما تبدو جماعات المعارضة أكثر رغبة في نفض غبار ما حل بها من خلافات، خلال السنوات الأربع الماضية، والانصهار من جديد في بوتقة واحدة. فهل تتمكن تلك القوى من تجاوز خلافاتها على المدى المنظور والهروب من شراك السلطة التي تجيد الوقيعة بين خصومها؟
في الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 6 يوليو/تموز بدا أن نية قوى المعارضة المدنية صادقة في توحيد الصفوف، كما ازدادت وتيرة المعارك الصحافية ضد الحكومة والبرلمان ومؤسسة الرئاسة. واهتمت الصحف بحزمة من الموضوعات المتنوعة، التي تصدّرها نشاط الرئيس السيسي أمس، والشأن المحلي بعنوان «دعم أمريكي كامل لمصر.. في حربها ضد الإرهاب». الثلاثاء المراجعة النهائية لتصحيح الثانوية العامة. استشهاد ضابطين متقاعدين ومجند في هجوم إرهابي بالعياط. الحكومة: صرف تعويضات المقاولين لاستكمال المشروعات المتوقفة. البنك المركزي: ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي إلى 31 مليارا و305 ملايين دولار. وإلى التفاصيل:

لهذا تتحرش السعودية بقطر

الكلام عن الأزمة الخليجية لا ينتهي، وفي هذا الشأن ذكرت «البديل»: «تدعي السعودية أنها تشن حربا على قطر، لدعم الأخيرة للإرهاب، لكن إذا بحثنا جيدا، سنجد ما يساعد على تفسير الأزمة، التي تكمن في احتياطات الدوحة ذات القيمة الكبيرة من الغاز الطبيعي. وغالبا ما ينظر الناس إلى دول الخليج في الشرق الأوسط على أنها غنية، نتيجة للثروة الهائلة من النفط، لكن النفط غير موزع بالتساوي في المنطقة، كما أنه ليس المصدر الوحيد للدخل النقدي القائم على الموارد الطبيعية. أصبحت قطر من أغنى دول العالم بفضل الغاز الطبيعي وليس النفط، وبالتالي يمكن تفسير استهداف هذه الدولة في منطقة الخليج، والهدف من حملة العزل التي تصادف الأزمة الدبلوماسية الأكثر حدة في الشرق الأوسط منذ عقود. الحقيقة أن الاقتصاد القطري لا يعتمد على النفط مثل السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، ورئيسة منظمة أوبك، حيث تنتج الدوحة أربعة أضعاف عائدات التصدير من الغاز الطبيعي أكثر من النفط، ولا تحتاج إلى اتباع أساليب الرياض للبقاء على قيد الحياة، نتيجة انخفاض أسعار النفط. الغاز الذي يتم تصديره من قطر يصل إلى أنحاء العالم، ويتم توزيعه من خلال خطوط أنابيب غير تابعة للدول الغاضبة من الدوحة، هناك مشكلة أخرى لدى هذه الدول، أن معظم صادرات الدوحة من الغاز الطبيعي يأتي من حقل غاز بحري في الخليج العربي تتقاسمه مع إيران، وبالتالي لديها مصلحة في الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران عدو السعودية، وبما أن السعودية لا تستطيع السيطرة على قطر من خلال النفط، تستخدم نفوذها الدبلوماسي الكبير في المنطقة، لإيذاء الاقتصاد القطري بطريقة أخرى».

التاريخ لن يرحمه

«ما من مرة ينوي فيها حاكم مصري أن ينفرد بالسلطة إلا ويبدأ بمحاولة تطويع القضاء وفقا لأهدافه ومراميه، حتى أصبح تاريخ الحركة الوطنية المصرية، كما يشير سليمان الحكيم في «مصر العربية» في جزء كبير منه، هو تاريخ الصراع بين الحاكم والقضاة. والذي يقرأ تاريخ مصر قديمه وحديثه سيدرك بوضوح هذه الحقيقة الراسخة. فمنذ عصر المماليك وحتى الآن تتوالى فصول هذه القصة التي بدأت بالعز بن عبد السلام، قاضي قضاة مصر في العصر المملوكي، وأعتقد أنها لن تنتهي عند القاضي الجليل المستشار يحيى الدكروري، الذي استبعده السيسي من رئاسة مجلس الدولة رغم أحقيته بها قبل غيره، حسبما قررته إرادة الجمعية العمومية في مجلس الدولة بإجماع آراء أعضائها الأجلاء. ولو أدرك الرئيس السيسي أنه برفضه لتعيين المستشار الدكروري سيمنحه شرفا لم يصبه إلا القليل من عظماء المهنة عبر تاريخها، لتردد قبل أن يمنحه هذا الشرف الرفيع. ويكفي المستشار الجليل يحيى الدكروري شرفا أن يخصه رئيس الجمهورية ومجلس النواب بقانون السلطة القضائية، الذي أعد خصيصا لإقصائه عن المنصب المستحق، وهو الشرف الذي نالته المستشارة تهاني الجبالي من قبل في عهد الإخوان، الذين أجروا تعديلا في الدستور يسمح بحرمانها من عضوية المحكمة الدستورية العليا. وهو الشرف الذي ناله أيضا المستشار هشام جنينة. وهكذا جرى «اللعب» بالدستور والقانون لشرعنة الاستبداد والانفراد بالسلطة، وإقصاء الشرفاء والممانعين من مناصب يستحقونها، لتصبح مثل تلك الإجراءات المتعسفة شهادة لهؤلاء بالشرف والنزاهة، وإعلاء سلطة القانون على أية سلطة أخرى، في مقابل شهادة أخرى على إساءة استغلال السلطة إمعانا في الاستبداد وتغييب الديمقراطية وترسيخ الفساد بدعوى الحفاظ على الاستقرار واستمرار المسيرة.. نحو الهاوية».

يده الغليظة تؤلم

«قرار رفع الأسعار لم يكن مفاجئا، على حد رأي محمد سعد عبد الحفيظ في «مصر العربية» فالحكومة والبرلمان والإعلام والشعب كانوا على علم، وارد أن تكون نسبة الزيادة الأكبر من نوعها منذ بدء إجراءات تحرير دعم المواد البترولية هي التي فاجأت الناس، لكن السلطة بمؤسساتها المختلفة بشرتنا بهذا الخراب المستعجل تحت يافطة برنامج الإصلاح الاقتصادي قبل عام تقريبا، والقرار الأخير تحديدا تم التأكيد عليه أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة. في يونيو/حزيران 2015 قال السيسي موجها كلامه لمواطني المحروسة: «سنتين كمان هتلاقوا أمر عجيب حصل في مصر، وهتستغربوا حصل إزاي»، حينها طلب أعضاء حزب الاستقرار ورافعي شعار «عايزين عجلة الإنتاج تدور» من أصحاب النظارات السوداء من أمثالك وأمثالي، أن يعطوا للرجل فرصته ليعمل في صمت والحساب يجمع في يونيو 2017 بعد انتهاء العامين. الحقيقة أن السيسي لم يخدع المصريين، فعندما بشرهم بـ»العجب» قبل عامين لم يسأله حينها أحد عن ماهية هذا العجب، ولا طريقة الوصول إليه، حزب الكنبة تعامل مع «المخلص» باعتباره «بابا نويل» الذي سيخرج من جرابه أظرف العجب ويوزعها عليهم، قبل انتهاء مدته الرئاسية الأولى بعد انقضاء المهلة التي حددها «رئيس الضرورة» اكتشف المصريون أن العجب الذي وعدهم به الرجل ما هو إلا مجموعة من الإخفاقات والفشل في معظم الملفات، نتج عنها إفقار الشعب وتجويعه وإذلاله، والأعجب أن يمر ذلك دون أن يعارضه أحد أو يخرج عليه من خرجوا على أسلافه، لأسباب لم يكن فيها التنازل عن تراب الوطن أو تحويل أكثر من نصف المصريين إلى فقراء في أقل من ثلاث سنوات، أو تأميم المجال العام وتحويل مصر إلى سجن كبير لا يسمح فيه لأحد حتى بالصراخ».

