المدرسة المستنصرية في بغداد: جامعة المذاهب الأربعة والأولى في العالم الإسلامي

حجم الخط
2

بغداد ـ «القدس العربي»: «في شهر جمادي الآخرة تكامل بناء المدرسة المستنصرية التي أمر الخليفة المستنصر بالله بإنشائها وجعلها وقفاً على المذاهب الأربعة، وأنفق عليها من المال ما يعجز عنه الحصر، ووقف عليها وقفاً جليلاً».
يتحدث الشيخ موفق الدين أبو الحسن الخزرجي، مورخ اليمن، عن السنة التي افتتحت فيها المدرسة المستنصرية وأحداث العام 625هـ/ 1227م، مضيفاً في أخباره:
«وفي يوم الخامس والعشرين من الشهر المذكور ركب الوزير أبو الأزهر أحمد بن علي بن الناقد إليها فقبل عتبتها وطاف في أرجائها، فراعه ما شاهده من وضعها الغريب وترتيبها، وحملت إليها الكتب النفيسة ذوات الخطوط النفيسة والأصول المضبوطة المحتوية على سائر العلوم الدينية على مئة وستين حملاً سوى ما نقل إليها بعد ذلك، وجعلها وقفاً بدار الكتب التي أنشأها بالمدرسة المذكورة».
في دراسة نشرت في مجلة «المجمع العلمي» العراقي، جمع الباحث واللغوي والمؤرخ العراقي مصطفى جواد أخبار المدرسة المستنصرية وما حصل عليها عبر السنين والتحولات التي مرّت بها، حتى وصل وضعها لما هو عليه الآن… وعلى الرغم من مرور زهاء 790 عاماً، فقد حافظت المدرسة على الأسس الرئيسية لمعالمها. وهذه المدرسة عرفت بـ»المستنصرية» باسم بانيها «المستنصر بالله أبي جعفر المنصور» الخليفة العباسي السابع والثلاثين، الذي دامت خلافته من سنة 623 إلى 640 للهجرة (1226- 1242م).
تقوم المستنصرية في الجانب الشرقي من بغداد، على ضفة دجلة اليسرى، قريباً من رأس الجسر الشمالي المسمى جسر المأمون حينها، من جهته السفلى، على قيد عدة أمتار منه. وتمتد على ضفة النهر، مسافة يبلغ طولها زهاء 105 أمتار، فحدودها الغربية ثابتة تنتهي بنهر دجلة. وأما سائر حدودها فيمكن تعيينها اليوم بشيء من الصعوبة، بالنظر إلى بعض العمائر المستحدثة التي قد لاصقتها أو دخلت مرافقها، فضاعت بذلك بعض المعالم من حدود المدرسة الشرقية الجنوبية، فضلاً عن حدودها الشمالية: فنجد هناك الأسواق والحوانيت والمخازن كسوق الرماح وسوق دانيال وسوق المولاخانة وقهوة المميز، وغيرها من المباني المستحدثة بمرور الأيام.
من يلقي نظرة على المدرسة، يجدها مستطيلة الشكل، طولها يوازي مجرى دجلة، وهو يبلغ الآن 104 أمتار و80 سم، وعرضها من الجهة الشمالية 44 متراً و20 سم، ومن الجهة الجنوبية 48 متراً و80 سم، فتكون مساحة المدرسة بالاستناد إلى هذه الأبعاد 4836 متراً مربعاً، هذا باستثناء الرصيف الحالي الذي يمتد حيالها على النهر مسافة معدلها 11 متراً و80 سم. هذه التقديرات جاءت بناءً على الباحث والمؤرخ المعروف كوكريس عوّاد، الذي قام بقياس المدرسة بنفسه، فضلاً عن الفروقات بين المساحة الأصلية في البناء والتغيرات التي طرأت عليها عبر الزمن.
وقد أشار عوّاد في أحد بحوثه إلى أنه روعي في بناء المدرسة أن تكون مشتملاتها كإطار يحيط بها. فالحجر والغرف والقاعات والأواوين والأروقة وغير ذلك من المباني تحفّ بها من جهاتها الأربع، ويتوسطها صحن طويل فسيح، أبعاده 62.40 و27 متراً.
المدرسة تتألف من طبقتين، في كل منهما طائفة كبيرة من الغرف والقاعات. أما الأواوين فارتفاعها بارتفاع الطبقتين معاً. احتوت المستنصرية كل ما كانت تقتضيه الحاجة من المباني والتشكيلات: فهناك الصحن، تحيط به الأواوين والبيوت والغرف المختلفة والأروقة.
كان الصحن مطبقاً بالآجر، تتوسطه بركة يأتي ماؤها من دجلة، فيجري تحت الأرض، فإذا انتهى إليها خرج منها إلى المزملة، وفي كتابه (الحوادث الجامعة) أشار ابن الفوطي إلى أنه «مد سماط في صحن المدرسة أجمع، فكان عليه من الأشربة والحلواء وأنواع الأطعمة ما يجاوز حد الكثرة، فتناوله الحاضرون تعبئة وتكويراً».
أما الأواوين، ففي المستنصرية أربعة منها (مفردها إيوان) خص كل منها بمذهب من المذاهب الأربعة، وقد بولغ في إتقان بنائها وتجويد زخرفتها بالزخارف الهندسية والنباتية الدقيقة. ارتفاع كل إيوان منها يساوي ارتفاع طبقتي البناء معاً، فهو يبلغ زهاء تسعة أمتار، أما عرض فتحة الإيوان فيبلغ ستة أمتار، وطوله سبعة أمتار و80 سم. ومما يشبه الأواوين في شكله وليس منها، مدخل المدرسة، فهو من السعة بما يمكن عدّه إيواناً صغيراً، بسقف مزخرف.
صممت المستنصرية لتكون مكاناً لدراسة وإقامة الطلبة، لهذا تجدها ذات بيوت وغرف كثيرة صُفَّت على جانبيها، ففي كل طبقة من طبقتي المدرسة المستنصرية بيوت وغرف عديدة متجاورة، بنيت للدرس ولسكنى الطلبة ولغير ذلك من الأغراض المدرسية. ولم ينوه المؤرخون بعدد هذه الغرف، ولكننا إذا عقبنا الباقي منها وأحصيناه، وجدناه لا يقل عن مئة حجرة وغرفة، بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة. من هذه الحجر والغرف، اثنتا عشرة قاعة كبيرة، ارتفاعها يساوي ارتفاع طبقتي البناية معاً.
وكان للمدرسة المستنصرية ممر أو رواق أمام حجرات الطابق العلوي السكنية، ولكن هذا الرواق المطل على الصحن الأوسط للمدرسة تصدع في سنة 635 هـ – 1237 م بسبب تعرضه لصاعقة، وكان في المدرسة أيضاً مسقاة متينة البناء مع حاجز يمنع عنها تسرب مياه نهر دجلة وقد تصدعت المسقاة وشيدت في العصر الحديث مسقاة جديدة. وكانت المستنصرية مجهزة بمزملة لمياه الشرب العذبة وألحق بها إيوان للساعات الشمسية خارج المدرسة، ومن مرافق المدرسة حمام خاص بالفقهاء والمدرسين حتى لا يختلطوا بالطلاب ولكن هذا الحمام اندثر ولم يعد له أثر مثلما اندثر ”البيمارستان” المستشفى الذي كان مشيداً في مواجهة المدرسة حسبما يظهر من الوقفية التي أشارت إلى أنواع الأشربة والأدوية التي تعطى للمرضى من هذا البيمارستان.
كما ضمَّت المستنصرية بيوتاً صغيرة عددها 39 في الطبقة السفلى، ومثلها من الغرف في الطبقة العليا. كما اشتملت على عدد من المرافق التي يحتاجها الطلبة وساكنو هذه المدرسة، مثل البيمارستان؛ وهو المشفى أو دار المرضى، والصيدلية، والمخزن، ودار الحديث، ودار القرآن، والمطبخ، والبستان. فضلاً عن خزانة الكتب، التي تحدث عنها بعض المؤرخين، قائلين أن المستنصر، بعد أن تم تشييد مدرسته، نقل إليها في هذا اليوم من الربعات الشريفة، والكتب النفيسة المحتوية على العلوم الدينية والأدبية ما حمله مئة وستون حمالاً، وجعلت في خزانة الكتب. وأما عدد المجلدات في هذه الخزانة، فقد نقل ابن عنبة العلوي أن المستنصر أودع خزانته في المستنصرية ثمانين ألف مجلد.
وفي كلام ابن بطوطة عن الجانب الشرقي من بغداد، وصف لما شاهده هذا الرحالة في أواوين المستنصرية في العام 727هـ، قائلاً: «إن بها المذاهب الأربعة، لكل مذهب إيوان، فيه المسجد وموضع التدريس، وجلوس المدرس في قبة خشب صغيرة على كرسي عليه البسط، ويقعد المدرس وعليه السكينة والوقار، لابساً ثياب السواد معتماً، وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كل ما يمليه، وهكذا ترتيب كل مجلس من هذه المجالس الأربعة».
من جانبه، أشار ابن بطوطة إلى موقع أرباع المذاهب الأربعة في المدرسة بقوله: «ثم قسمت الأرباع: فسلم ربع القبلة الأيمن إلى الشافعية والربع الثاني يسرة القبلة للحنفية، والربع الثالث يمنة الداخل للحنابلة، والربع الرابع يسرة الداخل للمالكية».
مدة الدراسة في المستنصرية عشرة أعوام وتضم أقسام علوم القرآن والسنة النبوية والمذاهب الفقهية والنحو والفرائض والتركات ومنافع الحيوان والفلسفة والرياضيات والصيدلة والطب وعلم الصحة، وهي أول جامعة إسلامية جمعت فيها الدراسة الفقهية على المذاهب الاربعة (الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي) في «مدرسة واحدة» أما المدارس الفقهية التي قبلها فأختصت كل واحدة منها بتدريس مذهب معين من هذه المذاهب. وبعد انتهاء الدراسة يمنح الطالب شهادة التخرج التي تؤهله التوظف في دواوين الدولة.
ظل التدريس قائماً في الجامعة المستنصرية أربعة قرون منذ ان أفتتحت في سنة (631 هـ/1233م) حتى سنة (1048 هـ/1638م)، وإن تخلل ذلك فترات انقطاع، كانت الأولى في أثناء الاحتلال المغولي لبغداد سنة (656 هـ/1258م) وتوقفت الدراسة فيها قليلاً، ثم عاد إليها نشاطها من جديد، حيث استؤنفت الدراسة في السنة نفسها، وظلت الدراسة قائمة في المستنصرية بانتظام بعد سقوط بغداد نحو قرن ونصف من الزمن.
توقفت الدراسة فيها وفي غيرها من مدارس بغداد، بسبب تدمير تيمورلنك لبغداد مرتين الأولى سنة (765 هـ/1392م) والأخرى في سنة (803 هـ/1400م). إذ قضى تيمورلنك على مدارس بغداد ونكل بعلمائها وأخذ معه إلى سمرقند كثيراً من الأدباء والمهندسين والمعماريين، كما هجر بغداد عدد كبير من العلماء إلى مصر والشام وغيرها من البلاد الإسلامية، وفقدت المستنصرية في هذه الهجمة الشرسة مكتبتها العامرة، وظلت متوقفة بعد غزو تيمورلنك نحو قرنين من الزمن حتى أفتتحت للدراسة عام (998 هـ/1589م)، ولكن لم تدم طويلاً فعادت وأغلقت أبوابها عام (1048 هـ/1638م)، ومن ثم فتحت مدرسة الآصفية في مكانها، وكانت مدرسة الآصفية من مرافق المدرسة المستنصرية، وجدد عمارتها الوزير داود باشا والي بغداد في عام (1242 هـ/ 1826م)، وسميت بالآصفية نسبة إلى داود باشا الملقب بآصف الزمان.
يقول الباحث الدكتور عبد اللطيف المعاضيدي إن هذه المدرسة كانت جامعة إسلامية كبرى تدرس فيها كل العلوم المعروفة في ذلك الوقت إضافة إلى تدريس فقه المدارس المذهبية الأربعة، وكان للمدرسة نظام دقيق لتحديد عدد المدرسين والطلاب الذين تستوعبهم المدرسة، وكانت الدراسة على نفقة الدولة.
مضيفاً: وفي المدرسة أقسام عديدة للدراسة، فإضافة إلى أقسام الدراسة هناك أقسام خدمية منها المخزن الذي يحفظ فيه المواد القرطاسية والأطعمة وهناك حمام ومزين (حلاق) للطلبة، إضافة إلى المطبخ الخاص للطعام.
وفي مدخل المدرسة المستنصرية أقيمت الساعة العجيبة التي أوردت أوصافها بعض المراجع العربية وكانت الساعة تعمل لإرشاد الناس على أوقات الصلاة وتعمل ليلاً ونهاراً وبأسلوب علمي متطور ما يدل على مدى ما وصل إليه العلماء العرب من تطور في ذلك الزمان.
أما عن أوضاع المدرسة في مواجهة الزمان وتأثيره، فيشير المعاضيدي إلى أن المدرسة قد أصابها الإهمال ما أدى إلى تصدع البناية وخاصة في زمن العثمانيين واستمر إلى سنة 1940 إذ كانت المدرسة عبارة عن خان كبير للقادمين إلى مدينة بغداد ويسمى (مسافر خانة) وهي كلمة تركية. وكان هذا الخان محطة استراحة للمسافرين وخاصة العاملين في الوسائط النهرية للنقل وكان هؤلاء العاملون على هذه المركب جعلوا محطة استراحتهم في ذلك الخان والمسمى المدرسة المستنصرية.
ويتحدث الدكتور علي العكيدي عن أهمية المدرسة المستنصرية مبيناً أنها تأتي من كونها بالنسبة للخليفة المستنصر بالله انجازاً علمياً رائعاً ولهذا كان شديد العناية بها بعد إنشائها حيث كان له شباك يطل على إيوان الحنابلة فكان يجلس إليه يسمع الدرس، وكذلك أمر أن ينتقل إليها من نفائس الكتب الأدبية والدينية ما حمله مئة وستون حمالاً.
هذا من ناحية الأداء، أما من ناحية العمران والبناء فقد أحسن وصفها القرماني عندما قال مادحاً جمالها وشكلها البهي إنها مدرسة لم يبن على وجه الارض أحسن منها.
وأهمية المدرسة المستنصرية في تلك الحقبة الزمنية كانت تأتي من خلال كونها مؤسسة رسمية تمول الدولة بالكوادر العلمية، حيث تميز العصر العباسي الأخير عن غيره من العصور الإسلامية التي سبقته بظهور المدارس أماكن للتعليم عند المسلمين حيث أصبح نظام المدرسة من الضروريات التي تتطلبها الظروف المستجدة في الواقع العربي الإسلامي نتيجة لتطور المجتمع وظهور الحاجة إلى أن تشرف الدولة على النظام التربوي لتحقيق أهدافها وسد حاجتها من الموظفين الرسميين والإداريين لاشغال مناصب الدولة ووظائفها ولهذا أصبحت المدرسة منظمة رسمية من منظمات الدولة يتخرج فيها عمال الدولة وموظفوها.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية