المخبرون المحليّون… والمحليون السّذج: الوقائع من فم الحصان

حجم الخط
0

مع أن معظم المستعمرات السابقة نالت استقلالها، بيد أن المنظومة الاستعمارية الجديدة ما زالت معنية بالهيمنة، ولاسيما في ما يتعلق بمصالح أمنية أو اقتصادية، فمع استهلاك الخطاب الإمبريالي الاستشراقي، ولاسيما بعد تعرية ذلك التلازم البنيوي بين المعرفة والسلطة، وما صحبها من سرديات الهيمنة، نتيجة تبلور وعي مضاد لدى بعض أبناء الشرق المستعمر، وبعض الأصوات من الغرب اليساري التي بددت هذه التصورات الكلاسيكية المفرغة من أي قيمة، أو حدود حقيقية، ولهذا كان لا بد من بناء معرفة جديدة بهدف خلق وعي زائف عبر مجموعة من الخطابات الجديدة، ولكن على أيدي بعض المخبرين المحليين. ما من شك أن الرئيس الكولونيالي ما زال كامناً في مستويات الوعي لدى معظم الشعوب المستعمرة، وتحديداً ذلك الوهم الناشئ عن الخطابات المغرقة بالتنميط لمعنى تفوق الأبيض، وسذاجة الشرق، ولا ديمقراطيته، التي ما فتئت تحضر في واجهة الإعلام الغربي، وثقافته إلى يومنا هذا، بيد أن صوت الغربي بمتعالياته الكلاسيكية، باتت غير مجدية، ولا معنى لوجودها، ولكن الرغبة بإدراك الآخر، وإخضاعه ما زال مستمراً.
إن ما يحفل به الغرب الرغبة بالإبقاء على خطته المحكمة في ما يتعلق بالمستعمرات السابقة، ومحاولة الإبقاء على أنساق الهيمنة، خاصة بعد أن فرغت أسطورة النخب الحاكمة التي تلقت تعليمها من المستعمر، والتي نابت عنه في استمرار الهيمنة لعقود طويلة، ولكن في ظل نشوء سياقات محكومة بقيم العولمة، ولاسيما تحولات العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، حيث أضحت هذه الاستراتيجية غير ذات فاعلية، ولهذا كان لا بد من إنشاء خطابات بديلة، أو استراتيجيات ذات نسق ممارس، يمكن أن تقود إلى تكوين نمط من المعرفة، ولكنها ليست معرفة الغربي تجاه الشرق، أو الآخر، كون هذه الممارسة أضحت مفرغة من الدلالة، أو هي بيضاء، لا تكاد تحتمل تأثيراً، ولهذا سارع الغرب إلى تشكيل نسق خطابي جديد، وفيه يلعب المحلي، أو ابن الشرق، أو الآخر الذي هاجر من وطنه إلى الغرب الحرّ والديمقراطي دوراً شديد الأهمية، وهو في الأغلب المثقف الذي تلقن تعليمه في الغرب، وعمله يتحدد في خلق، وبناء خطاب بديل.
الدور الموصوف سابقاً نعتته جاياتري سبيفاك بالمخبر المحلي، وهنا نعتمد على تحليل حميد دبشي في فصل من كتابه الذي حمل عنوان «بشرة سمراء أقنعة بيضاء» والذي انطوى على محور بعنوان المخبر المحلي، وفيه يحيل إلى بعض المثقفين الذين روجوا لاحتلال العراق، بوصفهم معبرين عن الصوت الداخلي للشعب الذي يعاني من الاضطهاد، وهكذا كان لا بد لأمريكا من أن تقود خطابا محلياً تجاه تبرير اجتياح العراق، واحتلال افغانستان. فالغرب ما زال قادرا على التلاعب عبر توظيف واستثمار قيمة الخطاب بتشكيله الثقافي والإعلامي، وهذا من خلال خلق مناخات ملائمة، لاختراق تلك الردود الغاضبة، فالغرب يصوغ وعياً جديداً مضادا في أذهان بعض النخب المثقفة (الغربية)، وبعض العامة في تمرير ممارسات إمبريالية بامتياز، من أجل امتصاص الرأي العام الذي ربما لا يستجيب للتطلعات الإمبريالية الجديدة.
إن مفهوم مزود المعلومات، كما ترى سبيفاك حالة من التمثيل الغائب للفكرة الغربية، ولكنها بطابع محلي، وبعبارة أخرى، هي فعل طمس الرجل الغربي لأصله هو بالذات (ص 31 حميد دبشي) الذي يرى أنهم عبارة عن» الأنثروبولوجيين المعاصرين من أصول عربية وإسلامية، الذين دُرِّبوا في الجامعات الأمريكية والأوروبية في قواعد اللغة الكولونيالية العميقة في فروع معارفهم، الذين يحوّلون أعضاء عائلاتهم، وأقدار أوطانهم الأم إلى أشياء حب فضولي أنثروبولوجي (ص 31). ولعل رواية الإيرانية آزار نفيسي «قراءة لوليتا في طهران 2003» من أبرز النماذج الخطابية القادرة على أن تمدنا بتصورات عن تلك التعبيرات والتصورات والتمثيلات، التي تنهض على نموذج لغوي محكم لتكوين مفاهيم تتعلق بانتفاء أي فضاء جمالي، أو إنساني لدى الشرق البائس، لقد روجت آزار نفيسي بعض المفاهيم الجديدة لليمين المحافظ الأمريكي، فعملها قدم غطاءً أو نظر له بوصفه عاملاً لإضفاء الشرعية على أفكار صموئيل هنتنغتون وفوكوياما. ويوضح لنا حميد دبشي آلية عمل بعض تلك الأعمال، ومن ذلك كتاب نورما خوري «الحب الممنوع» 2003، الذي يتناول جريمة قتل بدافع الشرف، غير أن هذا الكتاب سحب بعدما كشف مالكوم نوكس أحد المحررين بأن الأمر برمته كان عبارة عن كذبة وخدعة. وهكذا نستنتج أن الخطابات الجديدة للإمبراطورية الأمريكية باتت تعمل بأنماط مغايرة تماما لعمل الإمبراطوريات الاستعمارية الكلاسيكية التي بادت.
لا يمكن للهيمنة الأمريكية إلا أن تتملك زمام الوعي الشرقي المرتهن كليا لسياسات اقتصادية وثقافية وحتى إدارية للمفاهيم الأمريكية بوصفها نموذجاً خارقاً لفعل الخروج من أزمة الحداثة، التي في حقيقتها تعود إلى تهميش مفردات العقلانية، والإنسانية، والحرية. إن إشكالية وأزمات العالم العربي، تكمن في نموذج الأفكار التي تتولد من خبرات المخبرين المحليين، الذين يقومون بتمثيل أوطانهم لغويا في الوعي الغربي، أو الذين يعودون كي يقوموا بتشكيل هيمنة ثقافية وخطابية جديدة، تتغذى من سياسات اليمين المحافظ. ما من شك في أن أي خطة تنموية لدى أي دولة عربية لا يمكن لها إلا أن تتسم بطابع وطني خالص، إذ ثمة دوما رائحة غربية في مكان ما، وإذا ما نظرنا إلى ما وراء الكواليس فسنجد مخبراً محلياً (ينهض بعمل استخباراتي بوعي) أو مواطناً محلياً ساذجاً (بلا وعي) يؤمن بجرثومة الحضارة الغربية وعدواها، وكلا النموذجين يسهم بمعرفة استعمارية جديدة.
وكي نتمكن من تحديد توصيف للمخبرين المحلين، ينبغي أن نتأمل في توصيف حميد دبشي، الذي يرى أن معظم هؤلاء المخبرين ولدوا في دول كإيران ولبنان وباكستان والصومال وغيرها، ومعظمهم أتى من خلفيات متواضعة، أو ميسورة الحال، غير أنهم ارتحلوا إلى الغرب لتلقي تعليمهم، وهم نادراً ما يشغلون وظائف مستقرة، حيث يفضلون البقاء على الهوامش، ومع أنهم كانوا يشعرون في أوطانهم بالغربة، غير أنهم لا يشعرون بألفة كبيرة في البلد الذي تبنوه، ولكونهم في البلد الذين يستطيعون بيع خدماتهم فيه، فهم يشعرون بالغضب عند رؤية مهاجرين سمر آخرين. وفي محاولتهم لتطوير خطابات للنيل من أوطانهم، فإن الغرب يطلق عليهم «المعارضة».
يذكر حميد دبشي بعض أسماء المخبرين المحليين، ومواقعهم في الدوائر الأمريكية بوصفهم مخبرين محليين، ففي الجيش الأمريكي يذكر سيد والي رضا، ونصر ووراي تقية، وهنالك شخصيات أخرى تبنتها المؤسسة العسكرية، ومنهم آزار نفيسي، وفؤاد عجمي، وفي اللجان الاستشارية للمحافظين الجدد نرى سلمان رشدي، وابن الوراق، ومعظم هؤلاء – كما يذكر دبشي- ينطلقون من رغبتهم بالدفاع عن حقوق الإنسان والحقوق المدنية، وغير ذلك من العبارات التي يروجون لها (37). وعلى الرغم من أن هذه المستويات من التحليل لمفهوم المخبر المحلي الذي تم تصنيعه في الغرب، ولكن ما هو أشد خطراً من ذلك، أن بعض المخبرين المحليين يمارسون دوراً استخباراتيا تخريبيا، من دون وعي، وهم ينطلقون من فقدان الثقة بالقدرة على تكوين تصورات للإشكاليات التي يعاني منها الشرق، إن فعل التبني لخطط واستراتيجيات مستشارين وخبراء غربيين لم ينجح بتحقيق أي نهضة عربية طوال عقود، وحتى تلك المشاريع الكبرى للنهوض عبر تبني نموذج غربي، واستجلاب خبراء، أو عبر ابتعاث طلاب للغرب بهدف نقل «جرثومة» الحضارة الغربية للشرق المتخلف، لم تفلح، بل على العكس من ذلك فقد كانت المخرجات والنتائج كارثية على أكثر من مستوى. إن حدود القدرة على نقد التجربة يعدّ أكبر تحد يمكن أن يواجه محاولات الخروج من أزمة الحداثة والطائفية والتطرف الديني والفقر، وغير ذلك من المشاكل التي يعاني منها معظم بلدان الشرق، ومع ذلك فإن تبني تصورات الغربي مما يعد أمراً ساذجاً، خاصة للبحث عن حلول حضارية لأزماتنا الداخلية، ولهذا لا بد من البحث عن معرفة داخلية وطنية لذواتنا، لا معرفة استعمارية جديدة.
لا ريب أن الدور الذي يمارسه المخبرون المحليون هو مقدمة للفعل، فكما في رواية نفيسي، تروّج لحالة ثقافية حضارية قوامها أن النساء في إيران أو العراق غير قادرات على قراءة رواية عالمية غربية مثل «لوليتا»، وهكذا نلاحظ أن إنتاج المعرفة من قبل المخبر المحلي المصنع غربيا، وأبناء الوطن الباحثين عن عصا الغربي السحرية، لا يختلفون في المرتبة، كونهم باتوا ضمن مسننات إنتاج المعرفة الغربية الجديدة في الشرق، وإن اتخذت مظاهر، وآليات أخرى.
وفي الختام ليس هنالك من تعبير يصوغ هذا النوع الجديد من المعرفة الجديدة أفضل من عبارة لحميد دبشي، يصف فيها هذا النظام الخطابي الجديد حيث يقول، «في الاستشراق الأوروبي التقليدي استخدم الإمبرياليون لغة، وخطابات، وأيديولوجية كاملة ببراعة للحفاظ على سيطرتهم، باعتبارها طبيعية ومحتومة. أما المخبرون المحليون فقد هضموا وشخصنوا هذه اللغة، والآن يتكلمونها بمرجعية المحليين، لم تعد ثمة حاجة إلى معرفة خبير عندما تستطيع أن تسمع الوقائع من فم الحصان (39).

كاتب أردني/ فلسطيني

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية