أصدرت المحكمة العليا في انكلترا وويلز حكما تاريخيا يوم الخميس الماضي يقضي بالزام الحكومة البريطانية بقيادة تيريزا ماي بأخذ الموافقة أولا من البرلمان البريطاني قبل الدخول في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي.
المحكمة التي تشكلت في هذه الحالة القضائية الفريدة والاستثنائية تكونت من أعلى ثلاثة قضاة برئاسة رئيس القضاة في انكلترا وويلز اللورد توماس بالإضافة إلى السير تيرنس اذرتون «رئيس المحكمة المدنية» واللورد جستيس سالس.
القضية تم رفعها من خلال مواطنين وهما السيدة ميلر والسيد دوس سانتوس اللذين سعيا لاستصدار حكم يلزم الحكومة بأخذ موافقة البرلمان قبل البدء في إعلام مجلس الاتحاد الاوروبي، بالإضافة إلى إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي.
انضم إلى القضية ثلاثة أطراف إضافيين (وصفوا بأطراف معنية) أعطتهم المحكمة الحق بالمرافعة. وكانت فرق المحاماة مكونة من مجموعة كبيرة من المحامين، من ضمنهم محامون من مجلس الملكة، كما ان الحكومة شكلت فريقا كبيرا من المحامين من ذوي الخبرة العالية، ليصل المجموع إلى 25 محاميا، جميعهم من كبار المحامين في بريطانيا.
العديد من المحللين رأى في قرار المحكمة العليا مثالا جديدا على استقلال القضاء البريطاني عن السلطات التنفيذية في هذه البلاد.
كما هو معروف، فخلفية القضية جاءت على نتائج الاستفتاء الذي جرى في بريطانيا في 25 حزيران/يونيو الماضي وفي هذا الاستفتاء صوت البريطانيون على سؤال واحد فقط هو «هل يجب على المملكة المتحدة ان تبقى في الاتحاد الأوروبي؟» وقد أجاب 52٪ من المصوتين لصالح مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي.
صوتت الأغلبية لمغادرة الاتحاد الأوروبي، لذا فقد تسائل الكثير من البريطانيين وغيرهم عن السبب وراء عدم قيام الحكومة بتنفيذ ما جاء في هذا التصويت؟ وأيضا عن الحاجة إلى وجود دعوى قضائية بخصوص موضوع الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وللإجابة على هذه الأسئلة العامة لابد من تقديم شرح موجز عن الدستور في المملكة المتحدة.
كما هو معروف فالمملكة المتحدة ليس لها دستور مدون بوثيقة واحدة، كما هو متواجد في معظم دول العالم. ان الدستور البريطاني تاريخيا لم يعترف بالاستفتاءات كوسيلة لاتخاذ القرار، ويجب ان نضع في عين الاعتبار ان الاستعانة بالاستفتاءات حديثة جدا في تاريخ بريطانيا وذلك يعود لمبدأ سيادة البرلمان في اتخاذ القرار. وتأكيدا على ذلك فقد حدثت في تاريخ بريطانيا ثلاثة استفتاءات فقط غطت المملكة المتحدة، أولها كان في العام 1975 بشأن عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وثانيها في العام 2011 على اعتماد نظام التصويت البديل في الانتخابات البرلمانية، والثالث كان في العام 2016 حول البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وبهذا وبعد إعلان نتائج الاستفتاء أعرب بعض الأطياف من الرأي العام عن خيبة أمل وعدم تصديق النتيجة، ورحب البعض بها معتبرين ان بريطانيا استعادت السيطرة على عظمتها واستقلالها.
ميلر وهي سيدة أعمال، وأحد أطراف القضية، قبيل الدعوى القضائية عبرت عن استيائها من نتيجة الاستفتاء بقولها «اعتقد أن الناس قد تم خداعهم» وبالتالي رشحت طاقم محامين لرفع قضية أمام المحكمة العليا البريطانية محاولة الحصول على قرار يجبر الحكومة الذهاب إلى البرلمان قبل الخروج من الاتحاد الأوروبي.
الجدل القانوني أمام المحكمة
1. وكما ذكرنا أعلاه، المملكة المتحدة ليس لها دستور مدون. وقد تطور الإطار الدستوري على مدى قرون.
2. واحد من المبادئ الأساسية وحجر الزاوية المؤسس للعملية الديمقراطية البريطانية هو مبدأ السيادة البرلمانية.
3. مبدأ السيادة البرلمانية يعني أن البرلمان يمكن أن يقوم بسن أي قانون ويقوم بالتصويت عليه. خلافا لبلدان أخرى، فإن المملكة المتحدة لا يوجد لديها المحكمة الدستورية التي يمكن لها أن تقوم «بمراجعة» قانون أقره البرلمان ومن ثم تقوم بالغاء هذا القانون اذا رأت أن القانون «غير دستوري».
الدعوى القضائية لم تكن حول شرعية الاستفتاء، بل حول ما إذا كان على الحكومة الواجب القانوني التوجه إلى البرلمان للحصول على الموافقة قبل ان تقوم ببدء المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي المؤدية إلى خروجها من الاتحاد.
ان بريطانيا حين انضمت إلى الاتحاد وقعت على معاهدة لشبونة. وتم التوقيع على معاهدة لشبونة من قبل أعضاء الاتحاد الأوروبي عام 2007 ودخلت حيز التنفيذ عام 2009. ومن حيث الجوهر، شكلت الأساس الدستوري للاتحاد. ومن ضمن الفقرات الاساسية للمعاهدة الفقرة (50) التي تضع شروطا على الدولة التي تريد الخروج من الوحدة الاوروبية. وتنص المادة (50) من معاهدة لشبونة على:
أ) أي دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد أن تقرر الانسحاب من الاتحاد (يجب القيام بذلك) وفقا للمتطلبات الدستورية الخاصة بها.
ب) يجب على الدولة العضو التي تقرر الانسحاب القيام بإخطار الاتحاد الأوروبي بذلك.
وبالتالي يتبين من المادة 50، ان هناك في الجوهر مطلبين أساسيين يفترض على أي حكومة تسعى لترك الاتحاد الأوروبي تطبيقهما.
الأول هو أن قرار «الانسحاب يجب أن يتوافق مع المتطلبات الدستورية» في هذا البلد. والثاني هو أن الحكومة «يجب أن تخطر» المجلس الأوروبي.
وكما ذكر أعلاه، من الناحية التاريخية، لم يكن للاستفتاءات مكان في الدستور الانكليزي، وهكذا يمكن للبرلمان فقط من تمرير القوانين وتعديلها.
ويترتب على ذلك ان نتائج أي استفتاء ليست ملزمة قانونيا من دون قرار برلماني يدفعها، (لكن من الواضح أن لها تأثير سياسي كبير).
ونتيجة لهذا الوضع الدستوري الفريد من نوعه، ومن أجل تطبيق نتائج الاستفتاء، على الحكومة أن تسعى للحصول على قرار من مجلسي البرلمان. وفقا لذلك، وهذا يعني أن على المملكة المتحدة ليتوافق قرارها مع المادة 50، فإنه يجب عليها الحصول على تصويت البرلمان للسماح للحكومة بدء المفاوضات من أجل الخروج من الاتحاد الأوروبي. وبدون تصويت برلماني، يجادل المحامون المختصون بالقانون الدستوري أنه سيكون من غير القانوني أن تتفاوض الحكومة مع الاتحاد الأوروبي. وجاء هذا الجدل في هذه الطريقة: حيث أن أعلى سلطة في المملكة المتحدة هي البرلمان، فالإشارة إلى «الامتثال للموقف الدستوري» بموجب المادة 50 لا يمكن أن تتحقق إلا إذا أقر البرلمان انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.
وبناء على ذلك، فإن الحكومة لا تملك الحق في «إبلاغ» المجلس الأوروبي قرار الانسحاب قبل الحصول على الموافقة البرلمانية لمثل هذه الخطوة.
أولئك الذين يدافعون ويدعمون الحاجة إلى مناقشة برلمانية، يعتمدون على مبدأ أن الاستفتاءات ليست جزءا من الدستور والتأثير القانوني على عكس التأثير السياسي للاستفتاء ليس ملزما للحكومة.
وكانت الحكومة تحت قيادة ماي رفضت هذه الحجج. وصرحت انه يحق لها أن تبدأ عملية التفاوض والإخطار المطلوبة بموجب المادة (50). وتعتمد الحكومة على نتائج التصويت تحت عنوان «الشعب قال كلمته» ومن الناحية القانونية، سعت إلى القول أن لديها القدرة القانونية لتنفيذ نتائج الاستفتاء دون الحصول على موافقة البرلمان بالاعتماد على القوة التي تتمتع بها كسلطة تنفيذية تحت مبدأ تاريخي يسمى (الامتياز الملكي).
و(الامتياز الملكي) هو السلطة التي تسمح للحكومة بأخذ قرارات دون اللجوء الى البرلمان. ومن الأمثلة على ذلك إعلان الحرب ودخول المعاهدات. عندما تمارس الحكومة صلاحياتها بموجب شروط الحق الملكي، فإنها تقوم بفعل ذلك دون الحاجة إلى موافقة البرلمان.
ولكن المحكمة التي تشكلت من كبار القضاة في بريطانيا قضت انه لا يجوز قانونيا أن تعتمد الحكومة على قوة (السلطة الملكية) لبدء عملية التفاوض، وإذا فعلت ذلك فان قراراتها وتصرفاتها لن تكون قانونية، وفقا لذلك فقرار المحكمة يعني أن الحكومة يجب عليها الحصول على موافقة البرلمان قبل أن تبدأ عملية الإخطار بالخروج.
وكان أحد أسباب الأساسية التي اعتمدت عليها المحكمة لوصول الى قرارها المبدأ الذي يقول انه لا يجوز للحكومة الاعتماد على (السلطة الملكية) لتقليل حقوق المواطن. والمحكمة قررت ان الاعتماد على السلطة الملكية يعطي الصلاحية للحكومة بابرام المعاهدات الدولية وحتى إعلان الحرب ولكن لا يجوز لها الاستعانة بهذا المبدأ للخروج من الاتحاد الأوروبي لان الخروج سيقلص من حريات المواطنين البريطانيين.
وقد أشارت الحكومة بالفعل إلى أنها ستستأنف قرار هذه المحكمة إلى أعلى محكمة استئناف وتم تحديد تاريخ 7 كانون الاول/ديسمبر للجلسة. المحكمة التي ستنظر في الاستئناف عادة ما ستتكون من 11 من كبار القضاة في بريطانيا.
وقد تسائل البعض فيما إذا خسرت الحكومة القضية هل ستحاول الطعن بقرار محكمة الاستئناف الأخيرة والتوجه إلى المحكمة الأوروبية؟ غير ان الكثير من المعلقين يقولون ان هناك صعوبات قانونية وسياسية لتحقيق ذلك.
٭ حامل لقب محامي الملكة
المستشار ميشيل عبد المسيح