انشغل الكثير من الناس في محاولة لإيجاد السبيل لأكل الكعكة وإبقائها كاملة. وها هي، في القدس بالذات وجد المحل المزعوم. كراس فاخر وصل إلى طاولتي يشرح كيف التخلص من «خطر» تصويت عرب شرقي القدس في انتخابات البلدية، وإبقاؤهم مع ذلك تحت سيادة إسرائيلية. فقد نشر المركز المقدسي للشؤون العامة والسياسية اقتراح نداف شرغاي إخراج الأحياء الفلسطينية في شمال المدينة من المساحة البلدية لعاصمتنا، وإقامة مجلسين محليين جديدين لهم. واضع الاقتراح هو احد الأشخاص الأكثر خبرة في موضوع القدس، ومن كتب عنها كتبا ومقالات هامة.
المشكلة معروفة. في عهد النشوة في أعقاب حرب الأيام الستة قررت حكومة الوحدة الوطنية ان تضم إلى القدس الغربية تلك الشرقية. ولم تكتف الحكومة بضم القدس الأردنية الصغيرة، التي كانت مساحتها أقل من 7 كيلو متر مربع، وضمت أيضا 28 قرية عربية مجاورة للمدينة، انطلاقا مما بدا للضامين كـ «نظرة بعيدة المدى». ولعشرات آلاف الفلسطينيين الذين سكنوا في القدس الموسعة منحت إقامة إسرائيلية كاملة، وإمكانية التجنس في إسرائيل (قلة حققوا هذا التجنس). وكنتيجة لذلك منحوا الحق في التصويت في الانتخابات في البلدية لرئاسة البلدية ولمجلسها. غير أنهم لم يدرجوا على تحقيق هذا الحق كي لا يعبر ذلك عن تسليم منهم بالاحتلال وبالضم. واذا كان الفلسطينيون يشكلون 26 في المئة من سكان القدس في 1967، فغنهم يشكلون اليوم 41 في المئة من القدس الموحدة.
ماذا سيحصل إذا ما قرر الفلسطينيون في 30 تشرين الأول المشاركة في انتخابات البلدية؟ معقول الافتراض بان الكتلة الفلسطينية في مجلس البلدية ستكون الأكبر، وستصر على حقوق سكان الأحياء في شرقي المدينة، التي توجد في وضع مخجل، بسبب تجاهل معيلي البلدية.
من يريد منع دولة ثنائية القومية او عاصمة ثنائية القومية، يقترح مخططات تقسيم بين إسرائيل وبين دولة فلسطينية مستقبلية، عاصمتها شرقي القدس. ولكن من يتمسك بمبدأ «ولا شبر» وليس مستعدا لأن يمنح الفلسطينيين حقوقا ـ يتخيل حكما ذاتيا فلسطينيا تحت رعاية إسرائيلية، او فلسطينيين يعيشون في القدس ويوجدون تحت سيادة إسرائيلية، في أحياء توجد في إطار بلدية منفصلة.
وهكذا اخترعت الطريقة الجديدة: السكان الفلسطينيون في شرقي القدس يبقون في بيوتهم، ولكن بدلا من أن يعيشوا في «مدينة موحدة»، سيعيشون من الآن فصاعدا في بلديتين جديدتين، وان شاءوا، فسيصوتون لممثليهم البلديين.
يتحدث شرغاي في صالح الفكرة (التي تبناها زئيف الكين، والمسؤول عن القدس من جانب الحكومة)، بأن هكذا سيتمكن الفلسطينيون (الذين يواصلون التمتع بحقوق الإقامة في إسرائيل) من إدارة شؤونهم دون أن يكونوا متعلقين بسخاء الأغلبية اليهودية في المدينة، بينما الطرف اليهودي يمكنه أن يتحرر من الخوف من أن تصبح العاصمة عربية. وماذا اذا لم يقبل الفلسطينيون بالحل؟ عندها، كما يكتب شرغاي، سيعين وزير الداخلية لهم لجنة، فيأتي الخلاص لصهيون.
هل فهمتم هذا؟ بطريقة «الادعاء» يواصل سكان شمال ـ شرقي القدس ليكونوا مقيمين إسرائيليين، لن يكونوا أصحاب حق تصويت في القدس، واذا لم يرغبوا في أن يحققوا حقهم في التصويت في المدينة الجديدة التي ستقام لهم، فسيدير لهم حياتهم من يعينهم الوزير درعي.
شرغاي لم يخترع شيئا. ففي العام 1959 أقامت الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا عشر مناطق حكم ذاتي سميت «دولا» للأغلبية السوداء، التي كانت أكبر منها بخمسة أضعاف تقريبا، وكانت الأغلبية السوداء لا يحق لها الانتخابات الا في مناطق الحكم الذاتي الخاصة بها. وكانت هذه بائسة، وواصل أغلبية السود السكن في أحياء المدن الكبرى، بلا حقوق. في 1994، ألغيت كل «الدول» العشر، وأصبحت جنوب أفريقيا دولة واحدة، بحكم الأغلبية السوداء. اقترح على شرغاي والكين ألا يحملانا إلى هناك. عندما تؤكل الكعكة، فإنها تختفي من الصحن.
إسرائيل اليوم 2/3/2018