هذا ما جناه علينا

المصريون في مأزق، تعترف به مي عزام في «البديل»: « الجميع يدرك، حتى إن لم يعترفوا بذلك علانية، أن الواقع الحالي لا يمكن أن يصنع مستقبلا واعدا بل العكس، فنحن نصعد بالفعل نحو الهاوية، رغم معاناة الصعود، والنظام الحاكم يطبق نظرية الأرض المحروقة ونسف الجسور، فمصر غارقة في الدين المحلي والخارجي، أرضها منقوصة، وشعبها أصابه الوهن بسبب ما مر به خلال السنوات الست التي تلت ثورة يناير/كانون الثاني، بالإضافة إلى أنه يعاني من انقسام حاد وتفشي الكراهية والشك بين أفراده. الوصول لتوحيد القوى الوطنية والتيارات السياسية ليس سهلا، إعلام النظام سيصور الأمر على أنه تآمر، والسيسي سيحاول بكل الطرق أن يغلق الطريق أمام هذه المحاولة، نجاح الأمر معناه نهاية حكمه، وعلى الجميع أن يدرك أن الصعوبات كثيرة وهو ما يستدعي الاستعداد لها، فهي ستحتاج لطول النفس والمثابرة والصبر والتسامح. ولكن هل تستحق المحاولة كل هذا الجهد؟ نعم لأنها الفرصة الوحيدة أمام هذا الشعب ليثبت لنفسه وللعالم أنه قادر على تغليب مصلحة الوطن على مصلحته الشخصية، وأنه قادر على أن يطور أدواته وينظم صفوفه ليصبح جزءا أصيلا في معادلة الحكم، المواطن يجب أن تكون له قيمة وكرامة وصوت، ليجبر أي رئيس على تحقيق أهداف ثورته: عيش.. حرية.. كرامة، عدالة اجتماعية ومساواة. إن حدث ذلك ستعود مصر إلى مكانتها التي تستحقها بفضل شعبها وليس حكامها، وحينها سينتظم العالم العربي كله على وقع خطواتها، وستكون قائدا لا تابعا، ولن تهزنا قناة الجزيرة ولن ننتظر رز الخليج».

أين الإمام الأكبر؟

«هناك غارة أمنية غاشمة تجري على مدار اليومين الماضيين في أوساط الطلاب المسلمين من «الإيغور»، أبناء تركستان الشرقية الصينية، وقامت قوات الأمن كما يؤكد جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» بحملات دهم مفاجئة وغير مفهومة لمنازل الطلاب وأسرهم، واقتحام المطاعم التي يتناولون فيها طعامهم، أو المقاهي التي يجلسون عليها، حيث تم اعتقال العشرات منهم، وتبعثرت أسرهم وأطفالهم، وهربت أسر أخرى لتحاول الاختفاء من تلك الغارة الأمنية، لأن من يتم تسليمه منهم إلى الصين فسوف يحكم عليه بأحكام رهيبة، تتراوح بين خمسة عشر عاما والسجن المؤبد، وبعضهم يتعرض للحكم بالإعدام، بعد أن قررت السلطات الصينية إنهاء دراستهم للإسلام في الأزهر، لأسباب غير قانونية، وهم يصرون على استكمال دراستهم الدينية. وأمس وأول أمس، قامت السلطات المصرية باعتقال الطلاب التركستانيين الذين يدرسون في الأزهر الشريف، وهم حوالي 500 طالب، تمهيدا لترحيلهم إلى بلادهم، فيما يبدو أنها جزء من صفقة سياسية أو توددا مصريا إلى الصين، وقد تم اعتقالهم من أماكن إقامتهم، ومن المطاعم والأماكن العامة التي يمكن أن يترددوا عليها، ومن حاول الخروج من مصر، تم اعتقاله في المطار، وقد ترك النساء والأطفال بيوتهم خوفا من اعتقالهم، وكانت السلطات الصينية المعادية التي تحاصر كل معالم الإسلام هناك، حتى حظرت على المسلمين صوم رمضان، قد طالبت الطلاب التركستانيين بإلغاء دراستهم في الأزهر والعودة إلى تركستان الشرقية، ومن يمتنع عن العودة ويصر على استكمال الدراسة، فسيتم اعتقال ذويهم والزج بهم في السجون، وهذا ما قد حدث بالفعل يا فضيلة الإمام، أبناءك أبناءك، الله الله فيهم، ولا يصح أن يتركوا نهبا لصفقات سياسية قصيرة النظر، فهؤلاء في الأمد البعيد هم سفراء مصر الحقيقيون».

العودة إلى حديقة الأشرار

«لا مجال للشك في أننا خسرنا الكثير من الخطوات نحو ترسيخ الدولة المدنية الحديثة، فحال المجتمع المدني، كما ترى كريمة كمال في «المصري اليوم»، ليس خافيا على أحد، وحال الأحزاب يتطور من السيئ إلى الأسوأ بشكل سريع، حتى وصلنا إلى حد اعتقال أمين التنظيم في حزب شرعي معلن من بيته وتوجيه تهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية له، بينما هو أمين تنظيم الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي.. وحال استقلالية المؤسسات تدل عليه حال نقابتنا – نقابة الصحافيين، وحال المؤسسات القضائية التي بات تعيين رؤسائها في يد رئيس الجمهورية. أما الدستور واحترامه والعمل من خلاله، وأيضا احترام القانون وأحكام المحاكم، فيكفي ما جرى في تيران وصنافير، دليلا على هذا الحال. أما الإعلام، فلم يعد يبقى سوى الصوت الواحد الذي يتحدث باسم النظام، وتم إخفاء أي صوت آخر، ولم يتم الاكتفاء بهذا، بل لجأ النظام إلى الإعلانات المدفوعة للتأثير في المواطنين، وأكثر من هذا لجأت المؤسسات إلى الدراما لتغير من صورتها، كما فعلت وزارة الداخلية من خلال مسلسل «كلبش»، ولن نثير الجدل حول ما الذي يؤثر أكثر: كل هذه الدعاية المصنوعة أم الواقع على الأرض؟ فهذا في حد ذاته يحتاج إلى مقال، وربما أكثر، لكن ما نحاول مناقشته هنا هو شيء آخر تماما، وهو مبررات السلطة الحاكمة للجوء إلى كل هذا، وهي تعرض مصر للمؤامرات والإرهاب، فهل كل ما تم، ويتم هو مرهون بفترة عصيبة، كما يقولون، وعندما تمر سوف نسترد كل ملامح أو بعض ملامح الدولة المدنية الحديثة ليست الديمقراطية، ولكن التي- على الأقل- تسعى على طريق الديمقراطية؟ الإجابة واضحة وضوح الشمس إذا ما استعدنا كل ما جرى، وهي- قطعا- بالنفي».

تفريط يستوجب المحاكمة

نتوجه نحو المعارك التي لا تنتهي حول الجزيرتين، فبحسب يحيى حسن عمر في «الشعب»: «كان تفريط الحكومة المصرية – التي تنتمي لشعب تشكل الأرض وكل سنتيمتر فيها جزءا من وجدانه – في جزيرتي تيران وصنافير التي لم يكن للدولة السعودية أي سيادة عليها، ولا رفع عليها العلم السعودي مطلقا، ولا حاربت من أجلها وتركزت عليها قواتها، وذلك بدعوى وجود خريطة هنا أو هناك تثبت ملكية السعودية لها، وهي التي لا تأبه أصلا بالخرائط، ولم تتشكل دولتها تبعا لخرائط امتدت السيادة إليها وإنما العكس، فقد جاءت الخرائط لتقرر ما وصل إليه سيف الملك عبد العزيز، أو ما قصر عنه سيفه، بل توسعت الدولة حتى عن الخرائط، كما هي حالة خور العيديد، من هنا كان التفريط إجراميا ومعيبا. وفي المقابل يبدو اهتمام الحكومة السعودية فجأة بالجزيرتين مشبوها جدا، فالأرض بحد ذاتها كما ذكرنا لا تمثل قيمة ما في الوجدان السعودي، إلا بمقدار ما قد تحتوي من ثروات، أو تقدمه من سيطرة، وليس بمنطق الفلاح المصري أن الأرض عرض، ولكن بمنطق البدوي أن أرض المقام هي الأمثل والأربح، فما الذي ترجوه الحكومة السعودية حاليا من هاتين الجزيرتين، حتى تضغط على مصر بهذه الطريقة المهينة وتأخذهما بما يشبه الابتزاز؟ نظريا ليس فيهما ما يغري أو يفيد السعودية، اللهم إلا في ما يقال عن ارتباط هذا بتدويل الممر الملاحي لمصلحة إسرائيل، مقابل الرضا الإسرائيلي ومن ثم الأمريكي عن الترتيبات الجديدة في الدولة السعودية، وعلى هذا تكون الحكومة المصرية قد مدت الجملة الشهيرة على استقامتها، فأعطت ما لا تملك… لمن لا يستحق، لمصلحة من لا يستحق».

وفاة النظام العربي

نبقى مع الأزمة العامة التي تعاني منها امتنا العربية، وبحسب جميل مطر في «الشروق»: «الدلائل كثيرة في مرحلة الاخفاق الأعظم. مرحلة فشل فيها النظام ومؤسسته، أي جامعة الدول العربية، في وقف الانهيار الاقليمي الهائل نحو حرب أو حروب في سوريا وليبيا، وحرب أو حروب في اليمن وأشباه حرب في العراق. قيل وقتها إن النظام الاقليمي لم يصمد في وجه قوى الربيع العربي المندفعة نحو تحريك كل راكد. قيل أيضا إن النظام بريء من تهمة النكوص عن مسايرة تيار النهضة، إنما انشغال الحكومات العربية جميعها بدون استثناء بحماية «الوضع القائم» في دولها كان وراء إخفاق النظام ومؤسساته. يقال الآن، وربما بحق، إن النظام العربي كان منشغلا من ناحيته بالمرحلة الانتقالية التي كان دخلها قبل حلول الربيع العربي بسنوات. في تلك المرحلة كان واضحا السعي الحثيث من جانب دول عربية كبيرة لاحتلال مكان القيادة في النظام، دول كبيرة ودول صغيرة على حد سواء. كانت الفرصة مناسبة، إذ غاب البديل التقليدي، كما غاب أي تحالف ممكن أن ينشأ ويتولى القيادة ويتحمل مسؤولية مصاعب وتكلفة انتقال النظام من حال إلى حال جديدة تماما. لاحظنا ولاحظ العالم الخارجى بكل الاهتمام والفضول كيف أن دولا صغيرة جدا ولكن غنية جدا، وتحوز شبكة علاقات دولية واسعة اندفعت لتشارك في سباق الصعود إلى مراتب قيادة في النظام، تدفعها خلفيات قبلية وسياسية ومذهبية، ويحثها فراغ القيادة وضعف استعداد الدولة الأخرى الكبيرة، وغياب التحالف المستعد لقيادة نظام في مرحلة انتقال. شهدنا محاولات شتى لصنع نظام جديد لتوازن القوى في العالم العربي في ظل ظروف غير عادية. كنا شهودا على محاولة أخيرة فاشلة لصنع تجمع من أعضاء في النظام يقف على هامش النظام العربي. فهمنا أن الهدف من وجوده على هامش النظام العربي، أن يكون في داخله ولكن قريبا من السطح، وفي الوقت نفسه يتمدد خارجه، بحيث يبقى مستعدا دائما ومؤهلا لاستقبال دول غير عربية. تكررت المحاولة وكانت تفشل في كل مرة».

يراه الظمآن ماء

نتحول نحو ما تزعمه الحكومة إنجازات تحققت ويتصدى لها أشرف البربري في «الشروق»: «على إيقاع دقات «المطبلاتي» الذي انتقدته الحكومة نفسها في حملة دعائية مدفوعة الأجر من أموال دافعي الضرائب، استمتع الشعب المصري بعروض «1095 يوما» إنجازات وسعادة، في إشارة إلى السنوات الثلاث الأولى من حكم النظام الحالي، حيث انطلقت هذه الحملة الترويجية عبر الإنترنت والتلفزيون الرسمي والصحافة الحكومية والمستقلة. الطريف أن العقول التي تقف وراء هذه الحملة، لم تتوقف عند نقطة بسيطة، وهي أن سنة 2016 كانت سنة كبيسة، وبالتالى فعدد أيام السنوات الثلاث الأولى لنظام الحكم الحالي، هو 1096 وليس 1095. الإنجازات من منظور حملة «1095 يوما» لا تعد ولا تحصى، لكن الطابور الخامس من المحرضين على «بث المناخ التشاؤمي» و«أعداء النجاح» و«لابسي النظارة السوداء» يحجبون هذه الإنجازات عن الشعب، فلا يستمتع بها بعيدا عن الهفوات البسيطة للحكومة التي يتم تضخيمها من أجل الإساءة إليها. فمن الصحة إلى التعليم، ومن السياسة الخارجية إلى الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ومن الطرق والكباري إلى المليون ونصف المليون فدان، كلها إنجازات تحققت لا يراها إلا من يخلع النظارة السوداء ويرتدي «نظارة 1095» القادرة على تجاوز المناخ التشاؤمي لكي تضع المواطن في «قلب الإنجاز». لقد جاءت هذه الحملة في وقتها تماما، لأن أصحاب «الأجندات الخاصة والنظارات السوداء» يصرون على تضخيم الهفوات والآثار الجانبية البسيطة لمسيرة الإنجازات، فيعتبرون بناء إثيوبيا لسد النهضة وتجاهل كل الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، فشلا للسياسة الخارجية، ويعتبرون التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح السعودية تخليا عن أرض الوطن، ويعتبرون زيادة الدين المحلي بمقدار المثلين تقريبا والدين الخارجي بمقدار الضعف فشلا اقتصاديا، ويعتبرون زيادة أسعار الوقود والكهرباء بنسب وصلت إلى أكثر من 300% في بعض الحالات محاولة من جانب الحكومة لتحميل الشعب ثمن فشل إدارتها لموارد البلاد».

أهلا بالاستبداد

«قانون الهيئة الوطنية للانتخابات الذي أقره البرلمان مؤخرا مثار تنديد الكثيرين، من بينهم فراج إسماعيل في «المصريون» لأنه يلغي وجوب الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات اعتبارا من 17 يناير/كانون الثاني 2024. ولولا أن دستور 2014 أقر أن تجري جميع الانتخابات خلال السنوات العشر التالية للعمل بالدستور تحت إشراف قضائي كامل، لربما تم التعجيل بالإلغاء. لا أعرف كيف يمكن أن يصدق العالم نتيجة أي انتخابات مقبلة، بدون إشراف قضائي كامل، وكيف سنثق بأن السلطة التنفيذية لم تتدخل وتضع بصمتها، وهو ما تكرر كثيرا في السابق. إذا كانت هذه عورة في قانون الهيئة الجديدة، فإن العورة الأكبر هي تلك التي تضمنها الدستور بتحديد مدة العشر سنوات دون أي تأكيد بوجوب استمرار الإشراف القضائي، ومن ثم استند واضعو القانون إلى ذلك فاستبعدته المادة «34»، ويجوز للهيئة الوطنية للانتخابات الاستعانة بأعضاء الجهات والهيئات القضائية بعد ذلك التاريخ، أي أنه لم يعد ملزما. الأمر هنا ليس فيه شبهة محاباة للسلطة التنفيذية الحالية، فالانتخابات الرئاسية المقبلة 2018 ستجري تحت إشراف قضائي كامل، وكذلك اللاحقة لها عام 2022 التي لن يكون الرئيس السيسي بأي حال طرفا متنافسا فيها. لكن كان يجب الإبقاء على الضمانة القضائية المعتمدة عالميا، خصوصا أننا نتكلم عما بعد 17 يناير 2024، أي لن يستفيد منه الموجودون في مواقع المسؤولية حاليا. لماذا لم يوفروا هذه الميزة للأجيال القادمة، بل أجازوا الاستعانة بالعاملين المدنيين في الدولة، مع إنهم بداهة تابعون للسلطة التنفيذية، يأخذون رواتبهم وترقياتهم منها. النص على أن الهيئة مستقلة لها شخصية اعتبارية واستقلال فني ومالي وإداري، ينال منه أو قل يشكك فيه، مشاركة العاملين في الجهاز الإداري».

مؤامرة على المرضى

أكد الدكتور أحمد عماد، وزير الصحة، عدم السماح بأي زيادة في أسعار الدواء، وأضاف: «محدش يتكلم معايا في الموضوع ده تاني، واللي مش هايقف جنب البلد يطلع منها ويسيبها». النصف الأول من الكلام وفقا لمحمود خليل في «الوطن» جيد ومطلوب، لكن عبارة «اللي مش عاجبه البلد يسيبها» تستحق التحفظ. حديث الوزير الطبيب المتحمس بعدم سماح الوزارة بأية زيادات في أسعار الدواء جميل، حبذا لو ينفذ. المسؤولون في هذه الدولة لا يتوقفون عن التصريحات التي تؤكد عدم زيادة الأسعار، لكن الكلام شيء، والفعل شيء آخر، لأن التجربة الواقعية تقول إن أسعار جميع السلع – بلا استثناء- تزيد، وترتفع يوما بعد يوم، المسؤول يقول تصريحات، لكن الواقع له حسابات أخرى فليستخدم الوزير الطبقة التي يشاء من حنجرته، وليوظف إشارات يده أو تقاسيم وجهه، وليرتدِ ما يشاء من أزياء، وليسترجع خطاب الحماسة في سوق عكاظ، لكن ذلك كله لن يكون له قيمة إذا لم يتحرك الوزير في الواقع. أسعار الدواء خلال الفترة الأخيرة زادت بصورة ملحوظة للجميع، فلا يوجد بيت في مصر لا يحتاج إلى دواء، حدث ذلك في ظل تصريحات شبيهة للوزير، والأصناف التي أصرت الحكومة على عدم زيادة أسعارها اختفت من الأسواق، وبيعت في النهاية بالسعر الذي يريده التاجر، وسلّم لي على التصريحات الرسمية. نأمل أن يكون هناك صدى لكلام الوزير في الواقع المعاش يشعر به المواطن. تعالَ إلى الشق الثاني من التصريحات: «اللي مش عاجبه يسيب البلد»، عيب أن تأتي هذه العبارة على لسان مسؤول، أيا كانت الدوافع. فالمسؤول في النهاية مواطن، وليس من حق مواطن أن يمنح صكوك الوطنية لغيره».

ماذا يخبئ له القدر؟

الشأن الفلسطيني يشهد كثيرا من الغموض تهتم بفك طلاسمه جيهان فوزي في «الوطن»: «غضب الرئيس عباس بسبب ما سماه دعم بعض الدول في المنطقة لدحلان، خاصة التقارب الأخير مع حركة حماس، واستضافة القاهرة لوفد من حماس بقيادة رئيسها في غزة يحيى السنوار، الذي كان مفاجئا وجديدا، لأنه لم يتوقعه وخرج عن سيطرته أو التنسيق معه، وهو ما ترك مساحة للتكهنات بأن قضايا غزة تحل بعيدا عن الوحدة الفلسطينية، وبعيدا عن الرئيس عباس أيضا، ودون إشراف من حكومة الوفاق الوطني. ويبدو أن القاهرة اتخذت قرار تقريب دحلان وحماس، بعد أن درسته بعناية فائقة، وهي تدرك خطورة هذا الموقف قبل الإقدام عليه، بعد أن يئست من فشل عباس في تقديم خطة حقيقية تحمل حلولا لأزمات قطاع غزة في ضوء ضعف التنسيق بين عباس والرئيس السيسي، وهو السبب نفسه الذي دعا حماس لاتخاذ مواقف مقربة مع دحلان برعاية مصرية، فما يهم مصر في الوقت الحالي تأمين حدودها، ومنع تسلل أي شخص بشكل غير قانوني لأراضيها، بما يهدد الأمن القومي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الهدوء مع تخوم قطاع غزة، لأنه جزء من الأمن القومي، وهو ما لبته حماس على الفور، فسارعت ببناء المنطقة العازلة على المنطقة الحدودية لإثبات حسن النوايا والجدية في طي خلافات الماضي. من غير المتوقع أن تستجيب القاهرة لرغبة عباس في وقف اتفاق دحلان – حماس، إذا طالبها بذلك، على الأقل في المدى المنظور، رغم وجاهة مطلب «عباس» إذا ما صب هذا الاتفاق في مصلحة إسرائيل، بما يعزز الاحتلال ويخرجه من دائرة تحمل تكاليف احتلاله بعزل قطاع غزة».

الفساد يزدهر

انضمت واقعة تعيين ولدي شقيقة الدكتور علي عبد العال، رئيس مجلس النواب، وهما أشرف وإسلام محمد حامد، الأول في شركة مصر للبترول، والثاني في الشؤون القانونية في شركة عجيبة للبترول، دون مسابقة كما ينص الدستور، إلى قائمة طويلة من المجاملات شهدها البرلمان منذ اليوم الأول لانتخابه، حيث كشفت مصادر برلمانية عن وجود أكثر من 30 نائبا توسط لتعيين أبناء أو أقارب له في الجهاز الحكومي، بتوصية من الوزير المختص. كشفت نتائج الدفعة الماضية لكليات الشرطة التي تم قبولها من الطلاب لعام 2016 – 2017، عن وجود أكثر من 150 طالبا، بين نجل نائب أو قريب له، ما أثار حالة من الجدل والانتقاد على جميع الأصعدة. وخلال الفترة الماضية، كشفت بعض المواقع الإخبارية عن قائمة معينين من أبناء وأقارب مسؤولين في وظائف حكومية، أبرزهم نجلة وزير الأوقاف، شيماء محمد مختار جمعة، في إحدى شركات البترول، أيضا تعيين ابنة المهندس رضا عبد الصمد، رئيس شركة السويس للبترول، بشركة أموك للزيوت، ومؤخرا، تم تعيين نجلة شقيقة زوجة رئيس الوزراء، ونجلة رئيس شركة جنوب الوادى القابضة، بشركة إنبي. كما فجّر تعيين أكثر من ألف و500 شاب في وظيفة كاتب رابع في هيئة النيابة الإدارية، أزمة واسعة امتدت آثارها إلى البرلمان، حيث تقدم عشرات النواب باستجوابات عاجلة لرئيس الحكومة ووزير العدل، اعتراضا على المجاملات والمحسوبية التي شهدتها التعيينات.
وقال الدكتور محمد غنيم،، إن المحسوبية في التعيينات تنسف مفهوم العدالة الاجتماعية محمد بدر، المنسق العام لحملة راقب نائب، قال إن الوضع داخل مجلس النواب تحول إلى البحث عن مكاسب شخصية، وكل نائب بمن فيهم رئيس المجلس، يسعى إلى تحقيق أكبر مكاسب خلال ولايته».

المحسوبية في التعيينات تنسف مفهوم العدالة الاجتماعية والنظام يطبق نظرية الأرض المحروقة ونسف الجسور

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية