الكويت ـ «القدس العربي»: بدأت تظهر في بعض الدول الخليجية مختبرات تعتني بالسرد، تؤسس هذه الكيانات مجموعة من المبدعين من أجل الارتقاء بالكتابة، وإبراز خصائصها الجمالية وتفعيل الجانب النقدي في الساحة الثقافية، تجاه الحركة الأدبية من خلال ثلاث تجارب في عمان بدأت ناضجة، وفي البحرين بدأت وتوقفت، وفي الكويت ولادة مشروع مختبر تكتمل صورته قريبا.
في الإجابة على سؤال حول تقويم المختبرات السردية في منطقة الخليج العربي، أكدت الباحثة في النقد الأدبي العمانية منى السليمي، أن المشهد الثقافي في الدول العربية عامة، وفي الخليجية خصوصاً يعاني حالة من انعدام النقد، ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مختبرات للسرد في كل دولة لتفعيل الحراك النقدي.
إن الساحة الأدبية تعيش حالة «مجاعة نقدية» وإن الحراك النقدي لا يزال دون مستوى الطموح، مشيرة إلى أن السرد بأنواعه ما بين القصة القصيرة والقصيرة جدا والرواية في الوطن العربي بشكل عام وليس الخليجي فقط يعيش أزمة نقد.
وأضافت أن هناك خمسة من كتاب السرد في السلطنة استشعروا شح الدراسات النقدية وقاموا بتأسيس (مختبر السرديات العماني) الذي يهدف إلى تفعيل الجانب النقدي، والدفع بالكتاب للمشاركة في الملتقيات السردية لتحسين الإنتاج الأدبي، والمختبر مدعوم من مؤسسة (بيت الغشام) العمانية، حيث عقد في عامه الأول ثماني جلسات نقدية وورشتين تدريبيتين وحلقات نقاشية، فضلا عن المشاركة في ورشة تدريبية في مكتبة الإسكندرية، لافتة إلى أنه مختبر جديد، ومر عام فقط على تأسيسه.
وأعربت عن الأمل بأن يصل السرد العماني لمستوى عالي الجودة لمنافسة المستوى العالمي، وللمشاركة في فعاليات أدبية ذات صلة، لاسيما في ظل غياب الخطاب النقدي في منطقة الخليج.
وأوضحت منى السليمي قائلة: لوهلة بدت كلمة (مختبر) ناتئة ومقحمة على كلمة (السرد)، وعلى الأدب عموما، إذا ما أردنا أن نجعل لكل فن من فنونه مختبره الخاص، فلم تستسغ الأذهان دخول لغة العلوم الطبيعية التي تمثلها كلمة (مختبر) إلى الفنون القولية، على الرغم من أنها لم تكن سابقة في عمان عندما تم تدشين مختبر السرديات العماني في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، فهناك مختبرات عدة للسرديات في العالم العربي (الإسكندرية، والدار البيضاء، وتونس، والسعودية)، وتزداد في ظل هيمنة الأجناس السردية – الرواية خصوصا – على دائرة التلقي العربي عموما، وإن كانت هذه الهيمنة لا تكاد تخرج عن نطاق الفورة الإعلامية، وبروز النقد الصحافي على نحو مهول، في ظل تراجع الدراسات الجادة في الأعمال الأدبية.
وتعمد فكرة المختبر إلى استنطاق مكامن الجدة التي تطرحها النصوص ليس على مستوى الموضوعات وحسب، بل على مستوى المعمار والرؤية الفنية والمعرفية والإشكالات التي تثيرها هذه النصوص عن طريق فحص معانيها، وتحليل خصائصها الجمالية، ومعاينة التطور الحاصل على مستوى إنتاجية السرد في عمان، باستثمار دلالات (المجهر) الذي يروم الحفر في الأبعاد الاحتمالية التي تكشف عنها الاستعارات الكلية للنصوص من جهة، والكشف عن نظريات توسع الجنس الأدبي نفسه من جهة أخرى، خاصة أن أجناس السرد، والرواية منها على نحو خاص، تظل أجناسا مفتوحة لانهائية، وهذه الدلالات تتيح للناقد أن يصل فيها إلى مواطن الجمال والقبح، وإضفاء طابع القيمة عليها، وهذه هي وظيفة النقد الأدبي التي تفرّقه عن وظيفة رجل المختبر مع مواده الكيميائية مختبِرا مكوناتها ومحللا عناصرها.
بيد أنه يأخذ من هذا الأخير صفة (العلمية) التي يجب أن يتسم بها النقد الأدبي في محاولةٍ للنأي به عن الانطباعية والمجاملات غير المستندة إلى منهجية علمية دقيقة؛ لأنه يدرس الآليات التي تتحكم في إنتاج هذه النصوص، وهذه الآليات لا يمكن الوصول إليها من دون معرفة مسبقة بتاريخ الأجناس الأدبية، ومنطق التفاعل بينها، وتاريخ نشوئها، ونظرياتها ومناهجها.
كل ذلك يروم تحقيق مناخ نقدي فاعل وحقيقي يواكب الإصدارات السردية في الرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا في المشهد الثقافي العماني.
وتابعت السليمي: بيد أن الأمر إذا كان في شق منه يتمثل في نقد الأعمال السردية، شريطة أن يكون نقدا حقيقيا يتجاوز أشكال النقد الاحتفائي كشرط يصب في مصلحة السرد ونقده معا، فإنه – وبالمعنى التفاعلي وفقا لكيمياء الكتابة – وسيلة لإنتاج السرد في الشق الآخر منه، وليس مجرد سبر لسرد مُنتج، وما سبيله إلى ذلك إلا بورش الكتابة السردية، التي تسهم في تجاوز مفهوم الإلهام في الكتابة، لتنخرط به بنحو عملي في الممارسة الواعية التي تستفيد من خبرات سابقة، لا لتفرض توجهها الكتابي بقدر ما تقترح الرؤى، وتفتح آفاق الإبداع سعيا لمرحلة أكثر نضجا في الكتابة الإبداعية؛ لأن السرد في نهاية الأمر هو صناعة تحتكم إلى معرفة عميقة بالحياة وبالأدب وتحولاتهما على مستوى الشكل والمضمون.
وإن مختبر السرديات العماني بدأ كفكرة، إن المختبر (الفكرة) القائمة على اختبار السرد من جهة وإنتاجه من جهة أخرى بما يجعل من (مختبر السرد) مكملا لـ(سرد المختبر)، واحد من استراتيجيات النظر في مستقبل الكتابة السردية، وما أحسبه أننا في عمان لم نشهد أكثر من ورشتين سرديتين على المستوى العلني، إحداهما تبنتها اللجنة الوطنية للشباب في الملتقى الأدبي العشرين عام 2014، والأخرى نفذها مختبر السرديات العماني في مطلع العام الجاري، فهل ذلك يكفي؟ فإذا كان مختبر السرديات العماني متبنيا لنهج الورش الكتابية التي ستكون أكثر حضورا في مواسمه المقبلة – وليس المقام لتقييمه فلذلك من يقوم به – فإن مثل هذه الورش باتت ملحة في غير برنامج، وفي غير محفل، فعلى الأقل سيجد الراغبون في الكتابة بأنواعها عينا خبيرة توجه خطواتهم الأولى وتحفز طاقاتهم الكتابية ومكامنها، من خلال تكريس مسؤولية الكتابة الإبداعية التي لم تعد تعترف بالمحركات الغيبية غير القابلة للضبط، وإنما شأنها شأن أي صناعة تستدعي الوعي والإتقان والاختلاف والنظر.
فهد حسين :هل نحتاج مختبرات سردية
من جانبه، أكد الدكتور في الأدب العربي الحديث فهد حسين من البحرين على أن الحديث يطول حول مفهوم المختبر وارتباط الكلمة بالسرد، إنه من الواجب التحقق من وجود أرضية قوية للمختبرات السردية في الخليج، وما إذا كانت هناك حاجة لها وعن مدى إمكانيتها معرفيا وثقافيا.
وأشار حسين إلى تجربة البحرين التي بدأت من خلال تأسيس (مختبر للقراءة) في عام 2007 إلا أنه استمر لأشهر فقط وتعثر هذا المشروع، حيث مرت البحرين بظروف الكل يعرفها وحتى بعد 2011 بدأ التشدد الثقافي، حيث بدأت بعده بعض الفئات المثقفة بالتفكير في تشكيل كيانات لها بأسماء عديدة غير المختبرات السردية، رغم أنها تندرج تحت السرد ومنها «نادي القراءة» و»ضفاف الكلمة» و»سرد البنفسج» و»نادي الفراشة للقراءة» وغيرها من المجموعات شكلت روافد ثقافية أدبية في المجتمع البحريني.
وتساءل فهد: هل نحتاج في الخليج إلى مختبرات سردية أم لا؟ وإذا كنا نحتاج فماذا نريد منها هل نأخذ أعمالا نناقشها ثم ينتهي الأمر؟ هل نقدم زادا معرفيا؟ ويرى حسين أن المختبرات الحقيقية لاتكتفي بالقراءة والنقد، ولكن بتفعيل دورها الحقيقي وهو عقد لقاءات وحوارات وورش عمل تدريبية حقيقة حتى تتقدم بالمشهد الثقافي.
هديل الحساوي: وجوده ضرورة في الكويت
الكاتبة هديل الحساوي من الكويت ذكرت أن ظاهرة (التواصل الاجتماعي) تمكن أي شخص من نشر بعض السرد، ما جعل بعض الأشخاص يظنون بأنهم أصبحوا كتابا ويقومون بإصدار روايات أو قصص، وهي دون المستوى وأوضحت الحساوي أن دور النشر ساهمت في انتشار تلك الفئة، حيث اختلطت المفاهيم وباتت تلك الظاهرة بحاجة لنقد أدبي سليم، مشيرة إلى أنه من هنا جاءت فكرة ضرورة إنشاء «مختبر للسرد في الكويت» الذي يتواصل مع نظيره العماني لاستثمار الجهود المشتركة عبر قاعدة أصيلة للانطلاق به على أرض الواقع في العام المقبل.
ولفتت إلى أن هدف هذا المختبر خلق كتابة نوعية وإيجاد القارئ الناقد لأنه سيقتحم المشهد السردي ويختار وينتقد، متمنية أن تتم عودة المشهد السردي للرواية الكويتية كما كان في السابق.
وأفادت الحساوي بأن السرد قد يؤثر على جيل كامل من خلال تسويق كلمات وتصرفات معينة، لذا سعت «دار الفراشة» إلى تحقيق الحلم، وهو خلق مختبر سردي في الكويت.
وتابعت: «كعادتنا، قررنا صنع مستقبل سيتشكل جماعيا من خلال الجهود الكثيرة. رأينا أن التعاون طريقنا والاحتفاء بالآخرين منهج لن نتخلى عنه. أن يكون المختبر مقرا للعمل ونشاطا للاجتهاد. وكان هدفنا المستقبل في جيل يتَخَلّق من جديد بمفردات جديدة وأساليب مختلفة. فمن خلال تجربتنا في دار النشر نحن على وعي بأن جيل اليوم لا يمكن الوصول إليه بلغة الأمس. لكن من دون الانجرار خلف سطحية الشكل والمعنى وخلل القواعد.
هو تغيير بوعي عميق عن سابق تصميم، لذلك كان أحد أهدافنا أن نعمل على إعادة خلق الواقع من خلال سرد يعكس شكل الحياة وسرعتها وأنساقها. وأن نكون جزءاً من الخلق والتشكيل للجيل الحالي واللاحق من الكتاب.
واستطردت الحساوي بقولها: «وجدنا أن هذه المهمة تتطلب منا فعلا أكبر من مجرد دار للنشر، أو مجموعة للقراءة، أو ورشة للكتابة، فعلا يتطلب أهدافا رئيسية ووسائل عملية، تخرج من عباءة النظرية إلى فضاء التطبيق، تطلب ذلك منا- الفراشة- أن يكون لنا دور في الارتقاء بهذا المشهد، وفق مسؤوليتنا ككتاب وناشرين، فظهرت هذه الفكرة، مختبر السرديات الكويتي. وبدأنا تواصلنا مع مختبر السرديات العماني لقربه الجغرافي والحميمي لنفهم ونستثمر جهد زملائنا هناك في تأسيس ما نحتاج إليه هنا». لنبدأ التجربة على قاعدة أصيلة.
وباستلهام تجربتهم مع المحافظة على خصوصية حاجتنا وضعت الأهداف والرؤى والشروط.
وانطلقنا قبلها بأن يكون للنقد حضور مهم بين إصداراتنا وتمثل ذلك في عدد من المؤلفات والنقاد المشاركين مع الفراشة، لتكون مهد مشروع حقيقي يبدأ بجني ثماره مطلع العام الجديد عبر إصدار مترجم يضمن شهادات كبار روائيي العالم ضمن سلسلة نعلن عنها قريبا، إضافة لأنشطة بدأت تتخذ خطواتها نحو التنفيذ.
منى الشمري