باريس – «القدس العربي»: يقاطع المخرج السوري محمد سعدون المقيم في تورنتو الزمن. ينتقم منه على دفعات في فيلمه الأول «أحلام الطين». فهو ليس بطله المقيم في الكواليس وليس خطه الموازي لحوادث البطل المفترض وحكايته، بل هو الخصم اللدود في محاولة منه لتدويره والتفوق عليه. بعد أن كان دوماً الرابح على مسار حيوات معظم السوريين ومصدر قلقهم. فالزمن امتداد لماضي الديكتاتور ووصل لخيبات الثورة ومآلاتها.
يحول سعدون الزمن إلى مادة متحركة، لا تقيم وزناً للحدث على قدر ما تحطم فيه. فالإقامة القسرية في بلاد باردة، التي يعيشها بطل فيلمه المشارك في مهرجانات كندية وعالمية، تفرض مقياساً مغايراً للغربة. يقارب النص السينمائي في توليفة إخراجية تمتد على 15 دقيقة، غربة غير موازية لأزمة سوريا. والحال أن بطل الفيلم، سليمان، خرج من إحدى قرى ريف القامشلي، على شاكلة مخرج الفيلم، إلى دبي للعمل قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011. اضطرته مآلات الثورة، وصعوبات العودة إلى أمه، للهجرة نحو كندا، أرض الثلج والأحلام البيضاء. وهناك يبدأ الصراع التقليدي/ الذاتي. محاولات التذكر الضئيلة والحنين القاسي. يخفف سعدون من وطأة الضحية على المشاهد. فيتقاسم مع سليمان أزمة سوريا، برؤية إنسانية أخرى، لا يعود فيها البطل بطلاً، ولا المشاهد مشاهداً عادياً. هما على تماس مباشر مع الذكريات وقسوتها. يتحول سيلمان (بطل الفيلم) في الشريط الأقرب إلى التجريبي من كونه فيلما روائيا قصيرا، إلى محاور شخصي لكل واحد منا. يسأله عن معاني المستجد والمؤقت الذي يمسي في دوام، وعن المشاعر المنهوبة في عيش الوحدة والبعد والقلق والأسئلة الحائرة.
يضعنا سعدون، ابن الريف الذي عاش دمشق في ألقها وخضوعها السياسي، في حركة دائمة. تقتصر فيها الكاميرا على عبور عميق بين أزمنة مستقطعة. يناقش في نصها الهوية الإنسانية لشخص اضطر إلى مغادرة بيته وذكرياته وأمسه الآفل، ليؤسس ما هو مجهول له، خصوصاً حين يمسي الاتصال بالمكان الأول مستحيلاً، والاستجابة للقدر تحتمها أحلام من طين.
يقول سعدون في مقابلة مع «القدس العربي» إن فيلمه لا يحاكي أزمة سوريا، على قدر ما يوثقها في حكاية قصيرة، أشبه بـ»شذرة» لكنها أكبر من قضية. فـ»الإنسان في حروبه الشخصية أقرب ما يكون إلى بطل ملحمة معاركها لا تنتهي»، وفق ما يقول، وهو يصف بطل فيلمه سليمان بأنه «المستضعف الذي لم يخيب ظن الحياة فيه». فهو ترك بيته قسراً للعمل في إمارة خليجية، بعد أن عاش بطالة صعبة وتخرج من جامعة حكومية لم تؤمن له وظيفة، وهو حال معظم شباب سوريا، فيتوجه إلى حياته الجديدة، لكن سرعان ما يتغير كل شيء.
تندلع الثورة السورية، فتنازعه رغبة في أن يكون ضمن شبابها، لكنه لا يستطيع العودة، وحين تتاح له فرصة الذهاب للدراسة في كندا، يخبر أمه التي نراها في الفيلم أشبه بامرأة حكيمة ومتحررة، رغم ثوبها الريفي وملامح وجهها، التي تمكنت من ترسيخها بنجاح فنانة «المايك آب» الكندية، وأدت شخصيتها الممثلة الكندية ميشال سيريدا. والمفارقة أن الفيلم تأخر في إبصاره النور، بسبب وفاة الممثلة الكندية المعروفة، سيريدا، التي شكل موتها في حادث سير أزمة لدى سعدون. فابتعد عن إنتاجه لحين حلول ذكراها الأولى، «أعدت توليف الشريط لسببين، أولهما مرور عام على موت سيريدا، والسبب الثاني، بعد اعتماد كندا سياسة منفتحة تجاه السوريين واستقبالهم أردت أن أقارب بظهور الفيلم هوية اللاجئ إنسانياً، بعد أن ابتعد معظم الكنديين عن الاهتمام بقضية اللجوء، واختصارها بأنها أزمة سياسية».
بطبيعة الحال لن يكون الشريط هو الأخير لسعدون، الذي أكد أنه يعمل على فيلم جديد، وبدأ في كتابة نصه، والبحث عن ممول له، لا سيما أن المخرج الشاب، الذي درس الصحافة والإعلام ثم استكمل دراسة الإخراج في كندا، ستكون أولويته أزمة اللاجئين وحكاياتهم، ولن يتوقف عن التجريب في أفلام وثائقية لنقل تجارب هؤلاء في موطنهم الجديد.
صهيب أيوب