المدينة متوازنة الأطراف

حجم الخط
0

في لقاء لخبراء في مسألة القدس، عقد قبل نحو شهرين في تل أبيب وضع على الطاولة مشروع لحل سياسي تضمن خطوات انتقالية لفصل الاحياء الفلسطينية عن القدس. وكان للمقدسيين الذين شاركوا في البحث مواقف سياسية مختلفة بالنسبة لمكانة المدينة المستقبلية، ولكنهم كانوا موحدين في الرأي في نقطة واحدة: خطوات فصل احادية الجانب ستوقع مصيبة على القدس.
عرض رئيس حزب العمل، اسحق هرتسوغ، في الايام الاخيرة خطة سياسية في اساسها الاقتراح «للانفصال» باكبر قدر ممكن عن الفلسطينيين وباسرع وقت ممكن، وذلك من أجل «اعادة توحيد القدس الحقيقية، بدون مئات الاف الفلسطينيين الذين سيكونون في الجانب الاخر من السور».
ان القاسم المشترك بين اقتراح هرتسوغ والخطط الاخرى التي طرحت مؤخرا هو التأييد لخطوات احادية الجانب تعسفية كرد على العقدة السياسية والامنية. وتواصل هذه الخطط تقاليد طويلة، مقبولة في حزب العمل ومحيطه، في التعامل مع الفلسطينيين كجموع عديمي الارادة بحد ذاتهم، ويمكن القائهم من جانب إلى آخر دون أن يكون لذلك أي نتائج. لقد نجح اسحق رابين في كسر هذه التقاليد ولكن ايهود باراك عاد اليها. فرابين فهم بان الاتفاق ليس وثيقة بل فكرة تترجم إلى بنود تصمم الواقع.
من خلف خطة هرتسوغ يقف التطلع إلى تثبيت سيطرة إسرائيل في الحوض التاريخي في القدس، ونزعه عن الاحياء الفلسطينية المحيطه به وتوثيق السيطرة على الفلسطينيين الذين يعيشون في، والذين يشكلون اكثر من 90 في المئة من سكانه. ما يعرض كفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو في واقع الامر فصل بين الفلسطينيين والفلسطينيين في المجال المقدسي، لغرض تثبيت حقائق اخرى على الارض. وستثير هذه الخطوات على إسرائيل العالم الإسلامي والاسرة الدولية، وهي وصفة مؤكدة لاشعال القدس.
لنفهم ماذا سيكون مصير الاحياء الاخرى التي ستقطع من مجال معيشتها وتوضع خلف الجدران، يكفي أن ننظر إلى الاحياء الشرق مقدسية التي قطعها الجدار القائم عن المدينة واصبحت غيتوات فقر وضائقة مدقعين. لقد تبين المرة تلو الاخرى بان وعود السلطات الإسرائيلية بالحرص على هذه الاحياء كانت فارغة من المحتوى.
هناك من يتسلون بفكرة ان هذه الاحياء ستنقل إلى سيطرة السلطة الفلسطينية. وهؤلاء يتوقعون بان تتلقى السلطة المسؤولية عن الخطوات التي اتخذت في ظل تجاهلها رغم انهم يضعون امام بوابتها فوضى سياسية، مدينية وانسانية.
من يعتقد أنه لن تكون لخطوات قسرية تؤدي إلى تفكيك الاطر المادية، الاجتماعية والمجتمعية والى تحطيم المجال الفلسطيني المقدسي آثار على وضع الامن يجدر به أن يراجع عدد العمليات التي خرجت من الاحياء خلف الجدار. فالجدار لم يوقفها، والمزيد فالمزيد من الجدران سيفاقم فقط الوضع القائم وبالتأكيد لن يساهم في التسوية في المستقبل.
كان الخبراء المقدسيون الذين شاركوا في البحث يعرفون بان نحو 50 سنة من «التوحيد» للمدينة خلقت واقعا مركبا ومعقدا. وهذا واقع يتكون من توازنات حساسة يمكن الاخلال بها بسهولة. هذه التوازنات هي القدس الحقيقية، التي لم تختار اغلبية سكانها الواقع القائم ورغم ذلك فانهم يفهمون بانه ينبغي حاليا التعايش معه.
في كل يوم يسافر في القطار الخفيف في القدس 140 الف إسرائيلي وفلسطيني. عشرات الاف الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يلتقون في اماكن العمل وفي مراكز التبضع في المدينة لا يمكنهم ان يكونوا خاضعين للاحابيل السياسية. فالقدس يجب أن تدار بحذر زائد، انطلاقا من فكر يرى فيها بيت الشعبين في الحاضر وعاصمتهم في المستقبل.
هناك امور يمكن عملها منذ الان: تعزيز شروط الحياة، الامن الشخصي والافق المستقبلي لكل سكان المدينة، الامتناع تماما عن تثبيت حقائق من طرف واحد، تنمية مناخ سياسي يحمل حلا والسماح لسكان المدينة الفلسطينيين ببناء مؤسساتهم وادارة حياتهم في المدينة. هذا لن يكون سهلا، ولكن لا يوجد سبيل آخر. في هذه الاثناء وفروا علينا الاحابيل. نحن، الإسرائيليين والفلسطينيين في القدس، نحتاج لان نصعد إلى القطار ونصل إلى بيوتنا بسلام.

هآرتس 8/2/2016

يهوديت اوفنهايمر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية