المخرج الإيطالي يحل ضيفا على متحف سان تيلمو في مدينة سان سيباستيان: حياة بازوليني لا تزال تشكل امتحانا عسيرا للقضاء الإيطالي

سان سيباستيان ـ «القدس العربي»: في حضور يمحو الغياب، استقبل متحف سان تيلمو في مدينة سان سيباستيان واحدا من أهم صناع السينما في العالم، الذي ظل يخلق النقاش من خلال جرأة طروحاته التي كانت تهدف إلى تحريك ماء البرك الآسنة أو عندما يقدم الجديد كمبدع سينمائي فاجأ العالم بأفلامه أو السيناريوهات التي كتبها له ولمخرجين آخرين.
في متحف سان تيلمو حضر المخرج الإيطالي بيار باولو بازوليني ضيفا ليعرض سيرة حياته، وكان يحلق بطيفه عبر فضاء الجناح المخصص له ليفتح لنا سيرته الأولى كما ابتدأها، ويعيد إنتاج الأسئلة القلقة التي ظلت تحيره وتحير أجيالا من السينمائيين، سواء في مسقط رأسه في إيطاليا أو في باقي العالم.
لا يمكن الحديث عن المخرج بازوليني إلا بصيغة الجمع لأنه راكم تجارب عدة وأبدع في مجالات مختلفة، فبالإضافة لممارسته الإخراج أبدع باولو في الشعر والرواية، وفي التشكيل أيضا، ما جعله رقما صعبا لا يمكن تجاوزه وكان الاعتراف به كمبدع حتى من ألد خصومه.
ولد باولو في مدينة بولونيا سنة 1922 وانتقل رفقة والدته للعيش في روما، حيث نزل بها سنة 1950 بعد خمس سنوات من مقتل أخيه غيدو إثر تعرضه لكمين حربي سيؤثرعلى نفسية باولو لسنوات عديدة. ويعد هذا المعرض رحلة موثقة بالصوت والصورة عبر شاشات من الحجم الكبير عندما يتم عرض مقتطفات من أفلامه ومن حواراته ومحاكماته، أو عبر سماعات صوتية لحوارات مسجلة لبابلو وقصائد شعرية له ومخطوطات أصلية لكتبه ومسوداته وصور من أرشيفه العائلي ومع أصدقائه، الذين تعرف عليهم طيلة مسيرته الفنية أو قبلها.. كما يتم كذلك عرض بيان طرده من الحزب الشيوعي الإيطالي وبطاقة تؤكد انتماءه وعرض مقالات مختلفة توضح أسباب الفصل لاعتبارات أخلاقية.
والمعرض إنتاج مشترك من قبل مركز الثقافة المعاصرة في برشلونة والخزانة السينمائية الفرنسية، شركة باليكسبو الخاصة، قصر المعارض في روما وإلمارتن غروبيوس باو في برلين.
لقد ارتأى معيدو سيرة بازوليني للحياه مرة أخرى أن يتم تقديمها عبر ستة أقسام متتالية زمنيا، لكنها غير خاضعة لفارق السنوات بينها غير أنها تشكل العلامات الفارقة لهذا المبدع وتحاول تقديمه في تطور إبداعي، وترصد أهم ما كان يخالجه من إحساسات وانفعالات، وكذا دفاعه المستميت على اللغة الفيريولية والمساهمة في تأسيس أكاديمية خاصة بها.
يبدأ القسم الأول من سيرة المعرض من سنة 1950 إلى 1954 وفيه يتعرف المشاهد استنادا إلى مذكرات بازوليني نفسه التي توثق لحظة قدومه من محطة كاسارسا إلى محطة تيرميني في روما رفقة والدته سوزانا في يناير/كانون الثاني، وحالتهما الاجتماعية المزرية، حيث سيعيش في غيتو قبل انتقالهما إلى بيت آخر في حي فقير قرب سجن كبير، ليصبح أستاذا مقابل أجر زهيد، واستكشافه شبق الجنس، وفي هذه المرحلة تتأرجح حياته بين اليأس والحماس… وكشفه عن ميولاته الجنسية المثلية لصديق طفولته فرانكو في رسالة بعثها له ليخبره عن واقعه الجديد.
فيما القسم الثاني الممتد ما بين 1955 إلى 1960 وفيه نتعرف على صدور روايته «راغاسي دي فيتا» (فتيان الحياة) حيث يدخل دائرة الحياة الفكرية الإيطالية، وبداية كتابة سيناريوهات لأفلام الآخرين مثل «لا دونا ديل فيومي» أي (امرأة النهر) لماريو سولداتي و»لي نوتي دي كابيريا» (ليالي كابيريا) و»لادولسي فيتا» أي (الحياة حلوة) لفريديريكو فيليني و»لا نوتي برافا» (ليلة برية) لماورو بولوغيني، «لا كوماري سيكا» لبيرناردو بيرتولوشي.
كما بدأ يقترب من الأوساط الفنية والاجتماعية في روما، ونسجه لعلاقات وصداقات دائمة ورفقة البرتو مورافيا وإلسا مورانتي ولاورا بيتي وروبيرتو روسوليني.. كما يشكل ديوانه الشعري «رماد غرامشي» اعترافا منه لأحد أكبر الرموز الفكرية في إيطاليا وفي العالم .
ويتناول الجزء الثالث ما بين 1961 و1963 تصوير بازوليني وهو في التاسعة والثلاثين عاما لأول أفلامه «أكاتوني» من دون أي معرفة بالتقنية السينمائية. كما يقدم أيضا أماكن تصوير ويصفها عبر صور ومقاطع فيلمية لكل من أفلامه «أكاتوني»، «ماما روما»، «لا ريكوتا» مع ذكر المساهمين في أفلامه من مديري التصويروالممثلين، ووقوعه في الحب وكتاباته الموجهة إلى البابا وإلى أيقونة السينما العالمية مارلين مونرو.
ولأنه كان محط جدال واسع في إيطاليا، ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد تعرض لاتهامات وشكايات ودعاوى كثيرة، أوصلته عدة مرات للقضاء الإيطالي، سواء في حياته أو بعد مماته، حيث يتعرف المشاهد على مسارها منذ أول اتهام بإفساد واستغلال القاصرين سنة 1949 مع عرض لنموذج من نصوصه الدفاعية إثر المحاكمة التي تعرض لها فيلمه «لا ريكوتا» سنة 1963.
ويأخذنا الجزء الرابع 1963-1966 إلى انتقال بازوليني للعيش في منطقة سكنية جديدة جنوب روما، كما بدأ يعيد النظر بعد أن ضاقت به العاصمة ذرعا، وذلك بالبحث عن فـضاءات أخرى عبر رحلات جاب فيها إيطاليا صعودا وهبوطا، حاملا ميكروفونا في يده لإنجاز فيلم عبر استمزاج الرأي من أجل تحقيق حول الجنس، ومقتطفا من مقال لميشال فوكو تحت عنوان الصباحات الرمادية للتسامح، تم نشره في جريدة «لوموند» في 23 مارس/آذار1977 ونشرته لا ستامبا الإيطالية 31 في أكتوبر/تشرين الأول 1988 بعنوان «باوزليني يدفع إيطاليا للحديث عن الجنس» وإعلانه فترة فيلمه «كوميسي دا موري» و»أوسيلاسي وأوسيليني» عن تصوير فيلمه «إيل إيفانجيلو سيكوندو ماتيو» أي الإنجيل حسب القديس ماتيو في فلسطين، ورسائله يشرح فيها لماذا اختار هذا الموضوع. وبداية تعلقه بشكل متزايد بالعالم الثالث حيث سنقرأ مقالا نشر تحت عنوان «حوارات مع بازوليني لماذا أفريقيا» بلافي نيوفي ومقال لإمبيرتو مورافيا فكرة هندية وآخر لبازوليني بعنوان رائحة الهند ودفتر ملاحظات عن سفره إلى كينيا والهند.
1966-1973 في هذه المرحلة يعيش بازوليني في جو مليء بخيبات الأمل، كما أن هذه الفترة ستشهد تغيير وجهة أهوائه صوب نيويورك… وبعد ذلك وطيلة شهر مر بفترة نقاهة، حيث كتب كل مسرحياته وعقد ندوة صحافية في مسرح غوبيتي في مدينة تورينو الإيطالية وفيها يتحدث عن توجهه للمسرح واختياره للمسرح اليوناني كمرجع ومواقفه كمثقف من التلفزيون ….وفي سنة 1968 التي ستعرف انتفاضة الطلاب سيشعر بأنه أقرب إلى الشرطة من الطلاب… وستشكل باريس التباين الفكري مع روما ولقاءاته المتكررة مع المخرج الفرنسي جون لوك غودار وتبادلهما للرسائل، خصوصا الرسالة التي يعبر فيها غودرا عن حزنه لعدم نجاح مسرحية «أوديب الملك» في إيطاليا نقلا عن لاورا بيتي صديقة باولو بازوليني نفسه… ويرد باولو بأن المسرحية كانت ناجحة جدا وأن لاورا بيتي أعطته معلومات خاطئة، ويحكي أيضا عن أفلامه وسفره إلى تركيا وسوريا لتصوير أجزاء من فيلمه «ميدية» التي شاركت فيه الأسطورة ماريا كالاس، وفيلمه «ايل ديكاميرون»الذي تنوعت مشاهده بين اليمن وإيطاليا و»إراكاونتي دي كانتيربوري» في إيطاليا وإنكلترا، وفيلم «إيل فيوري ديل ميلي» إي (أونا نوتي)، أي (زهرة من ألف ليلة وليلة)، عرفت تعدد أماكن التصوير في اليمن وأفريقيا والهند ونيبال… وسفره إلى مالي وصوره في مسجد موبتي مع ألبرتو مورافيا..
ومن بين المواقف التي اتخذها بازوليني نجد تدخله أثناء مظاهرة في روما ضد محاكمة بورغس تضامنا مع الباسك ضد الجنرال فرانكو.. والقسم الأخير ما بين 1974 و1975 نشاهد فيه آخر حوار لبازوليني مع التلفزة الفرنسية وعودته للرسم من جديد وكذلك نتعرف فيه على مخطوط كتابه الذي تركه من دون إنهائه «بيتروليو» والآلة الكاتبة التي كان يكتب بواسطتها نصوصه، وهي من نوع «ليتيرا أوليفيتي».. ومقالاته النقدية التي تحكي عن فراغ السلطة في إيطاليا والمجازر التي ارتكبت في ميلان وبريشيا وبولون وعلاقة المسؤولين عنها بجهاز الاستخبارات الأمريكي …. كما نلاحظ فيلم «سالو» الذي أحدث ضجة كبيرة. وفي سنة 1977 في مهرجان سان سيباستيان الذي احتفى بباولو عبر فقرة استعادية احتجت لاورا بيتي ببيان تنديدي ضد الشركة السينمائية للفنانين المتحدين التي امتنعت عن إرسال بعض أفلام المخرج الإيطالي ومنها فيلمه «سالو» ومن بين الموقعين على البيان نجد أسماء وازنة سواء فكرية أو فنية منها جان بول سارتر، غودار…
لقد شكلت إبداعات بازوليني بسبب طرحها المتقدم إحراجا لأصحاب الجمود الذين يشكلون السد المنيع أمام تقدم المجتمع الإيطالي وكانت المحاكمات التي تعرض لها بازوليني، من خلال أفلامه وكذا مواقفه الجريئة وميولاته الجنسية المعلنة، مقدمات لوقف زحف أفكاره التي بدأت تطفوعلى السطح، وكان صباح الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1975 الحد الفاصل في استمراره في الحياة بعد مقتله بشاطئ أوستي، حيث لازالت خيوط الجريمة لم تكتمل، فبعد الحكم بتسع سنوات وسبعة أشهر على القاصر جيوسيب بيلوزي الذي أقر بمسؤوليته عن الجريمة كانت المحكمة تبعد ما أكده فاوستينو ديرانتي أستاذ المعهد الطبي الشرعي في جامعة روما الذي ذهب في تقريره إلى وجود شركاء آخرين في الجريمة، وأن بازوليني لم يمت نتيجة تلقيه للضرب بل تعرضه للدعس بسيارة…
وفي سنة 2005 سيتراجع المتهم عن أقواله ويشير إلى براءته واتهامه أشخاص آخرين يجهل هويتهم… وسيفتح القضاء الملف بعد ظهور معطيات جديدة منها أنه قتل إثر كمين دبر له لاسترجاع بكرات فيلمه «سالو» التي سرقت منه والمطالبة بفحص الحمض النووي وجميع العناصر التي وجدت على مسرح الجريمة. وبعد خمس سنوات سيكشف السيناتور مارسيلو ديل أوتري، المقرب من برلسكوني، عن حيازته للجزء المفقود من مخطوط رواية «بيتروليو» والذي يحمل عنوان «لامبي سيل إيني» أي ومضات على ايني ويتعلق بمقتل رئيس الشركة الوطنية الإيطالية للمحروقات (ايني)… سيزيد من تداخل مصالح الجهات المستفيدة والراعية للجريمة وسيبقى الملف مفتوحا حتى الآن والذي يشكل امتحانا عسيرا للقضاء الإيطالي….

خالد الكطابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية