المخرج السينمائي العراقي قاسم حول: حينما تسقط السياسة يسقط النظام وحينما تسقط الثقافة يسقط الوطن

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: بعد سنوات طويلة من الغياب، عاد المخرج العراقي قاسم حول إلى بغداد ليجدها في شكل آخر مختلف تماما عن العراق القديم المعروف بريفه ولباس نسائه ودور السينما ومختلف مظاهر الحياة الثقافية، ما دفعه إلى إخراج فيلمه الجديد «بغداد خارج بغداد». حول حيثيات هذا الفيلم ومشاركته في اليوبيل الفضي لأفلام مؤسسة عبد الحميد شومان في العاصمة الأردنية عمان، كان لنا معه هذا الحوار.

■ ما هو الجديد في «بغداد خارج بغداد» وكيف وجدت ردود الفعل في عرضه الأول؟
□ «بغداد خارج بغداد» هو فيلم روائي طويل ويعرض للمرة الأولى في الأردن، إذ أنني لم أجد صالة عرض مناسبة في العراق، وما يميزه أنني لم أسلك فيه فكريا وجماليا وشكليا الفكر المألوف في باقي الأفلام، حكاية تضم حبكة وعقدة، إنما نفذت فكرة جديدة كليا تختلف عن الفيلم الكلاسيكي. تتحدث عن العراق، من خلال حكايات متداخلة منذ بداية تأسيس الدولة العراقية وحتى يومنا الحالي. حينما عدت إلى بغداد بعد غياب 45 عاما، صدمت بما أصبحت عليه العراق، بعدما كان غنيا بالحياة الثقافية والتراث والعلاقات الاجتماعية والمقاهي، وجدته خاليا من صالات السينما والفنون ووجدت المرأة العراقية بشكل جديد وثياب مختلفة. «بغداد خارج بغداد» كشف الواقع الاجتماعي على مدى عقود من الزمن، لذلك كنت متشوقا لمعرفة ردود فعل الناس حول هذا النمط، ولاحظت مدى اهتمامهم بالتفاصيل واللقطات، وأهم ما توصلت إليه طالما أن المخرج يقدم عملا مقتنعا به، فإن الناس ستقتنع به أيضا.
■ آخر إصداراتك الكتاب النقدي السينمائي «السينما حلم الواقع»، فما أهمية أن يقدم المخرج تجربته على شكل كتاب ومؤلفات؟
□ أكتب المسرحية والرواية والقصة القصيرة والنقد السينمائي، في الفترات التي لا أحصل فيها على فرصة إخراج فيلم، وأعتبر السينما عملا خلاقا إبداعيا متكاملا، لذلك أكتب السيناريو وأطرح من خلاله أفكاري، كما أقوم بالتمثيل أيضا. السينما ثقافة متكاملة لا بد على المخرج ان يعرف كافة جوانبها. وعلى المخرج الناجح أن يكون مثقفا واعيا عارفا بالسينما والتصوير والنقد والموسيقى والكتابة، فكيف للمخرج أن يتعامل مع الممثل ولا يعلم شيئا حول التمثيل، فالسينما الفن السابع، لغة العمارة البنيوية والشعر والموسيقى والقصة. في كتابي «السينما حلم الواقع» لخصت تجاربي الشخصية ونظرتي حول السينما وطرحت فيه أسسا نظرية، وفيه دراسات حول السينما العالمية مثل، السينما اليونانية والسوداء في أمريكا، تجربة يستفيد منها أي طالب أكاديمي أو مخرج.
■ أغلب المخرجين يبدأون عملهم في إخراج المسرحيات ومن ثم يهجرونها، لماذا؟
□ المسرح أساس مهم في السينما يعلّم الطالب التمثيل ويبني شخصيته، ويُمكّنه من مقومات العمل الناجح، لكن حينما يتحول من المسرح إلى السينما، يجب أن يغلق الباب على الإخراج المسرحي ويركز عمله في الجانب السينمائي. تبقى السينما ثقافة وفن النخبة مثل، الأوبرا والبالية، موجهة لمن لديهم الإحساس العميق بالجمال، على عكس ما يحدث اليوم في التلفزيون وعالم الدراما من كوارث، حيث أصبحت الفتاة الجميلة تقدم البرامج والمغني والممثل كذلك، من دون معرفة بأصول التقديم التلفزيوني.
■ ما هو دور السينما في عكس معاناة الشعب العراقي في الداخل والخارج؟
□ غادرت العراق إلى اليونان لمدة عشر سنوات ومن ثم هولندا، حيث حصلت على الإقامة، فلو رغبت في إخراج فيلم عن الأهوار أو الريف العراقي بأجوائه والنخيل والنساء العراقيات أو شارع الرشيد، لا يمكنني ذلك لاستحالة عمل ديكور لهذه المناطق. المخرج العراقي يحتاج إلى العراق من أجل أن يقدمه ويكشف عن همومة، لكنه يحتاج الواقع، الذي يعتبر مادة السينما، سواء أكان سيرياليا أو تجريديا. عندما ذهبت إلى العراق للبحث عن أفلامي العراقية القديمة، وجدتها حرقت بشكل قصدي، لذلك حاولت أن استعيد بعضا منها من التلفزيونات والمؤسسات في سوريا وألمانيا وغيرها، فوجدت كل تاريخ العراق المصور من الأفلام الوثائقية والروائية والجرائد السينمائية المصورة، الشرائط الأصلية في أحد المباني على ضفة نهر دجلة، وقد ضربته قذيفة فانهار السقف فوق الأفلام التي في العادة تحفظ في درجة حرارة 19 فقط، وينبغي وجود جهاز لسحب الغبار والرطوبة من المكان، إلا أنها على مدى 8 سنوات ترزح تحت السقف المنهار ومياه الأمطار والأتربة، وفي الصيف تصل درجة الحرارة إلى 50 درجة مئوية، ونحن الآن بصدد نقلها إلى مبنى جديد وإنقاذ الممكن إنقاذه.
■ كيف يمكن للعراق أن يعود إلى العصر الذهبي ثقافيا وفنيا؟
□ عاش العراق العصر الذهبي منذ بداية تأسيس الدولة، لكن منذ جاءت الأحزاب، سواء أكانت الفاشية أو الدينية أو العنصرية الشوفينية القومية العربية واليسارية المتطرفة، التي لا يهمها موضوع الوطن، حاولت هذه المؤسسات الأيديولوجية أن تضطهد الحركة الثقافية لصالح أيديولوجياتها وتتلف مفهوم الثقافة، دائما أقول حينما تسقط السياسة يسقط النظام وحينما تسقط الثقافة يسقط الوطن، لذلك لا أستطيع العودة إلى العراق، فالتجربة التي خضتها أثناء إخراج هذا الفيلم وظروفه كانت شبه مستحيلة ولن أقوم بها مرة أخرى. المحطة المقبلة لعرضه ستكون في مهرجان القاهرة السينمائي، حيث وضعوه في زاوية أفاق السينما العربية، أي السينما المتجددة وسيترشح لإحدى المسابقات.
■ كيف ترى حال السينما العربية اليوم؟
□ تدهور لصالح التطور. غياب للمنتج الحقيقي، لا توجد هنالك سينما عالمية، بل قياسية، التي تستحوذ مفردات لغة التعبير السينمائية من التصوير والموسيقى والإنارة والمؤثرات الصوتية الصحيحة، تلك هي السينما الناجحة ذات القيمة.
السينما العربية ليست قياسية ومقلدة للأفلام الأجنبية ويستنسخونها، وحتى الممثلون يقلدون الأجانب، ولكن من جانب آخر يحاول بعضهم أن يصبحوا مجددين في أساليبهم ونجحوا في ذلك أمثال، داوود عبد السيد وعاطف الطيب وخيري بشارة. سرعان ما طغى الجانب التجاري، «الجمهور عايز كدة» والكارثة عندما تدهورت الأوضاع السياسية وقدوم «داعش» والمؤسسات الدينية المتزمتة و«القاعدة»، التي تقتل المسلمين قبل غيرهم فما بالك بالثقافة، حتى المهرجانات السينمائية هجينة تلهث وراء الفيلم الأمريكي والبريطاني ولا تعتني بالفيلم العربي، وإن وجد فهو دعم مشروط، وذلك كله لأن الدولة غير قادرة على تنظيم العملية السينمائية والمسؤولين في الأنظمة لا يحبون أوطانهم.
■ ما هي مشاريعك المقبلة؟
□ أجمل الأفلام هي التي لم تنتج بعد، عملي المقبل سيتمحور حول أمرين، أولهما كتابي «سينما حلم الواقع» الذي طورته لبرنامج تلفزيوني من 30 حلقة سينمائية وصورت منه مشاهد كثيرة، والآن في طور المونتاج، وهو موجه للفائدة الأكاديمية للطلاب أو للعرض في التلفزيون. الأمر الثاني يتمحور حول مسيرة عملي في الإخراج، إذا وجدت كاميرا أخرى ترصدني طوال عملي، في كافة تجاربي وتدريبي للممثلين، فهنالك المئات من الساعات المصورة الخام، تجمعت بالإضافة إلى الجوائز والتكريمات حول العالم، أفكر بالاستفادة منها، وتصوير تجربة مخرج ضمن ظروف المنطقة، كيف يتصرف في مواقع التصوير.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية