رشيد المومني
إن جوهر الشيء- أصله – يظل حاضرا في الظل بعنفه الميتافيزيقي، بالرغم من تعدد إبدالاته التي توحي بغيابه، وباحتجابه التام، كما هو الشأن بالنسبة لميكانيزمات السلطة، التي تبقى سارية المفعول عبر تجلياتها المتعددة، برغم التعديلات الرمزية التي تطُولُها، حيث يمكن القول إن سلطة الفرد هي ذاتُها سلطة الجماعة، وسلطة المرئي هي ذاتها سلطة اللآمرئي، كما أن سلطة الأرض لا تختلف-إلى حد ما – عن سلطة السماء، بمعنى أن الأصل/الجوهر، سيظل محتفظا بخصوصيته، مهما حاولت الخطابات الفكرية والإبداعية المضادةُ التخلُّصَ منه بالمحو والإلغاء، لأن ما يُحْيي الأصلَ، وما يساهم في تعدد مستويات تجلِّيه، هو تعَرُّضُه الدائم إلى انْمِحائه. كما أنه وضمن هاجس محافظته على ديمومته، وامتلاك قدرته على التناسخ، فإنه يسعى إلى استعْداء المحو عليه. كما لو أن بقاءه رهبن برغبة الآخر في إفنائه، بمعنى أن الأصل حين يطمئن إلى الرعاية المحيطة به، فإنه لا يلبث أن يفقد قسطا كبيرا من شراسته، ومعها غيرَ قليلٍ من قابليته للمشاكسة، وحدسِه باحتمال تعرضه للإلغاء، حيث يصبح وديعا مُسالما وجاهزا لإخلاء المكان مع تباشير أوَّلِ إعصار. إن الأمر لا يتعلق بمبالغة في التقييم أو الوصف، ولكن بحضور نسق مُستَنفَرٍ، يحيلنا على أنساق الحرب المحايثة لِلُعبةِ تبادلِ الإلغاء التي يرزح الواقع تحت ثقلها، فحيث توجد نِيَّةٌ مبيتة للإلغاء من قِبل هذا الطَّرَفِ أو ذاك، توجد ثمة مواصفاتُ أنساقِ حربٍ قادمة، وهي الأنساق القابلة في أية لحظةٍ لأَن تنقلب على ذاتها، كي تتخذ أشكالا جديدة ومغايرة، ذلك أن تعديلا وتغييرا بسيطا وجزئيا في وجهة النظر، يكون كافيا لقلب المشهد، بما ينطوي عليه من مقولات ومنظومات، كانت من قبلُ شبيهة بعربات موضوعة على سكة مرصوصة، كي تتحول الآن إلى ما يشبه الطيور الكواسر، التي تغير من إيقاع تحليقها مع أول هبة ريح، وهو التغيير المؤثر بشكل أو بآخر في تجديد صفحة الوجود، الذي يضع حدا لكل اكتظاظ عشوائي، يَحُول دون أي حضور مغاير، معيدا بذلك ترتيب المشهد، وبرمجة الأولويات، ومتحملا مسؤولية تنظيف الحديقة من أشواكها، ومن نباتاتها السامة، ومن ورودها البلاستيكية، تنظيفها من الغربان ومن اليعاسيب، وأيضا من ذلك النقيق الذي يلغي أي أمل في الإنصات إلى إيقاعات الدواخل التي هي إيقاعات العقل.
إنه التجديد/المحو، الذي يدعونا إلى إعادة النظر في القوانين المنظمة لحركية عناصر الكون/النص، والتي على أساسها يتم بناء نصوص جديدة، كما يتم على ضوئها إعادة تنظيم الفضاء الرمزي لكينونة الصفحة، وتنظيم قوانين التلقي. إنه المشروع المنبثق من ضرورة ترميم ما يطول ذاكرة القراءة وذاكرة الكتابة من أعطاب، باقتراحات معجمية، ودلالية ونظمية مغايرة، متخذة من المستقبل وجهتها، المضيئة بالأسئلة التي تتردد أصداؤها في جنبات الروح، إنه المشروع الذي لا يتورع عن إحداث تلك الفوضى الضرورية، في قلب الفضاءات المسيجة بيقينها المغلوط، لكونه المدخل المحتمل لزمن تغييري بمستوياته الثقافية والحضارية، وأيضا بوصفه رهانا مركزيا، حاسما ومصيريا في فتح مسالك جديدة أمام حركية الكائن، فمن هذا المنطق سيكون من الطبيعي أن يحدث ذلك الاصطدام بممانعات الأوساط التقليدية، المستميتة من أجل صيانة ألواحها المحفوظة، كي لا يطولها ما تعتبره خطرا يمكن أن يستهدف خطاباتها بالتشكيك الجزئي أو الكلي، لأن التشكيك هو أيضا شكل متقدم من أشكال المحو، وتجَلّ مجازيٌّ للنار التي تأتي على كل متيبس يرعاه اليقينُ. لهذا السبب تحديدا، يُمكن اعتباره قيمة ثقافية، تكمن أهميتها في تأجيج حالة الارتياب من كل توجُّهٍ، يحُول دون ممارسة الكائن لحقه في صياغة نص الوجود، إنه الشك المتميز باستراتيجياته المؤسسة على المعرفي والفكري المضاد، والذي يمتلك ما يكفي من القدرة على التفكيك، كخطوة أساسية في أفق المحو العقلاني، المضطهدِ عادة من قِبل الأوساط المحافظة في المجال الإبداعي أو الفكري، وأيضا من قبل كافة السلطات التي ترى فيه شكلا من أشكال الإخلال بأمنها الاجتماعي، الأخلاقي، أو الثقافي، حيث تكون معنية بحماية ما تكرسه من ثوابت، خشية استهدافها من قِبل محو ما، لأن كل إشارة متعارضة مع قوانينها هي موضعُ شُبْهةٍ، ومندرجة خارج ما هو متواضع عليه من قناعات وقيم وأعراف، الشيء الذي يستدعي التعجيل بمحوها، وهو ما يحيلنا على تلك الحرب القائمة أبدا بين المحو وأضداده، والتي يمكن اختزالها على سبيل المثال بين تضاد الصخب والصمت، وبين المنهجية المعتمدة لدى كليهما في محو الآخر، مع فارق كبير طبعا، في الدلالة وفي المنهجية، حيث لا مجال للحديث عن محو أعمى، همجي ومتسلط، وذي عدوانية إقصائية، في مواجهته لمحو موسوم بعمقه الثقافي والحضاري. وفي السياق ذاته يمكن القول إن السلطة الرسمية، هي أيضا تمتلك تصورها الخاص لمفهوم المحو، على أساس عن وعيها بأهميته الكبيرة، والمتمثلة في تجذير حضورها، وفي رعاية مصالحها. وهو محو يتناقض تماما مع ذلك المتميز بمرجعيته الحضارية والثقافية، والمتمحور حول الإشكاليات الموجَّهة إلى تعبيد طريق الكائن، في بحثه الدؤوب عن مساراته الجديرة به كإنسان. إنه المحو الحضاري المبدع والخلاق، الذي يتنافى مع ذاك المعتمد من قبل السلطة في إدارتها للشأن العام، والذي من خصائصه، الإبقاء على كل شيء تحت السيطرة، من خلال إخضاع المحيط إلى المراقبة الدائمة، تلافيا لأي انفلات أمني، إلى جانب تضييقها لدائرة الحرية التي من شأنها الحد من حركية هذا المحيط، لأن العرقلة المحكمة والممنهجة، والواعية بأهدافها، هي التي تسمح للرقابة بالقيام بمهامها، وخاصة منها تحجيم حركية الشيء، كي لا ينجح في تطوير إمكانياته وقدراته، فالرقابة ومن موقع معاينتها المتوجسة لما يحدث هنا وهناك، حريصة على امتلاكها لما يكفي من القدرة التي تتيح لها فرصة احتواء كل انفلات دلالي متوقع أو لا متوقع، بفعل امتلاكها لحرية مطلقة، تبيح لها ممارسة كل أنواع الشطط الذي يضاعف من إمكانياتها التدميرية لكل ما من شأنه أن يحد من حركية الكائن. فالسلطة تسمح للشيء بالاستمرارية، ضمن الحدود التي ترسمها هي، أي تلك التي يكون فيها المراقَبُ مكشوفا تماما، ومتحركا وفق برمجتها له، لكنها، وحالما تحس باحتمال ظهور شبح المحو، المجسد في خروج المراقب عن السيطرة، كما هو الشأن بالنسبة للتوجهات المعارضة لاختياراتها، فإنها تبادر إلى التسريع بتطويقها ومحاصرتها بمحو مضاد.
ولعل أهم ما تتميز به المنعطفات السياسية، والثقافية، هو اشتغالها بذلك المحو الثقافي المستقبلي الموسوم بعناده وإصراره الكبير، وبقدرته على تجاوز كل السلط المضادة للخلق، باعتباره اختيارا، وقناعة، وموجها برؤية فكرية وجمالية، تشتغل ضمن زمنها الخاص بها، انسجاما مع الموضوع المعني بالمحو، علما بأن الزمن الخاص هنا، هو تعبير غير مباشر عن الشروط العامة التي تتحقق فيها العلاقة المتوترة والقائمة بين الموضوع وبين المشاريع المُعَدَّة لإلغائه، مع التأكيد على أن المحو هو الأفق المنتظر لكل عنصر حي، جسدا كان، فكرة أو نصا، بما هو زوال وبما هو نفي، وتحجيب. ذلك هو المسار الطبيعي للأشياء العاقلة، والمقتنعة بوجوب اختفائها من المشهد بعد استنفادها للغاتها، وخطاباتها، ولمجموع ما تقيمه من علاقات مادية ورمزية سواء مع ذاتها، أو مع الآخر. علما بأن قانون المحو ينسحب أيضا على ما يفتقر إلى القدرة على الاستمرار و البقاء، لأن الصراع الدائم الذي تخوضه العناصر مع الكون، هو صراع من أجل البقاء، ضمن معادلة الوجود والعدم، التي يتجدد بموجبها ذلك الصراع الميثولوجي والأبدي القائم بينهما، حيث يمكن اعتبار كل من الطرفين سلطة في ذاته، وهي سلطة لن تتحقق الا من خلال إلغاء أحدهما للآخر ونفيه، ومحوه، فالبقاء يسعى جاهدا لمحو العدم، كما أن العدم يسعى هو أيضا لمحو البقاء، وهكذا دواليك بشكل تعاقبي، في فضاءات كل من السياسي والثقافي، والحضاري، كما في مسارات الكتابة ونصوصها.